أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عبد الحسين شعبان - التويجري بنّاء الجسور














المزيد.....

التويجري بنّاء الجسور


عبد الحسين شعبان

الحوار المتمدن-العدد: 8624 - 2026 / 2 / 20 - 16:19
المحور: قضايا ثقافية
    


خلال حضوري منتدى الإعلام السعودي، استعدت علاقتي بالمملكة التي قاربت نحو ثلاثة عقود من الزمن، كان آخرها محاضرة لي في الظهران وأخرى في المنطقة الشرقية، عشية وباء كورونا 2020. التأم المنتدى الذي دخل موسوعة غينيس بمشاركة 300 باحثًا وإعلاميًا وصحفيًا وأكاديميًا وكاتبًا ومفكّرًا وأكثر من 250 مؤسسة وجهة متخصصة في الصناعات الإعلامية، وحضره أكثر من 65 ألف شخص على مدى ثلاثة أيام.
وخلال وجودي أجرت معي محطة تلفزيونية حوارًا مفتوحًا عن ذكريات مهرجان الجنادرية، حيث كنّا نلتقي فيه على مدى فترة بقائنا بالشيخ عبد العزيز التويجري، الذي كان يمثّل فضاءً للأدب والتاريخ والفلسفة، وكان مجلسه عامرًا بحوارات ونقاشات عميقة، فقد استطاع الرجل استقطاب عشرات المثقفين العرب من مشارب شتّى، ونسج معهم صداقات عميقة، وكان هدفه بناء الجسور بين مثقفي المملكة والمثقفين العرب، وسعى لإدامة التواصل والتفاعل بينهم لتعزيز ما هو مشترك وإنساني، جاعلًا من العروبة الثقافيّة والانتماء الوجداني الرابط الحضاري الذي يعلو على جميع الاعتبارات الضيّقة الفئويّة والدينيّة والإثنيّة والجهويّة والمناطقيّة.
وأظنّ أن جميع ضيوفه ومَن جالسه ومَن اختلط به كان ينظر إليه بصفته قاسمًا مشتركًا، لا بصفته فردًا واحدًا، وإنما باعتباره مجموع، وقد مكّنه ذلك من حيازة ثقة الجميع، ومكّن المملكة من التعرّف على آراء ووجهات نظر وأفكار مختلفة وجديدة. وكان همّه الدائم هو تجسير الفجوة بين المثقف والسلطة، وبين أصحاب الرأي وصاحب القرار.
كان الرجل ينتمي إلى زمننا، وفي الوقت نفسه كان مشدودًا إلى تراثنا العربي - الإسلامي، هكذا يبدو صديقًا حميمًا للمتنبي، يشاطره الفلسفة، وهو كذلك صديق عتيق للمعرّي، فقد قاسمه الحكمة والعدل، لكنه لم يكن مقيمًا في التاريخ، ولم يسعَ لاستعادته، بل إعادة قراءته ممّا مكنّه من استخلاص الدروس والعِبر. وبقدر ما كان يعيش الحاضر، ظلّ متمسكًا بالجذور، مثلما يتطلّع إلى المستقبل، وأستطيع القول اقتفاءً بأثر الروائي الروسي غوركي عن أحد ثوريي عصره، أن نصف عقله كان يعيش في المستقبل، فقد كانت أحلامه كبيرة ورؤيته سابقة لزمنه.
لم ينظر التويجري إلى النصوص باعتبارها مقدّسة، بل كان ينطلق من رؤية واقعية، وبالطبع لا قيمة لأية فكرة إنْ لم يتمّ اختبارها، وكل فكرة في بداياتها تُعتبر تجريبية إن لم يزكّها الواقع، كان يقرأ بتبصّر ويفتّش في بطون الكتب، إلّا أن رؤيته لم تستمدّ قيمتها من الأفكار المجرّدة فحسب، بل كانت دائمًا تنطلق من الواقع والممارسة.
الغاية عند التويجري مثلما هي عند المهاتما غاندي، دائمًا ما ترتبط بالوسيلة، فلا غاية شريفة دون وسيلة شريفة، وشرف الغاية من شرف الوسيلة، فإذا كانت الأخيرة عادلة ونبيلة ومقبولة ومنسجمة مع مبادئ الحق والعدل والأخلاق، فإن الغاية ستكون كذلك، والعكس صحيح أحيانًا، لأن الوسيلة إلى الغاية مثل البذرة إلى الشجرة، وعلاقتهما مترابطة وعضوية.
كان التويجري منفتحًا على الآخر عقلًا وفكرًا ودينًا، لذلك لم يخاطب السعوديين فحسب، بل إنه كتب للعرب والمسلمين والعالم والإنسان حيثما كان، فهو مقياس كلّ شيء حسب الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس. لقد كان التويجري مثقفًا موسوعيًا رؤيويًا يبحث عن المشترك الإنساني لتعظيمه، ويفتّش على الفوارق لتقليصها واحترامها.
كانت الأسئلة تراود التويجري، وهو ما يبدأ حواره بها، وأول الفلسفة سؤال كما يُقال، ولعلّ زمننا تتقدّم فيه الأسئلة وينهزم الجواب، حسب تعبير الشاعر أدونيس، وعن ثقافة الأسئلة لديه كتب الشاعر يحيى السماوي، كما كتب د. نجم عبد الكريم كتابًا بعنوان "هكذا تكلّم التويجري"، وكان الأخير ملح جلساتنا مع التويجري، فهو الأقرب إليه والأكثر معرفةً بعالمه والأحرص على ظروفه، حيث يجتمع جورج قرداحي وعرفان نظام الدين والطيب صالح وسعد البزّاز وحسن صبرا وبسام عفيفي وحسن العلوي وبلال الحسن وشفيق الحوت وفؤاد مطر وزاهي وهبي ويحيى السماوي وآخرين.
اجتمعت في شخص التويجري سجايا عديدة نادرًا ما تجتمع في شخص واحد، انفتاحه وتسامحه وقبوله الآخر وبحثه عن نقاط اللقاء وتواضعه وأدبه وكرم أخلاقه وسخائه، ممّا جعلت منه محورًا تبحث معه وتلتجئ إليه أحيانًا شخصيات عربية، رسمية وغير رسمية، ليسهم في تلطيف أجواء وتليين مواقف، وكانت دعواته للمثقفين دون أي اشتراطات، ولذلك أقبل العديد من المثقفين الذين كانوا يتمنّعون عن زيارة المملكة لاعتبارات مختلفة، فأصبحوا من الشخصيات المواظبة على حضور مهرجان الجنادرية، بل وتعمّقت علاقات بعضهم معها لتتحوّل إلى صداقة، بغضّ النظر عن مواقفهم، فثمة جسور حاول أن يبنيها التويجري معهم، وأحيانًا يبحث عن المعارضين لفتح حوارات معهم.
وأستطيع القول إن التويجري كان رجل دولة حقيقي حصيفًا وندًّا صلبًا في علاقته مع الآخرين، وكان أمينًا في تعبيراته عن عروبته وإيمانه الإسلامي وإنسانيته المنفتحة، ودودًا وصاحب مروءة ومتسامحًا، وتلك صفات الشخصيات الكبيرة.



