أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس موسى الكعبي - الأحمر والأسود.. الرواية الأكثر غبنا في تاريخ السرد الادبي..














المزيد.....

الأحمر والأسود.. الرواية الأكثر غبنا في تاريخ السرد الادبي..


عباس موسى الكعبي

الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 18:51
المحور: الادب والفن
    


حينما نكتشف الحقيقة بعد فوات الأوان..

نشر ستندال روايته "الأحمر والأسود" عام ١٨٣٠. كان يعتقد أن عصره سيسيء فهمه تمامًا، وكان محقًا إلى حد كبير. وُصفت الرواية بأنها غير أخلاقية، وساخرة. بيد ان ستندال لم يكترث بذلك.
تدور أحداث الرواية حول جوليان سوريل، ابن نجار في إحدى مقاطعات فرنسا، وهو ذكي وطموح، لكنه مُبتلى بولادته في الطبقة الاجتماعية الخاطئة وفي الزمن الخطأ. أمامه خياران: إما الزي العسكري الأحمر، الذي أتاحه نابليون للموهوبين المغمورين، أو زي الكهان الأسود، وهو الخيار الوحيد المتبقي بعد عودة آل بوربون. فيختار جوليان الأسود، لا بدافع الإيمان، بل بدافع المصلحة.
يصبح جوليان مُدرسًا في منزل السيد دي رينال، عمدة المقاطعة. يُغوي زوجة العمدة على الفور، لاعتقاده أن ذلك خير ما يفعله الرجال الطموحون. فتقع مدام دي رينال في حبه بالفعل. يشعر جوليان بالتأثر والحيرة، وينصبّ تركيزه في الغالب على ما إذا كانت هذه العلاقة ستُحسّن من وضعه. وستندال صريحٌ للغاية في هذا الشأن: جوليان يتعامل مع الحب كاستراتيجية للوصول الى غاية.
جوليان شخصية آسرة ومحبطة في آنٍ واحد، لأنه دائمًا ما كان يؤدي أدوار زائفة وليست حقيقية. لقد حفظ العهد الجديد باللغة اللاتينية لا عن تقوى، بل ليُثير إعجاب الناس. يُغوي النساء ليُثبت قدرته على ذلك. ويتخذ حركات نابليونية لأنه يعتقد أن هذه هي عظمة الشخصية. هو ليس منافقًا تمامًا، بل هو شخص استوعب فكرة أن الأصالة ترفٌ لا يملكه إلا من يملكون السلطة.
يُصوّر عالم الرواية الاجتماعي بدقةٍ لاذعة. المجتمع المحلي تافه، مهووس بالمكانة الاجتماعية، يخشى الكفاءة لأنها تُهدد مكانته الموروثة. أما المجتمع الباريسي فهو أكثر صقلًا، لكنه فارغٌ بنفس القدر: كله تمثيل ورياء، كله حسابات، كله خوف من الاخر المختلف. يتقن جوليان هذا الموقف بمهارة فائقة، فهو يجهل تمامًا حقيقته الكامنة وراء هذا التمثيل.
يصبح سكرتيرًا لأحد النبلاء الباريسيين، ويقع في غرام ماتيلد دي لا مول، ابنة أحد النبلاء، وتُفتن بشدة بشخصية جوليان. علاقتهما أشبه بحرب نفسية. هي تلاحقه، ثم تنفر منه. وهو يتظاهر باللامبالاة، ثم ينهار. ولا يستطيع أي منهما أن يكون صادقًا، لأن الصدق في عالمهما يُعد ضعفًا، والهشاشة هزيمة.
بعد مدة، تحمل ماتيلد. يوافق والدها على الزواج، ويرتب لجوليان الحصول على لقب ورتبة عسكرية، ليصبح كل ما حلم به جوليان ملكًا له فجأة. ثم تصل رسالة من مدام دي رينال، بتحريض من كاهنها، تصف فيها جوليان بأنه ماكر يستغل النساء للارتقاء الاجتماعي.
وفي لحظة من التهور المطلق، يعود جوليان إلى الريف، ويطلق النار على مدام دي رينال داخل الكنيسة. تنجو مدام، بينما يُسجن جوليان. وهنا تتخذ الرواية منحىً استثنائيًا. ففي السجن، تجرد جوليان من طموحه وتظاهره، ليصبح حقيقةً واقعة. يرفض الدفاع عن نفسه، ويرفض الخضوع للمحاكمة. ومن ثم تقرر هيئة المحلفين أنه مجرد فلاح تجرأ على تجاوز حدوده الاجتماعية، ويتعين معاقبته وإعدامه.
تزوره مدام دي رينال، التي لا تزال تُحبه. فيتحدثان بصراحة مع بعضهما للمرة الأولى. وبعدها تزوره ماتيلد، وهي في حالة من الهلع والدراما. يُدرك جوليان بوضوح أنه كان يُحب مدام دي رينال، بينما كان يتوهم حبه لماتيلد. فيأتي هذا التمييز متأخرًا جدًا لدرجة أنه لا يُحدث فرقًا. وفي الختام، يُعدم جوليان بالمقصلة. وتأخذ ماتيلد رأسه المقطوع وتدفنه بنفسها. اما مدام دي رينال فتتوفى حزنًا عليه بعد ثلاثة أيام.
كتب ستندال هذه الرواية استنادًا إلى قضية جنائية حقيقية، لشاب أطلق النار على حبيبته في الكنيسة وجرى اعدامه. لكن ستندال حوّلها إلى قضية أعمق: صورة لما يُكلّفه الطموح عندما يُولد المرء بموهبةٍ لكن دون مقومات مادية، في مجتمعٍ يُصرّ على أن الطبقة الاجتماعية هي قدر البشرية.
جوليان ليس بطلاً، وليس شريراً تماماً. إنه شخصٌ شكّله نظامٌ أوحى إليه أن السبيل الوحيد للنجاح هو الترقّي، والترقّي يتطلّب تمثيل شخصيةٍ لم يعشها قط. وعندما وجد شيئاً حقيقياً: الحب، الصدق، كان الأوان قد فات. فالمقصلة كانت بانتظاره.
المأساة الحقيقية تكمن في إدراك اننا ندمر أنفسنا في محاولة أن نصبح ما نعتقد أننا يجب أن نكون، ولا نكتشف حقيقتنا إلا بعد فوات الأوان.



