أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - غالب المسعودي - الدول الرخوة والبرنامج الخفي للعولمة: العائد الفلسفي والحضاري وتعميق مأساة -الإنسان الفائض-















المزيد.....

الدول الرخوة والبرنامج الخفي للعولمة: العائد الفلسفي والحضاري وتعميق مأساة -الإنسان الفائض-


غالب المسعودي
(Galb Masudi)


الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 10:51
المحور: المجتمع المدني
    


في جدلية الهشاشة المؤسساتية والسيولة العالمية
تعد الدولة في العصر الحديث الكيان التنظيمي المنوط به حماية الفرد وضمان أمانه الاقتصادي والاجتماعي. بيد أن التحولات الجوهرية التي طرأت منذ نهاية القرن العشرين، والمتمثلة في صعود الليبرالية المستحدثة، أدت إلى ظهور نمط مشوه من الكيانات السياسية يُعرف بـ "الدولة الرخوة". هذا المصطلح، الذي اقترحه "غونار ميردال"، يشير إلى حالة من الانفلات الاجتماعي والمؤسساتي تجعل الدول عاجزة عن صون سيادتها أو تلبية احتياجات مواطنيها، مما يتركهم عزلاً أمام قوى العولمة الجارفة. إن البرنامج الخفي للعولمة لا يكتفي بفتح الأسواق، بل يمتد لتفكيك السيادة الوطنية وتحويل الإنسان من كائن ذي أبعاد روحية وحضارية إلى مجرد "وحدة استهلاكية" أو "شيء" ضمن آلة الإنتاج العالمي.
تتجلى مأساة الإنسان هنا في ظهور فئات اجتماعية يصفها علماء الاجتماع بـ "الإنسان الفائض" أو "الحيوات المهدورة"؛ وهم الذين فقدوا موقعهم في نظام الإنتاج وأضحوا عبئاً على دول فقدت قدرتها على التدخل. تبرز هنا علاقة عضوية بين رخاوة الدولة، وبرنامج العولمة المستتر، والعائد الحضاري المازوم الذي أنتج طبقات هشة مثل "الطبقة القلقة" (البريكاريا)، مما يعمق مظاهر التشيؤ والاغتراب في عالم الحداثة السائلة.

الرخاوة كبيئة حاضنة لبرنامج العولمة
إن رخاوة الدولة ليست مجرد عطب تقني، بل هي شرط بنيوي لنجاح العولمة؛ فالدول التي تفتقر لنظام قانوني موحد وعادل تصبح ساحات مستباحة للشركات عابرة القارات والمنظمات الدولية التي تملي شروطها. العولمة هنا لا تعمل كشريك تنموي، بل كأداة لتفتيت الروابط الوطنية، حيث تضعف قدرة الدولة على تنفيذ السياسات العامة وإدارة الاختلافات، مما يؤدي لبروز مجتمعات متشظية وعاجزة، يواجه فيها الإنسان طوفان العولمة بلا غطاء وطني.

تحولات السيادة في عصر السيولة
يعمل البرنامج الخفي للعولمة على تقليص سيادة الدولة لصالح كيانات دولية، مما أفقد السيادة مبررات وجودها التقليدية. هذا التقارب القسري بين الشعوب أحدث تداخلاً في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية دون اعتبار للحدود السياسية. وتحت ذريعة "حماية الأقليات" أو "الحقوق العالمية"، يتم التدخل في شؤون الدول الرخوة، مما يحول السيادة إلى مفهوم صوري، ويجعل الاعتراف بالحقوق منحة خارجية لا نتاجاً لعقد اجتماعي داخلي أصيل.
هذه العملية تحول الدولة من "راعية للمواطنين" إلى "منظم لتدفقات رؤوس الأموال"، وهو ما يتطلب تفكيك مفهوم المواطنة التقليدية. ورغم دعوات الفكر النقدي (كأعمال هابرماس) للتحول نحو "مواطنة عالمية"، إلا أن هذه المواطنة ظلت امتيازاً للنخب، بينما بقي المواطن العادي في الدول الرخوة عالقاً في البرزخ؛ فلا هو احتفظ بحماية دولته، ولا هو نال حقوق المواطنة العالمية.

