|
|
كرنفال المسخ: رقصة أوربوروس نص ميتا سريالي
غالب المسعودي
(Galb Masudi)
الحوار المتمدن-العدد: 8620 - 2026 / 2 / 16 - 12:07
المحور:
الادب والفن
على خشبة مسرحٍ لم تكنس أرضيته منذ الأزل، حيث تتراكم جثث الساعات المحطمة مع عظام من المنتحرين فوق الارصفة، لفافات التبغ التي لم تدخن بعد تنتظر يداً لن تأتي، يقف "نرسيس"؛ ذلك الكائن الممسوخ من فرط التكرار الممل. يرتدي معطفاً ثقيلاً نُسج من ورق الجرائد الصفراء التي تتحدث عن حروبٍ انتهت لتبدأ أخرى تشبهها تماماً، في دورة عبثية تشبه أفعى "أوربوروس" التي تلتهم ذيلها. هنا، في هذا الفراغ الشاسع، المسرح ليس مكاناً للعرض أو بقعة للضوء، بل هو الجلاد الحقيقي؛ إنه مشهد التلاشي المستمر الذي لا يغمض له جفن. يدخل "نرسيس" بخطوات متعثرة حاملاً دلواً معدنيًا مثقوباً، يحاول بيأس أن يجمع فيه الضوء المتساقط من كشاف وحيد معلق في السقف كعين إله غادر المكان. كلما امتلأ الدلو بالوهج، سقط الضوء من الثقوب ليتحول فوراً إلى بقع من العتمة اللزجة على الأرض. يلتفت "نرسيس" بفزع قائلاً: "لقد أضاعوا مفتاح الباب الخارجي.. أو ربما نسوا، في غمرة التيه العظيم، أن هناك باباً من الأساس. نحن هنا محكومون كي نؤدي دور النزيف الرمزي أمام الكراسي الخشبية الفارغة التي ترفض حتى أن تئن تحت وطأة وجودنا". يتوقف قليلاً ثم يصرخ: "هل حان موعد الصرخة الكبرى؟ الجدول الزمني المكتوب بدم بارد يقول إننا يجب أن نصرخ الآن، لكن الحبال الصوتية بيعت في المزاد العلني الأسبوع الماضي لسداد ديون العدم المتراكمة علينا". هنا في هذه الزاوية المظلمة، الإنسان ليس "آدم" البدايات، بل هو مجرد فائض عن حاجة الوجود. هو تلك القطعة اليتيمة التي تبقت من لعبة "بازل" ضاعت صورتها الأصلية في زحام التاريخ. الزمان هنا ليس إلا ساعة رملية ترابها هو رماد أحلام الممثلين الذين قضوا نحبهم وهم ينتظرون التصفيق. المكان: "الجدار الرابع" لم يُخلق ليتحدث مع الجمهور، بل وجد ليبصق على فكرة "المعنى" ويحطم مرآة التوقعات. أشعر الان أنني مكتوب بحبرٍ مغشوش يتلاشى مع كل شهيق. كلما حاولت بجهد جهيد أن أكون أنا ، امحى بممحاة المخرج المختبئ خلف ستائر الصمت المطبق. هل نحن بشر بدم ولحم أم مجرد هوامش باهتة في رواية مملة لكاتب انتحر قبل أن يضع النقطة الأخيرة على السطر؟ في هذه اللحظة التاريخية يظهر "ساتان" من تحت الأنقاض، يضحك ضحكة جافة كخريفٍ مسموم يقتل العصافير في أعشاشها: "أنت متفائل جداً يا نرسيس. لكي نكون هامشا، يجب أن يكون هناك متن عظيم نلتصق به. انت حتى لست غلطة مطبعية يمكن تصحيحها. انت الفراغ الأبيض الذي يفصل بين الكلمات المهجورة في قاموس لغة ميتة.. فجأة، يسقط إطار مرآة ضخم من السماء القماشية، لكنه لا يعكس الوجوه المذعورة، بل يعكس ما وراء الجدران، خلاء لامتناهي يبتلع البصر. ينظر "نرسيس" في المرآة، فيرى ثقباً أسود يسكن مكان قلبه، وفراغاً يمتص النور والصدق.
