أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رمزي عطية مزهر - حين يعتلي التافه المنبر: انقلاب المعايير في غزة الجريحة














المزيد.....

حين يعتلي التافه المنبر: انقلاب المعايير في غزة الجريحة


رمزي عطية مزهر

الحوار المتمدن-العدد: 8629 - 2026 / 2 / 25 - 08:19
المحور: قضايا ثقافية
    


في غزة، لا تسقط القذائف وحدها، بل تسقط معها أحياناً إلى مقاييس الأشياء. في زمن الحرب، لا يعلو صوت المدافع فقط، بل تعلو كذلك أصوات لم يكن لها يوماً وزن، وتتمدد ظلال أشخاص لم يصنعوا مجدا بعلم أو خُلق أو تضحية، بل صنعتهم الفوضى ورفعتهم الحاجة.
كيف يحدث أن يصبح التافه متحكما، وأن يتحول الفاشل إلى مرجعية، وأن ينصاع له من يجب أن يكونوا على قمة هيكل المجتمع ، بل ويلبي نداءه متعلمون ومثقفون ووجهاء من اكاديمين وأطباء ومهندسين وقيادات المجتمع المدني
ليس لأن المجتمع فقد وعيه، بل لأنه فقد توازنه.
حين تختل البوصلة:
المجتمعات في حالتها الطبيعية تفرز نخبها وفق معايير واضحة: العلم، الخبرة، النزاهة، التاريخ المشرف. لكن حين تضرب الحرب جذور الاستقرار، تتغير المعادلة. لا يعود السؤال: من الأكفأ؟
بل يصبح: من يستطيع أن يفتح بابا مغلقا؟ من يملك واسطة؟ من يستطيع إدخال شاحنة مساعدات؟ من يوفر حماية ولو شكلية؟
في لحظة الحاجة القصوى، يتقدم من يملك مفاتيح اللحظة، لا من يملك مفاتيح المستقبل.
هنا يطفو من لم يكن يُرى، ويتراجع من كان يُحترم. لا لأن الأول أفضل، بل لأنه أكثر جرأة على استثمار الألم. يستغل الفراغ، يتسلل إلى مساحات الخوف، ويقدم نفسه بوصفه المنقذ، بينما هو في كثير من الأحيان مجرد مستثمر في وجع الناس.
انصياع لا يشبه القناعة:
قد يبدو مشهد انصياع بعض الوجهاء أو المتعلمين صادما. لكن خلف هذا المشهد طبقات من التعقيد.
هناك من ينحني لا اقتناعا، بل حمايةً لأهله.
وهناك من يتعاون لا إعجابا، بل بحثا عن منفذ يخدم به الناس.
وهناك من يساير لأنه يدرك أن الصدام في زمن هشّ قد يضاعف الخسارة.
إنه انصياع الضرورة، لا انصياع الإيمان.
ومع تكرار المشهد، تتآكل الحدود بين القناعة والمجاراة، بين الاحترام الحقيقي والهيبة المصطنعة، حتى يبدو المشهد وكأن المجتمع انقلب رأسا على عقب.
صعود العشيرة حين تغيب المؤسسة: سيادة القانون
عندما تضعف المؤسسات أو تُشلّ بفعل الحرب، يعود الناس إلى دوائرهم الأولى: العائلة، العشيرة، المختار.
هذا ليس جديداً في التاريخ الاجتماعي، لكنه في السياق الراهن أخذ أبعاداً مختلفة. تحولت العشيرة من إطار تضامن اجتماعي إلى ساحة نفوذ، ومن ملاذ أمان إلى أداة تنافس.
وفجأة، أصبح كثيرون يسعون إلى “ركوب القطار”:
من يبحث عن وجاهة سريعة،
ومن يريد مظلة حماية،
ومن يطمع في نصيب من سلطة بلا مساءلة.
هكذا تتسع الدائرة، ويتضخم النفوذ، ويختلط الصوت الاجتماعي بالصوت المصلحي.
من يتحكم فعلًا؟
التحكم اليوم ليس لقبا رسميا، بل قدرة عملية.
من يتحكم هو من يستطيع أن يؤثر في مسار المساعدة، أو يوجه قرارًا ميدانيًا، أو يفرض حضورًا في لحظة فراغ. إنها شبكة معقدة من قوى الأمر الواقع، ووسطاء، وشخصيات عشائرية، ومراكز تأثير غير مرئية.
لكن أخطر ما في الأمر ليس من يتحكم الآن، بل المعايير التي يُعاد تشكيلها بصمت.
حين يتعود الناس على رؤية غير المستحق في موقع القرار، يبدأ الوعي الجمعي بالتأقلم. وحين يتكرر المشهد، يصبح اعتياديا. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
هل انكسر المجتمع؟
لا.
المجتمعات لا تُقاس بلحظات ضعفها، بل بقدرتها على تجاوزها.
ما يحدث في غزة اليوم هو ارتباك قيمي فرضته حرب قاسية، لا تحوّل جوهري في جوهر الإنسان الغزّي. تحت الركام، لا تزال قيم الكرامة والعلم والنزاهة حية، لكنها مؤجلة، محاصرة، تنتظر مساحة لتتنفس.
التاريخ يعلمنا أن الفوضى ترفع أصواتاً عالية، لكنها نادراً ما تُبقيها طويلاً . وعندما تهدأ العاصفة، يعاد فرز المشهد من جديد. يسقط من صعد بلا جذور، ويثبت من امتلك عمقًا حقيقياً .
السؤال ليس لماذا صعد التافه اليوم، بل كيف سيعيد المجتمع ترتيب سلمه القيمي غداً.
وفي غزة، التي خبرت الألم والصمود معا، لعل الإجابة تُكتب بعد أن ينقشع الغبار، ويعود الميزان إلى يده الأصلية: يد الوعي.