العائد الفلسفي للعولمة: التشيؤ والاغتراب
تؤدي العولمة، عبر الثقافة الليبرالية، إلى تحويل القيم الأخلاقية للإنسان إلى قيم "تشيؤ". هذا المفهوم يعني إخضاع ملكات الإبداع والأخلاق لقوانين السوق، حيث يستحيل الكائن الإنساني إلى بضاعة تُقاس بالربح والخسارة. لم يعد الإنسان يُعرف بكينونته، بل بما يملكه ويستهلكه، مما أدى لتراجع دور القيم الإنسانية في بناء السلم المجتمعي لصالح قيم مادية تقوم على اللذة الآنية، مما جعل الإنسان مغترباً عن ذاته وواقعه.

الحداثة السائلة وإنتاج "النفايات البشرية"
يقدم "زيجمونت باومان" تحليلاً لافتاً لمصير الإنسان في الحداثة السائلة، حيث يرى أن إنتاج "النفاية البشرية" هو نتيجة حتمية لعملية التحديث الاقتصادي. هؤلاء "الفائضون" هم سكان تم إقصاؤهم من المنظومة الاجتماعية والعالمية. وفي حين كانت الحداثة "الصلبة" قادرة سابقاً على امتصاص هذا الفائض، فإن العولمة اليوم، بوصولها لكل بقاع الأرض، لم تترك مكاناً لهؤلاء "المطرودين". وبدلاً من النظر للمهاجرين كـ "رأس مال بشري"، يتم التعامل معهم كأعباء أمنية يجب صدها، مما يجسد "الحيوات المهدورة" التي يرفضها المنطق الرأسمالي.

الطبقة القلقة (البريكاريا): التهديد الجديد
برزت في العقود الأخيرة طبقة "البريكاريا" (الطبقة العاملة القلقة)، وهي فئة تفتقر للأمان الوظيفي وتقتات على مهام مؤقتة لا تمنح هوية أو استقراراً. إن العولمة مسؤولة عن نشوء هذه الطبقة عبر سياسات "مرونة سوق العمل" التي قوضت مكتسبات دولة الرفاه. يعيش أفراد هذه الطبقة حالة "انعدام يقين" دائمة، مما يولد الغضب والقلق. ويصفها "غاي ستاندينج" بالطبقة الخطيرة، ليس لعنفها، بل لسهولة استقطابها من القوى المتطرفة نتيجة شعورها بالتهميش وضياع مستقبلها في عالم رقمي لا يرحم.

النظرية النقدية والسيطرة الناعمة
تكشف أطروحات "هربرت ماركوز" في "إنسان البعد الواحد" كيف فرضت الرأسمالية نظاماً يوجه التقدم التقني لقهر الفرد تحت غطاء الرفاهية. تحولت العقلانية التقنية إلى وسيلة للسيطرة وتزييف الوعي، مما أنتج "قمعاً فائضاً" يحول الإنسان إلى كائن مستلب لا يقوى على تصور بديل للنظام القائم. إن أنسنة المجتمع، من منظور مدرسة "فرانكفورت"، تتطلب استعادة "العقل النقدي" لإنقاذ الحياة الأصيلة من براثن التنميط السلعي.

أنسنة العولمة واستعادة الدولة الوطنية
إن العولمة بشكلها المتوحش لا تنتج سوى الكراهية وتفكيك الإنسانية. ولكي تستقيم، يجب أن ترتكز على القيم الأخلاقية واحترام الخصوصيات الثقافية. إن الرؤى الفكرية الرصينة تطالب باستعادة "الدولة الوطنية" القادرة على الإبداع والتنمية المستقلة. ويبرز هنا مقترح "الدخل الأساسي الشامل" كأداة لأنسنة العولمة، بوصفه حقاً أخلاقياً يضمن كرامة الإنسان بمعزل عن تقلبات السوق، ويحميه من التهميش في عصر الأتمتة.

