أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين غسان الشمخي - كارثة سينما ريكس: الحقيقة التي غُيِّبت.














المزيد.....

كارثة سينما ريكس: الحقيقة التي غُيِّبت.


حسين غسان الشمخي

الحوار المتمدن-العدد: 8627 - 2026 / 2 / 23 - 14:57
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في مساء التاسع عشر من أغسطس/آب 1978، اشتعلت النيران في سينما ريكس بمدينة عبادان. سرعان ما حضرت الشرطة ورجال الإطفاء. حاولت فرق الإطفاء السيطرة على ألسنة اللهب، غير أنّ الحريق كان واسع النطاق، وبعد ساعات طويلة من الجهد المضني تمكّنوا أخيرًا من إخماد النيران. عُثر داخل القاعة على جثثٍ متفحّمة لأكثر من خمسمائة ضحية، تعذّر التعرّف إلى معظمهم بسبب التشوّه البالغ الذي لحق بهم. وسرعان ما انتشرت في المدينة شائعةٌ مفادها أنّ الشرطة أغلقت مدخل السينما من الخارج بسلسلة حديدية، وأنّ رجال الإطفاء تأخروا عمدًا في الوصول. وتصاعدت الشكوك بين الناس حول ضلوع الشاه في الجريمة، وخلال مراسم الدفن بدأ بعض المشيّعين يهتفون بشعارات مناوئة لسلطته.

شكّل الحريق الذي اندلع في سينما ريكس أكبرَ مأساةٍ شهدتها تلك الثورة، وأخطرَ حدثٍ أسهم في تعبئة الجماهير ودفعها إلى الانخراط فيها. والمثير للدهشة أنّ هذا الحدث، على فداحته، بقي الرأي العام العالمي شبه غافلٍ عنه.احتضنت منطقة عبادان صناعة النفط وموانئ عدّة على الخليج، ما جعل أهلها على تماسٍّ مباشر بالثقافة الغربية لعقود طويلة ، ويعرفون بثقافةٍ مرحة ومنفتحة، لا تنسجم كثيرًا مع الطابع المحافظ الذي تبنّته التيارات الإسلامية. ورغم أنّ موجة التظاهرات المناهضة للحكومة كانت قد بدأت بالفعل في مناطق أخرى من إيران، فإن هذه الحادثة شكّلت الشرارة الأولى في هذا الإقليم الذي يحتضن الصناعة النفطية الحيوية للبلاد.

في المنفى، حمَّل آية الله الخميني نظام الشاه مسؤولية تلك الجريمة. وبفعل كراهيةٍ عميقة ومتجذّرة تجاه الشاه، وقعت أطياف المعارضة—صغيرةً كانت أم كبيرة، يمينيةً أو يسارية—في الفخّ، فوحّدت خطابها متهمةً النظام بإحراق المسرح، وانتقل هذا الاتهام إلى الشارع. وهكذا اتّسعت قاعدة المشاركين في الثورة، وأضرب عمّال صناعة النفط—شريان النظام السابق—احتجاجًا على الشاه.

أُلقي القبض على المتهمِ الرئيسيِّ في الحادثة : حسين تقباليزاده. أقرّ بصلاته بجماعة إسلامية متشددة، وبأنه نفّذ عملية الإحراق بتوجيهٍ من رجال دين ثوريين في المدينة. أمام هذه التطورات المتسارعة، بدا أداء النظام السابق واهيًا، إذ كان يعلّق آمالًا على مصالحةٍ مع المؤسسة الدينية؛ فلم تُعقد محاكمة، ولم يُكشف للناس شيء عن الفاعلين الحقيقيين. وكانت تلك الفرصة الأخيرة، وربما الأهم، التي أهدرها الشاه للمحافظة على حكمه. سقط نظام الشاه، وانتصرت الثورة الإسلامية، وتسلّم الخميني السلطة، وأُفرج عن تقبالي‌زاده من السجن.

بعد انتصار الثورة الإسلامية بمدة، فوجئ تقباليزاده بنشر صورته في إحدى المجلات مرفقةً بتعليق يقول: «مسؤول في جهاز استخبارات البلاد هو من أشعل النار في سينما ريكس». لم يكن مستعدًا للصمت إزاء هذا الوصف، ولم يقبل بأقلّ من ردّ اعتباره كاملًا. قصد مباشرةً رجال الدين في المدينة الذين نفّذ الحريق بتوجيهٍ منهم، غير أنّه تلقّى هناك عرضًا بالسفر إلى لبنان وفلسطين للمشاركة في «النضال ضد الصهيونية»—وهو عرض بدا، في جوهره، محاولةً لإبعاده عن الساحة.

أما ذوو الضحايا الذين قضوا حرقًا في المسرح، فقد أصابهم الذهول حين رأوا أنّ النظام الجديد لا يبادر إلى ملاحقة القضية، فبادروا إلى تأسيس جمعية تمثّلهم. والتقى ممثلو الجمعية مسؤولين بلديين، كما التقوا آية الله الخميني، غير أنّ برود الاستجابة أثار شكوكهم. وفي الأثناء، واصل تقباليزاده مساعيه ولقاءاته مع شخصيات دينية وسياسية من دون نتيجة ملموسة، إلى أن انتهى الأمر باعتقاله.