(الإنسان المهدور...!).. يا لها من تسمية فاخرة ومنمقة لشيء لا يصلح حتى ليكون وقوداً لمدفأة في ليلة شتاء. لقد استهلكنا العمر كله في انتظار إشارة البدء التي لم تأتِ، ولم ندرك بوعينا المشلول أن العرض قد انتهى وسدلت أستاره قبل أن نولد أصلاً. نحن الآن مجرد صدى باهت لصفقة خاسرة بين الوجود والعدم. يتقدم "نرسيس" ويحاول إغلاق الستارة، لكن الستارة لا تغطي الخشبة لتنهي المشهد، بل تسقط فوق الممثلين ككفنٍ ثقيل من الرصاص، بينما يستمر صوت تصفيق مسجل في التصاعد ببرود، تصفيق آلي مقزز لا ينتمي لأحد من الأحياء. في هذا المسرح الفوضوي، لا يوجد تطهير "كاثار سيس"، ولا توجد حكمة تقال في النهاية لتواسي الجرحى. فقط رائحة الغبار المعدني، وإحساس خانق بأن كل الكلمات التي قيلت لم تكن سوى محاولة يائسة ومبتذلة لملء ثقب المعنى، الذي يتسع يوماً بعد يوم ليبتلع الخشبة، والممثلين، واللغة التي تحاول وصفهم. يظل "نرسيس" و"ساتان" تحت الستارة الساقطة، التي تحولت الآن إلى سماء قماشية ملطخة بظلال كوابيس قديمة لا تموت. الرائحة هي خليط من العرق البارد، وورق بردي محترق في مكتبة مهجورة. تندفع "دافني" من جانب المسرح، لكنها ليست دافني الشجرة المتمنعة التي نعرفها في الأساطير، بل هي امرأة بجلد يشبه لحاء شجر جاف ومتقشر، وجذور تتخبط في الفراغ بدلاً من قدميها الرشيقتين. عيناها تحملان نظرة خوف أبدي من مطارد لم يأتِ ، مطارد وهمي تسكن أقدامه في رأسها فقط
دافني: "أتمنى لو تحوّلتُ إلى صخرة صماء، لا إلى شجرة تشعر بالريح. الصخرة لا تنتظر شيئاً، ولا تأمل في الربيع. أنا أتنفس الأمل الذي لن يأتي، وأتحول إلى تراب يائس مع كل فجر يشرق على هذا القحط. المطاردة لم تتوقف يوماً، إنها كامنة في جذوري، في مسامي، في كل ورقة تسقط مني وتُعلن موتاً صغيراً ومجانياً. يحدق نرسيس في مرآة صدئة لا تُظهر شيئاً سوى ذلك الثقب الأسود. يمسك بيده زهرة ذابلة، هي صورته التي لم يستطع قط أن يلمسها. "البحث عن انعكاس، عن معنى في الماء أو في العيون، هو لعنة بحد ذاتها. كلما اقتربت من الحقيقة تلاشت الصورة وتحولت إلى سراب. أنا أُحبّ فراغي، أعشق هذا العدم الذي يملأني، لأنني أخشى بصدق أن أجد شيئاً آخر غير العدم إذا ما فتشت في أعماقي". تتعثر دافني بقدمها الخشبية، وتقترب من نرسيس ببطء: "نحن وجهان لعملة واحدة زائفة. أنا أُطارد بالتحول القسري نحو النبات، وأنت تطارد بالتحول المستحيل نحو الذات. كلانا يقود الآخر إلى هذا الفراغ الذي يبتلع الروح كما تبتلع الأرض المطر الملوث". يخرج "نرسيس" من تحت الستارة، معطفه المزين بورق الجرائد يبدو أثقل الآن، وكأن الحروف والكلمات المكتوبة عليه شربت كل أحزان العالم وصارت وزناً لا يطاق. المسرح يدور حول نفسه كدرويش مخمور، لكن لا شيء يتغير في العمق. أليس هذا هو التحول الحقيقي؟ أن تتحرك الديكورات الصامتة، وتتغير الأقنعة البلاستيكية، بينما جوهر الفشل البشري يبقى، راسخاً كالجبال. أنا نرسيس الذي لم يتحول، أبقى دائماً في نقطة البداية التي لا تعرف طريق النهاية. يضيف ساتان بسخرية: "بل نحن نسجنا حياتنا خيوطاً من العبث الصافي، فاستحالت الى شبكة عنكبوت لا تصطاد سوى غبار الأيام الخوالي. لا نملك حتى رفاهية أن نتحول إلى عنكبوت حقيقي يملك غريزة البقاء؛ نبقى مجرد نساجين بلا غاية، خيوطنا تُقطع مع كل تنهيدة تخرج من صدورنا المهجورة". في نقطة بعيدة على أطراف عمق المسرح، تظهر "ميدوسا"؛ لكنها ليست ذات الشعر الثعابيني المرعب الذي يحول الرجال إلى تماثيل. بل هي امرأة بملابس مهترئة تفوح منها رائحة القدم، كل ما فيها يتحول إلى حجر بطيء أمام عينيها الذابلتين. يدها تبدأ في التيبس، ونظرتها ليست لتحجر الآخرين، بل تنظر الى الداخل، لتحجر ذاتها ببطء شديد ومؤلم. ميدوسا: "لقد حوّلوني في البدء إلى وحش لتكتمل الأسطورة، والآن أتحول إلى شاهدة على زوالي. أشاهد كل قطعة من أنوثتي ومن جسدي تتحول إلى حجر بارد، إلى صمت أبدي لا يكسره شيء. ليس الموت هو المخيف في هذا الكرنفال، بل أن تُصبح ذكرى صلبة لحجر، شاهد صامت على مأساة لا تنتهي فصولها. هل هناك تحول أسوأ من أن تُصبح مجرد تمثال لنفسك المهزومة في ساحة عامة"؟ في دائرة ضيقة يتجمعون، كل منهم يمثل جانباً من فقدان المعنى الكلي والتحولات القسرية والذات المهدورة في الزحام. لا يتحدثون مع بعضهم البعض، بل يتحدث كل منهم إلى الفراغ الذي يمثله الآخر، كأنهم مرايا تعكس العدم. نرسيس: "كلما بحثت عن صورتي في وجوهكم، وجدت صورة أخرى غريبة عني؛ صورة وهمية، صورة لم تكن لي قط في أي يوم. أليس هذا هو مصير الإنسان الملعون؟ أن يبحث عن ذاته في وجوه الغرباء، وفي المرايا الكاذبة التي تصنعها السلطة أو الخوف، وفي مياه عكرة لا تعكس سوى السحب العابرة"؟ دافني: "أنا أتحول إلى شجرة في كل لحظة، لكنني لا أستطيع أن أتجذر في أي أرض. أبقى معلقة في برزخ بين هويتين، شجرة بلا أرض تغذيها، وإنسان بلا جسد يحميه. هل هذه هي الحرية المزعومة التي وعدونا بها؟ حرية التيه في الفراغ، حرية أن تكون لا شيء في كل شيء"؟ ميدوسا: "والحجر يزحف كاللبلاب السام. يصعد من قدمي المتعبة، إلى ساقي، إلى قلبي الذي كان يوماً ينبض. سيأتي يوم قريب أكون فيه تمثالاً كاملاً من الرخام الأسود، يوماً أُصبح فيه مجرد ذكرى صماء لما كانت تُسمى يوماً حياة . نحن هنا لنشهد تحولنا البطيء والمنتظم إلى لا شيء، إلى صمت مطلق يغلفه الغبار". ساتان: "إنه مسرح العبث الكوني بامتياز. نحن هنا لنحتفل بتفاهة وجودنا الهش، لنصفق بحرارة على فكرة أننا مجرد هوامش، أشباح بائسة تدور في فلك مسرح لا يُضيء كشافاته إلا ليرينا ضخامة الظل الذي نتركه خلفنا. التحول الأكبر والوحيد هو أن نُدرك، في لحظة صدق نادرة، أننا لم نكن هنا قط نص فارغ من محتواه، والمسرح مهجور من روحه، والممثلون أشباح تطارد أشباحاً. هل هذا هو معنى أن تكون إنساناً في هذا العصر؟ أن تُصبح قصة لم تُكتب بعناية، حواراً مشوشاً لم يُقل في وقته، نهاية حزينة بلا بداية تبررها"؟" تتلاشى الأضواء ببطء شديد، تتصلب الشخصيات في أماكنها كأنها أصيبت بلعنة ميدوسا الجماعية، تتحول إلى تماثيل صامتة تعبر عن لحظة من التحول البائس الذي لا يكتمل أبداً. المسرح يتحول تدريجياً إلى مقبرة للأحلام المجهضة، ومتحفا للفشل البشري، ومكانا لا يصدح فيه سوى صدى الكلمات التي قيلت ولم تُفهم قط، كأنها لغة عصافير انقرضت. بينما يتكاثف الضباب المصنوع من بخار المواد الكيماوية، تزداد خشبة المسرح ازدحاماً بكائنات "أوفيد" التي نُفيت من كتب الأساطير لتستقر في قاع هذا "المهدور" العظيم. هنا لا يتحوّل البشر إلى كائنات أسمى أو آلهة، بل إلى أدوات معطلة في ماكينة الوجود الفوضوية التي تفتقد لزيت المعنى. يدخل "إريسيكثون"؛ ذلك الرجل الذي لعنته "ديمتير" بجوع لا ينتهي وقدر لا يهدأ. لكنه هنا في مسرحنا لا يأكل الطعام العادي، بل يلتهم ذكرياته الشخصية قطعة قطعة. يرتدي بدلة رسمية ممزقة توحي بمجد غابر، ويمضغ أطراف أصابعه الورقية بشراهة: "لقد أكلتُ أمسي بالكامل، وأكلتُ التاريخ الذي صنعني، وأكلتُ أسماء أجدادي حتى لم يعد لي لقب. الجوع ليس في الأمعاء الخاوية، بل في المعنى المفقود. أنا الإنسان الذي كلما استهلك شيئاً، ازداد الثقب في روحه اتساعاً. سألتهم هذا المسرح بجمهوره وكراسيه، سألتهم الستارة، ثم في النهاية سألتهم نفسي، ولن أشبع أبداً.. لأن الصفر لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يملأ الصفر". تظهر "فيلوميلا" في زاوية معتمة يغسلها الضوء الشاحب. لا يوجد طائر يغرد هنا، بل امرأة ترتدي وشاحاً طويلاً منسوجاً من أسلاك شائكة تدمي العنق. لسانها مقطوع بآلة حادة، لكنها تحاول بكل قوتها أن تصرخ عبر نسيجها الصامت. كلما حركت يدها لتنسج قصتها الموجعة، جرحت الأسلاك أصابعها الرقيقة، فيقطر الدم القاني ليصبح هو "الحروف" التي تكتب بها مأساتها. فيلوميلا: "العالم القاسي انتزع لساني ليمنعني من قول الحقيقة العارية، فاكتشفتُ متأخرة أن الحقيقة لا تحتاج لسان لتموت؛ الحقيقة تموت بالاختناق داخل نسيج الأكاذيب. أنا المهدورة التي تحولت قصتها إلى قطعة قماش بالية يمسح بها المخرج غبار كرسيه الفاخر قبل أن يبدأ العرض". يهبط من سقف المسرح "إيكاروس" معلقاً بحبال قنب مهترئة تكاد تنقطع. أجنحته ليست من ريش طبيعي وشمع نحل، بل من فواتير ديون قديمة وشهادات جامعية منتهية الصلاحية لم تعد تنفع أحداً. لم يسقط إيكاروس لأنه اقترب من قرص الشمس، بل سقط لأن "الشمس" في هذا المسرح كانت مجرد مصباح كهربائي رخيص ومحترق لا يبعث دفئاً. إيكاروس: "لم يكن هناك بحر عميق لأغرق فيه بكرامة، فقط بلاط المسرح البارد والقاسي. سقطتُ من علوّ التوقعات الشاهقة إلى قاع الواقع المرير. أجنحتي لم تذب من حرارة الطموح، بل تفتتت من صدأ الروتين. الإنسان المهدور هو من يخدع نفسه ويظن أنه يطير، بينما الحبال الخفية تشده دائماً نحو الحفرة الجماعية". انظروا ملياً. دافني خشبية بلا حياة، نرسيس وهمي يطارد سراباً، إريسيكثون جائع للمعنى، وفيلوميلا صامتة للأبد. نحن تحولات أوفيد، لكن في نسختها المشوهة التي لم تصل إلى أسماع الآلهة. نحن التحولات التي تعطلت في منتصف الطريق، فلم نعد بشراً ولم نصبح آلهة". الإنسان المهدور ليس من يأتيه الموت، بل من يتحول إلى شيء صامت وهو لا يزال يشعر بمرارة كونه كان يوماً ما أحداً . نحن الآن الديكور الحقيقي والوحيد لهذا المسرح الخرب. نحن الكراسي التي لا تجلس، نحن الجدران التي لا تسمع، نحن الصدأ الذي يأكل الحديد. تنطفئ الأضواء تماماً، عدا كشاف صغير جداً يسلط نوره على "لسان" فيلوميلا المقطوع الملقى بإهمال وسط الخشبة، والذي يبدأ بالاهتزاز المريب وكأنه يحاول بنزعه الأخير نطق كلمة واحدة أخيرة، لكن بدلاً من الكلمات الواضحة، يخرج صوت ضحك آلي مسجل ينتهي بصرير باب صدئ يُغلق للأبد في وجه الجميع. تتقدم ميدوسا بخطوات ثقيلة جداً، صوت احتكاك قدميها الرخاميتين بالخشب يشبه صوت طحن الصوان في مطحنة قديمة. تقف في بقعة ضوء شاحبة كوجه الموت، وجهها نصف حجر ونصف شحوب آدمي، وعيناها تنظران إلى الفراغ الساكن وراء مقاعد الجمهور، حيث لا يوجد سوى العدم المطلق الذي ينتظر الجميع. يقولون في كتبهم إن التحول هو النجاة الكبرى.. إن الغصن أخف حملاً من الجسد المثقل بالخطايا، وأن الحجر أصلب وأدوم من الألم البشري الزائل. لكنهم كذبوا في كل حرف. التحول هو الطريقة الخبيثة التي يختارها الوجود ليتخلص منا دون أن يضطر لتكبد عناء دفننا. "أنا الآن لا أبكي كما تفعل النساء، فالدموع تجمدت في قنواتها الملحية وصارت لآلئ من ملح أسود لا تلمع. انظروا إلى يدي.. لم تعد تلمس الأشياء لتشعر بملمسها، بل تنفيها من الوجود. كل ما ألمسه يتحول إلى حجر، ليس لأنني قوية ومقدسة، بل لأنني أعدتُ تعريف الأشياء بـ بيَباسي الداخلي. الإنسان المهدور هو من يحمل موته في ملامح وجهه، ويمشي بين الناس كأنه تمثال نُسي في ساحة معركة انتهت منذ ألف عام ولم يعد أحد يذكر اسم الحرب" "ما هو المعنى الذي يطاردنا؟ هل هو تلك الكلمة الغامضة التي بحث عنها نرسيس في جوف الماء فغرق؟ أم هو السراب الذي طاردته دافني فصارت شجرة تسكنها الريح؟ المعنى هو النكتة السمجة التي ألقاها المتعالي في بداية الزمان ونسي أن يضحك عليها، فبقيت معلقة في الهواء. نحن هنا، في هذا المسرح الفوضوي، لا نمثل أدواراً مكتوبة.. نحن نؤدي الجمود ببراعة منقطعة النظير". "أشعر بالحجر البارد يصعد فوق لساني. قريباً جداً، ستصبح كلماتي هذه مجرد نتوءات صخرية بلا صوت ولا صدى. لن يهتم أحد بهذا التحول. سيمر العابرون غداً ويقولون بفخر، يا له من تمثال متقن يجسد الحزن ، ولن يدركوا أبداً أن خلف هذا الرخام الأصم كان هناك قلب ينبض بالخيبة، وأن هذا الحجر ليس فنّاً يُعرض، بل هو سجن الجسد الذي لم يجد سبباً واحداً للبقاء بشرياً في عالم المسوخ". يا إله التحولات. لقد جعلتني حجراً قاسياً كي لا أشعر بالوجع، لكني أشعر بـ ثقل الحجر على صدري. هذا هو المعنى الوحيد الذي عثرتُ عليه في رحلتي، أننا مهدورون تماماً سواء كنا لحماً يئن تحت السياط أو صخراً يصمت تحت المطر. الستارة لن تسقط أبداً لتعلن النهاية، لأنها هي أيضاً تحجرت في منتصف الطريق، معلقة بين السماء والأرض كخطيئة لا تُغتفر. "تتصلب ميدوسا تماماً في وضعية الصراخ الصامت، وينطفئ الضوء تدريجياً حتى يتلاشى كل شيء في الظلمة. يرتفع إيقاع الفوضى ليعلن أن المسرح ليس محطة مؤقتة، بل هو الثقب الأسود للتاريخ الذي يبتلع كل شيء. هنا، لا توجد "نقطة نهاية" تريح المتعبين، لأن التحول في هذا الفضاء ليس تطوراً للأمام، بل هو دوران أبدي ومضنٍ في دوامة المسخ التي تلتهم ذاتها كأفعى "أوربوروس". بينما تتصلب "ميدوسا" وتفقد بريق عينيها، تبدأ جدران المسرح نفسه بالتموج والاضطراب كأنها رئة عملاقة مصابة بالربو الحاد. الشخصيات هنا لا تموت موتاً طبيعياً، بل تفقد حدودها الفيزيائية وتختلط ببعضها. "دافني" التي كانت شجرة، تبدأ أغصانها الخشبية في التحول إلى أصابع معدنية باردة تطبع كلمات بلا معنى على هواء المسرح المسموم. "إيكاروس" لا يسقط سقطة مدوية، بل يستحيل جسده بالكامل إلى دخان أسود كثيف يملأ رئتي المكان. ساتان: "أرأيتم يا رفاق؟ لا يوجد خلاص حقيقي في الثبات أو في التحول. نحن محكومون بـ السيولة القاتلة . الفوضى هي هويتنا الوحيدة والمقدسة، لأننا كلما حاولنا بجهدنا تشكيل فكرة عن أنفسنا، سخرت منا التحولات وصهرتنا في قالب جديد أكثر قبحاً وهدراً من سابقه". "إلى نهاية التاريخ المكتوب بالدم. سنبقى هكذا. الفكر يتحول إلى هذيان، والشكل يتحول إلى شظايا متناثرة. نحن لسنا بشرًا مهدورين فحسب، نحن المادة الخام للعبث المطلق. المسرح سيبقى فوضوياً للأبد لأن المخرج فقد السيطرة على النص، والنص نفسه بدأ في نوبة جنون يأكل حروفه وسطوره". يغرق المسرح بالكامل في ضوء أرجواني خانق يضغط على الأنفاس، ويبدؤون في الرقص بحركات مكسرة، ميكانيكية، وغير متناسقة، بينما تسقط أوراق "التحولات" من سقف السماء كأنه مطر أسود من الرماد، معلنةً بصمت مطبق أن العرض مستمر.. إلى ما لا نهاية، في دورة لا تعرف التوقف...!