مستقبل الإنسان في ظل الرخاوة
إن دراسة الدول الرخوة تكشف عن أزمة حضارية كبرى؛ فالعولمة الحالية تعمل كقوة تفكيكية تطمس الهويات لصالح الاستهلاك. الحل لا يكمن في الانغلاق، بل في "أنسنة العولمة" عبر استعادة الدولة لدورها كضامن للحقوق. المعركة الحقيقية هي استعادة معنى "الإنسان" في عالم يكاد يحوله إلى مجرد رقم مهدور في معادلة الربح.
---------------------------------------
المراجع
باومان، زيجمونت. (2004). الحيوات المهدورة: الحداثة ومنبوذوها. (Wasted Lives: Modernity and Its Outcasts).
ستاندينج، غاي. (2011). البريكاريا: الطبقة الخطيرة الجديدة. (The Precariat: The New Dangerous Class). لندن: بلومزبري الأكاديمية.
ماركوز، هربرت. (1964). إنسان البعد الواحد. (One-Dimensional Man).
منظمة الشفافية الدولية. (2024). تقارير الدفاع والأمن: الفساد وتقويض السيادة (ti-defence.org).
ميردال، غونار. (1968). الدراما الآسيوية: بحث في فقر الأمم (مفهوم الدولة الرخوة).



#غالب_المسعودي (هاشتاغ)       Galb__Masudi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يا سائل الشوق في زمن المحاق: ترتيلة التلاشي المتوهج نص ميتا ...
- قداس ميتا سريالي: تعميد الحبل على طاولة قمار فوق الهاوية
- الانسداد التاريخي والمخارج المغلقة: قراءة فلسفية بين الدورات ...
- العشاء الأخير للعدالة في جزيرة إبستاين قصة ميتا سريالية
- الهروب من سياج المعنى: انهيار ميتا سريالي
- الحضارة والاستحواذ: مقاربة فلسفية تطورية في مآلات التحضر الم ...
- اليرقة الكونية خلف حدقة العين حفل عشاء في جمجمة -مينوتور- نص ...
- الأنظمة الرخوة واستلاب المواطن: تعاضد الرأسمالية العالمية وت ...
- المفارقة التطورية للكائن البشري: جدلية الصدق والخداع
- الإدارة الفلسفية: جاذبية -الكائن الخارق- والتحولات في الاستع ...
- جنازةُ اليقين في جرعةِ الشوكران (قصة ميتاسريالية)
- الميتافيزيقا السياسية لرأس المال: التشريح الماركسي للتعاضد ا ...
- اقتصاديات الإذلال وسيكولوجية الاستبداد: تفكيك العقد الاجتماع ...
- إنجيلُ الصوف: محاولة لرتق العدم -قصة ميتاسريالية
- جدليات الوعي، الإدراك، الفهم، والحدس: مقدمة في تشريح المعضلا ...
- رقصة الضباع على جثة الاحتمالات- قصة ميتاسريالية
- المعضلة الداروينية للتدين والتحول نحو النموذج البيولوجي-الثق ...
- توبة الذئب البلاستيكية: بروتوكول العشاء الأخير -قصة ميتاسريا ...
- مجاعة الزجاج في غابة الزئبق قصة ميتاسريالية
- تفكيك البراديغمات الكلاسيكية: مقاربة نقدية لتحولات الفلسفة ا ...


المزيد.....




- إدارة ترمب تلغي -الحماية المؤقتة- للاجئين اليمنيين
- حماس: مشاهد التنكيل الوحشي بالأسرى في سجن -عوفر- بإشراف المج ...
- الأمم المتحدة تدافع عن ألبانيزي وتحذّر من حملة تشويه تستهدف ...
- صحيفة: الجيش الأمريكي استخدم الذكاء الاصطناعي في اعتقال مادو ...
- ترمب يكشف مزيدا من التفاصيل عن السلاح السري المستخدم في اعتق ...
- المغرب.. تعويضات مالية وخطة لإغاثة المتضررين من فيضانات الشم ...
- الأمم المتحدة تتهم -الدعم السريع- بارتكاب جرائم حرب في الفاش ...
- عملية استخبارية في صحراء الأنبار تنتهي باعتقال مجهز داعش الع ...
- غوارديولا يدافع عن المهاجرين ردا على تصريحات مالك مانشستر يو ...
- الأمم المتحدة تتهم الدعم السريع بارتكاب -جرائم حرب- في الفاش ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - غالب المسعودي - الدول الرخوة والبرنامج الخفي للعولمة: العائد الفلسفي والحضاري وتعميق مأساة -الإنسان الفائض-