#رمزي_عطية_مزهر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العلاقات الاجتماعية بين القرب الزائف والصدق الغائب
- غزة بين السلاح والقرار: أي طريق نختار لحماية الإنسان والقضية ...
- أزمة إدارة لا أزمة صمود: قراءة فى غياب توحيد القرار و فشل تص ...
- فلسطين أولا: من أنقاض غزة إلى دولة المؤسسات ومستقبل الإنسان
- إدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة: إشكالية الكفاءة القيادية وت ...
- منهج القيادة السياسية: وضوح الرؤية، وحدة القرار، وشجاعة التن ...
- تمجيد التافهين في مجتمعنا: أزمة ثقافية أم واقعة اجتماعية
- إدارة الصراع مسؤولية وطنية… وإدارة الخداع طريق الانكشاف
- ثقافة النقد البناء يا احفاد كنعان:
- ما بين زين العابدين بن الحسين وهشام بن عبد الملك: قراءة فلسف ...
- حساسية المرحلة وواقع إدارة الفوضى: غزة نموذجا
- سقوط الأعمدة… حين ينكشف زيف الألقاب وتُعرّي القيم أصحابها
- لا يمكن للمجد أن يستقر حيث يسكن الجوع – غزة شاهدة
- مصر عالية كأهراماتها
- إدارة الفوضى وقيادة مجلس السلام الأمريكي
- الرجل المناسب في المكان المناسب
- ويل للذين يعلمون من الذين لا يعلمون....
- خطة التهجير على طاولة البيت الأبيض
- مصر وفلسطين ... شراكة الدم والتاريخ والمصير
- إلى كل من يملك القرار...


المزيد.....




- إلهان عمر تصرخ مقاطعة ترامب بخطاب حالة الاتحاد.. ماذا قالت؟ ...
- ترامب يُشيد بجهود إدارته لإعادة جميع الرهائن المحتجزين في غز ...
- ترامب يطرح ذريعة نادرة لشنّ ضربات محتملة على إيران في خطاب ح ...
- من هو -الفارس المجهول- الذي كتب روائع النقشبندي و-الشيماء- و ...
- البنتاغون: القوات الأمريكية تعترض ثالث ناقلة نفط في المحيط ا ...
- ترمب: الجيش الأمريكي الأقوى في العالم وإنجازاتنا العسكرية وا ...
- رصيد ليوم عصيب.. هل يمكن تخزين النوم استعدادا للإرهاق؟
- خلافا لأسلافه.. ترمب يتجه لحرب مصيرية مع إيران دون مبررات
- ترامب يحطم الرقم القياسي لأطول خطاب عن حالة الاتحاد
- -السود ليسوا قرودًا-.. إخراج نائب ديمقراطي رفع لافتة احتجاجي ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رمزي عطية مزهر - حين يعتلي التافه المنبر: انقلاب المعايير في غزة الجريحة