#عباس_موسى_الكعبي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقترح يختصر المأساة..
- أكثر عشرة روايات فكتورية قراءة واشادة من النقاد
- كتاب الامير - بين الاخلاق والواقع..
- الأمل ليس سياسةً بالنسبة لإيران..
- النهاية العبثية لسيد العبث..
- رواية - ظلام في منتصف النهار- (1940)
- تحية إلى كاتالونيا
- في ذكرى اغتيال روزا لوكسمبورغ..
- عالم غارسيا ماركيز السحري..
- مرثية لصديق العمر..
- موت شاعر وفي جيبه قصيدة..
- اعدام دوستويفسكي..
- رواية -صمت الحملان- (1988) للروائي توماس هاريس
- المثقف وعالمه الخاص
- Eid al-Adha Truce 1981
- هل النظام الإيراني على وشك الانهيار؟
- الخضوع القسري والخضوع الطوعي..
- أمريكا كلها مصحة عقلية..
- هدنة عيد الأضحى
- أجمل هدية عيد ميلاد في العالم


المزيد.....




- خيمة تتحول إلى سينما متنقلة تمنح أطفال غزة متنفسا في رمضان
- غزة تُربك مهرجان برلين السينمائى.. انقسام حول تبنى المهرجانا ...
- في اليوم العالمي للغة الأم.. مستقبل العربية بعيون أربع خبراء ...
- ثورة موسيقية عربية.. ليريا 3 يمنح جيميناي القدرة على التلحين ...
- بنموسى.. مقرئ سكن ذاكرة المغرب وطرّز القرآن بمزامير الأندلس ...
- السجادة الحمراء.. استُخدمت لأول مرة قبل حفل جوائز الأوسكار ب ...
- حكاية مسجد.. -الصفاح- بالأغواط أراده الاستعمار كنيسة وفرضه ا ...
- بلاغة الحجاج في مرايا السياسة: قراءة في كتاب الدكتور علي الم ...
- حكاية مسجد.. -الصفاح- بالأغواط أراده الاستعمار كنيسة وفرضه ا ...
- احتلال فلسطين ووقائع القمع والدمار الذى لحق بغزة فى رواية جد ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس موسى الكعبي - الأحمر والأسود.. الرواية الأكثر غبنا في تاريخ السرد الادبي..