#عبد_الحسين_شعبان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فخاخ إبستين الكوموتراجيدية
- عبد الحسين شعبان: زمن فلسطين والثقافة العربية
- الإعلام في عالم يتشكّل
- حسن عوينه - نجم شيوعي يضيء عبوس الأيام
- من أوراق نوري عبد الرازق - مع الزعيم عبد الكريم قاسم
- إنسانية وفكر
- خبراء استراتيجيون: معركة إيران وأمريكا تكسير عظام
- أعمدة الأمة الأربعة
- من أوراق نوري عبد الرزّاق: -التاجر- سلام عادل في لندن
- عبد الحسين شعبان: «هسهسات الضوء»
- عدسة عن قرب على هسهسات عبد الحسين شعبان
- مقدمة كتاب الأستاذ بسام ضو -غليان استراتيجي-
- شعبان والماركسية النقدية العربية
- مستعمرات الضوء بقلم عبد الحسين شعبان
- كرد سوريا القديم والجديد: أثمة عِبرة؟
- صوماليلاند صوماليلاند...حان الوقت
- وصايا شمس الدين
- El Houssein CHAABAN, La presencia noble, ausente o presente
- وفاءٌ للشاعرة الحرة وللقصيدة… وامتنانٌ للإنسان
- أنسنة المعرفة


المزيد.....




- في أكثر من ولاية ألمانية.. حزب البديل الشعبوي متهم بالمحسوبي ...
- المغرب: ساعة إضافية لا يحبها أحد؟
- في مواجهة العملاق الهولندي.. فرنسا تُعيد ابتكار قطاع الأزهار ...
- سقوط الأمير أندرو: منبوذ يسمم الملكية البريطانية
- حقوقيّ: منع الاحتلال وصول الفلسطينيين للصلاة بالأقصى خرق للق ...
- رئيس مدغشقر يبحث مع بوتين تعزيز العلاقات الثنائية
- توقيف 651 شخصا ومصادرة ملايين الدولارات في حملة ضد الجريمة ا ...
- الاتحاد الأوروبي يجدد حظر السلاح على زيمبابوي ويخفف قيود الع ...
- تويوتا تعيد تموضع هايلاندر وتراهن على المستقبل الكهربائي
- كيم يفتتح مؤتمر -المهام الجسيمة-.. طموحات نووية وتنديد بـ-ال ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عبد الحسين شعبان - التويجري بنّاء الجسور