تجمّع ذوو الضحايا في باحة أحد المباني الحكومية، وأعلنوا أنهم لن يغادروا المكان ما لم تبدأ محاكمة رسمية. وعلى مدى أربعة أشهر، تعرّضت احتجاجاتهم لهجمات متكررة من جماعات متشددة، إلى أن رضخ النظام الجديد وبدأت جلسات المحكمة. كان من بين مطالب ذوي الضحايا أن يتولى آية الله علي الطهراني منصب قاضي القضية، وكان آنذاك رئيس السلطة القضائية في محافظة خوزستان التي تتبع لها عبادان، ومن الأصوات التي انتقدت احتكار الحكم من قبل رجال الدين. غير أنّ النظام الجديد اختار رجل دين مؤيدًا للخميني ليتولى القضاء في هذه القضية.

ورغم محاولات القاضي المستميتة لإضعاف رواية المتهم، وخلال المحاكمة التي قاطعها بعض ذوي الضحايا احتجاجًا، أعلن تقبالي‌زاده أنه أقدم على فعلته بأمرٍ من الإسلاميين المتشددين وقادة دينيين.لم يُستدعَ أيٌّ من الشخصيات الدينية البارزة في المدينة، التي ذكر تقبالي‌زاده أسماءها خلال المحاكمة وتشغل مناصب مهمة في النظام الجديد، حتى بصفة شاهد. وتبيّن خلال الجلسات أنّ الشائعات المتداولة—مثل إغلاق باب السينما بالسلاسل أو تفريغ خزانات المياه—لم تكن سوى مزاعم بلا أساس.

ومع سير المحاكمة، بدأ ذوو الضحايا يدركون خيوط الحقيقة، وتوصّلوا إلى أنّ تقباليزاده لم يكن سوى أداة ساذجة خُدع بها في مؤامرة أكبر، وازداد يقينهم بأن رجال الدين يسعون إلى التخلص منه. ولمنع إعدامه، قرروا إرسال ممثلين عنهم إلى آية الله الطهراني، الذي كان قد توجّه إلى مسقط رأسه مشهد، على بُعد نحو ألفي كيلومتر من عبادان، لإبلاغه بتنازلهم عن شكواهم ضد تقبالي‌زاده. غير أنهم، وهم على مشارف مشهد، سمعوا عبر مذياع السيارة خبر إعدامه. وصلوا إلى منزل الطهراني والدموع في أعينهم، ليكتشفوا أنّ آية الله الخميني قد أقاله من منصبه القضائي ردًّا على انتقاداته.

وبعد أسبوعين من إعدام تقباليزاده، اندلعت الحرب العراقية–الإيرانية التي استمرّت ثمانية أعوام، فطغى وقعها الهائل على حادثة سينما ريكس حتى كادت تتلاشى من الذاكرة العامة. وحوصرت مدينة عبادان بالقوات العراقية، فيما نزح معظم سكانها وتفرّقوا في أنحاء البلاد، ومن ضمنهم عائلات الضحايا. ولم يعد اسم «سينما ريكس» يُذكر في التقاويم الرسمية، ولا خُصّصت أي ذكرى لأولئك «الشهداء الممجَّدين». بل حُذف الاسم أيضًا من التقارير والتحليلات الرسمية لتاريخ الثورة.



#حسين_غسان_الشمخي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف أسقطت البروباغندا الإسلامية نظام محمد رضا بهلوي ؟
- في ذكرى 8 شباط الأسود، قراءة في رواية «الزعيم» لعلي بدر.
- ملفات إبستين بين الحقيقة والمبالغة.
- قراءة في التحشيد الأميركي الأخير
- معركة الموصل: في ذكرى أحمد «سبونج بوب» الجندي في القوات الخا ...
- أهداف الاعتراف الاسرائيلي بأرض الصومال.
- هل أهل الكوفة أهلُ غدرٍ وخيانةٍ ؟
- تاريخ النزاع العراقي–الكويتي
- ماريون فاروق
- سارة خاتون: العفة والكرامة في أنقى صورِهما
- سليمان القانوني في بغداد
- الكاظمية: شعلة بغداد التي لا تنطفئ عبر القرون.
- «نفرتاري… التي تشرق لها الشمس»
- خيانة أم حذر وشك ؟ لماذا أباد هارون الرشيد البرامكة؟
- ممداني عمدةً لنيويورك: حين يهتزّ نفوذُ اللوبي الصهيوني في عا ...
- رواية «حب الضياع»
- سجن الرضوانية: صيدنايا العراق
- سجن الرضوانية: صيدنايا العراق في عهد النظام البائد
- صباح السابع من أكتوبر
- اليوم الوطني العراقي


المزيد.....




- في -زيارة أخوية-.. السيسي يتوجه إلى السعودية للقاء محمد بن س ...
- حشد عسكري ضخم بالمنطقة.. القائد الأعلى السابق لحلف الناتو يف ...
- -ما هي خيارات دونالد ترامب لشن ضربات في إيران؟-- في الإيكونو ...
- رئيسة المكسيك تحث المواطنين على التزام الهدوء
- إيران: تقول إن أي هجوم أمريكي يعتبر عدوانا يستحق الرد
- العراق: نوري المالكي يقول إنه لن يسحب ترشيحه لرئاسة الحكومة ...
- العراق: هل سيكون هناك مرشح بديل عن المالكي؟
- بعد خسارة -رسوم ترمب- أمام القضاء.. مسار جديد لتجارة واشنطن ...
- من موسكو إلى كييف.. حياة على إيقاع حرب لا تنتهي
- هل تصبح الفضة -النفط الجديد- بفضل السيارات الكهربائية؟


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين غسان الشمخي - كارثة سينما ريكس: الحقيقة التي غُيِّبت.