#غالب_المسعودي (هاشتاغ)
Galb__Masudi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الدول الرخوة والبرنامج الخفي للعولمة: العائد الفلسفي والحضار
...
-
يا سائل الشوق في زمن المحاق: ترتيلة التلاشي المتوهج نص ميتا
...
-
قداس ميتا سريالي: تعميد الحبل على طاولة قمار فوق الهاوية
-
الانسداد التاريخي والمخارج المغلقة: قراءة فلسفية بين الدورات
...
-
العشاء الأخير للعدالة في جزيرة إبستاين قصة ميتا سريالية
-
الهروب من سياج المعنى: انهيار ميتا سريالي
-
الحضارة والاستحواذ: مقاربة فلسفية تطورية في مآلات التحضر الم
...
-
اليرقة الكونية خلف حدقة العين حفل عشاء في جمجمة -مينوتور- نص
...
-
الأنظمة الرخوة واستلاب المواطن: تعاضد الرأسمالية العالمية وت
...
-
المفارقة التطورية للكائن البشري: جدلية الصدق والخداع
-
الإدارة الفلسفية: جاذبية -الكائن الخارق- والتحولات في الاستع
...
-
جنازةُ اليقين في جرعةِ الشوكران (قصة ميتاسريالية)
-
الميتافيزيقا السياسية لرأس المال: التشريح الماركسي للتعاضد ا
...
-
اقتصاديات الإذلال وسيكولوجية الاستبداد: تفكيك العقد الاجتماع
...
-
إنجيلُ الصوف: محاولة لرتق العدم -قصة ميتاسريالية
-
جدليات الوعي، الإدراك، الفهم، والحدس: مقدمة في تشريح المعضلا
...
-
رقصة الضباع على جثة الاحتمالات- قصة ميتاسريالية
-
المعضلة الداروينية للتدين والتحول نحو النموذج البيولوجي-الثق
...
-
توبة الذئب البلاستيكية: بروتوكول العشاء الأخير -قصة ميتاسريا
...
-
مجاعة الزجاج في غابة الزئبق قصة ميتاسريالية
المزيد.....
-
فنانون عالميون يقفون مع ألبانيزي: نرفض الضغط على من يكشف إبا
...
-
جلود فاخرة وألوان جريئة.. هيفاء وهبي تتألق في كليبها الجديد
...
-
بسبب غزة.. القضاء الإيرلندي يبدأ محاكمة فنانة عطلت طائرات أم
...
-
-للدفاع عن صورة المكسيك-.. سلمى حايك تنتج فيلما سينمائيا
-
لوحة فنية للشاعر السياب بريشة الفنان سلام جبار
-
برليناله يشعل نقاشا عالمياً حول دور الفنانين في السياسة
-
المثقفون في الثقب الأسود بسبب فضيحة إبستين
-
-هل يمكن ترجمة هذا الحب؟-.. نجاح مدوٍ وانقسام حاد في ردود ال
...
-
يا فالنتاين ؛ غادرْ من غير مطرود
-
انعقاد الاجتماع السادس عشر للجنة الفنية للملكية الفكرية
المزيد.....
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
-
مسرحية : النفساني
/ معتز نادر
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
المزيد.....
|