أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - مظهر محمد صالح - دمعتان… حين ينحني الفكر أمام الغياب














المزيد.....

دمعتان… حين ينحني الفكر أمام الغياب


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8622 - 2026 / 2 / 18 - 04:50
المحور: المجتمع المدني
    


جلستُ أتأمل ذلك الشاب الذي خطفته يدُ المنون على حين اكتمال الحلم. لم يكن رحيله حدثاً عابراً في سيرة زمن، بل كان فجوةً في جدار قرنٍ كامل، قرنٍ يتلمّس طريقه بين رأسماليةٍ تتجدّد، وعولمةٍ تتبدّل، وثورةٍ رقميةٍ تعيد تعريف الإنسان قبل السوق. كان ليث يضع لبنات مدرسةٍ أراد لها أن تنتمي إلى المستقبل، لا أن تكون ظلاً لماضٍ عريق.

لم يكن باحثاً يكرّر، بل عقلاً يسائل. كان يرى في الفكر الاقتصادي تاريخاً للصراع بين الحرية والسلطة، بين الدولة والسوق، بين العدالة والكفاءة. وكان يقف طويلاً عند كتاب The Road to Serfdom لـ Friedrich Hayek، ذلك النص الذي وُلد في أتون الحرب العالمية الثانية، محذّراً من انزلاق التخطيط المركزي إلى تقييد الحرية. كان يقول إن هايك لم يكن يدافع عن السوق بقدر ما كان يدافع عن الإنسان، عن حقّه في الاختيار، عن كرامته في وجه الدولة المتضخّمة.

لكن ليثاً لم يكن أسير أطروحةٍ واحدة، ولا مؤمناً بيقينٍ مغلق. كان يرى أن الأفكار الكبرى تولد من جدلها، وأن الحرية نفسها تحتاج إلى حمايةٍ من تطرفها. لذلك كان يضع في الكفّة الأخرى كتاب The Road to Freedom لـ Joseph Stiglitz، الطريق الى الحرية ،حيث تُفهم الحرية هنا لا بوصفها إطلاقاً مطلقاً لقوى السوق، بل باعتبارها مشروعاً أخلاقياً يوازن بين الكفاءة والعدالة، بين المبادرة الفردية والمسؤولية الجماعية. كان يرى في هذا الجدل تأسيساً لنظريةٍ أعمق: شراكةٍ واعية بين الدولة والسوق، لا صراعاً صفرياً بينهما.
كان يقول لي:
“نحن جيلٌ وُلد بين قرنين، نحمل إرث القرن العشرين بكل حروبه وأزماته، ونعيش القرن الحادي والعشرين بكل تحوّلاته الرقمية. مهمتنا ليست أن نختار بين الماضي والمستقبل، بل أن نبني جسراً بينهما.”
في تلك الكلمات كنت أرى مشروعه يتشكّل: اقتصادٌ سياسيٌّ للرأسمالية يُعيد تعريفها في ضوء الإنسان، لا في ضوء الأرباح وحدها. كان يؤمن أن السوق وسيلة، وأن الدولة إطار، وأن القيمة العليا هي الكرامة الإنسانية.
ثم جاء الغياب…
جاء كريحٍ باردة أطفأت مصباحاً كان يضيء قاعة الأسئلة. لم يكن موتُه خسارةَ أسرةٍ فحسب، ولا فقدانَ جامعةٍ لطالبها اللامع، بل انكسارَ مسارٍ فكريٍّ كان في طور التكوّن. دخلتُ مجلس الفاتحة، فاستقبلني طفلان في عمر الورد. عندها أدركت أن التاريخ لا يُكتب بالحبر وحده، بل بالدموع أيضاً. دمعتان انهمرتا لا على فراق ابنٍ فحسب، بل على مشروع فكرٍ كان يمكن أن يغيّر كثيراً من مسارات النقاش في اقتصاد بلادنا.
أيقنت أن بعض الرجال، وإن رحلوا مبكراً، يتركون أثراً أطول من أعمارهم. فالتاريخ لا يقيس العظمة بطول السنين، بل بعمق الفكرة. وكم من عقلٍ شابٍ عاش قليلاً، لكنه أضاء دهراً.
إنه ليث محمد رضا…
اسمٌ سيبقى محفوراً في ذاكرة من عرفه، وفي ضمير زمنٍ كان ينتظر صوته.
رحل الجسد، وبقي السؤال.
وبين السؤال والدمعة… يولد الخلود.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الآباء والأجداد… وهموم الأجيال
- المواعين المهدورة… ذاكرة لا تُرمى
- عندما يغترب الملح
- الحالة الساكنة بوصفها سياسة: قراءة في الاقتصاد الاجتماعي للر ...
- الاقتصادي الراحل فائق علي عبد الرسول حين يرحل العقل… ويبقى ا ...
- للأرقام صبرٌ طويل، لكن للإعلام نَفَسٌ قصير
- الركوب المجاني السالب: من الريع إلى الفضاء العام
- من الرافدين إلى طوكيو : حوار على عجلتين
- بيكاسو العراق
- عشق المظلوم ونداء الحياة : انه قاضِي الحاجات
- تنازع الهرم الاجتماعي : من عالم السياسة العمودي إلى دنيا الر ...
- الطغيان: عطبٌ تربويّ وفائضُ قوّةٍ منقلب
- من تاريخ ترييف المدن وموت الطبقة الوسطى: حين يُهدر رأس المال ...
- جيل بيتا (2026 فصاعدًا): الطفل الشريك للآلة
- من سرق كلبنا؟!
- سلوك الشراء عند 39 درجة تحت الصفر
- الجيران في زمن التحوّل الرقمي
- تماثيل الثلج: حين تتكسّر رتابة الحياة وجمودها
- شقاء الطبقة الوسطى: حكاية أمّ وابنتيها حين خانتهنّ الحياة
- جين أوستن: حياة قصيرة… وعاطفة طويلة لا تنطفئ (في الذكرى الـ2 ...


المزيد.....




- الأمم المتحدة: قرارات الحكومة الإسرائيلية بشأن أراضي الضفة ا ...
- دراسة ألمانية: العنصرية تتسلل إلى قلب مؤسسات حكومية
- الأونروا في لبنان: ”شريان الحياة“ داخل المخيمات الفلسطينية
- 85 دولة في الأمم المتحدة تندد بسعي إسرائيل إلى -توسيع وجودها ...
- عشرات الآلاف يتظاهرون في كوسوفو رفضا لمحاكمة الرئيس السابق ب ...
- مفوضية اللاجئين: وقف الحرب وحده ينهي كارثة السودان الإنسانية ...
- الامم المتحدة: إجراءات -إسرائيل- في الضفة مخالفة للقانون الد ...
- الأمم المتحدة: إجراءات الاحتلال لتسجيل أراضي الضفة -أملاك دو ...
- أصالة تلامس أوجاع المعتقلين في شارة مسلسل -القيصر لا مكان لا ...
- الناطق باسم (الأونروا): الأونروا تستوعب حاليا 300 ألف طفل ف ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - مظهر محمد صالح - دمعتان… حين ينحني الفكر أمام الغياب