أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - غالب المسعودي - قداس ميتا سريالي: تعميد الحبل على طاولة قمار فوق الهاوية















المزيد.....

قداس ميتا سريالي: تعميد الحبل على طاولة قمار فوق الهاوية


غالب المسعودي
(Galb Masudi)


الحوار المتمدن-العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 20:13
المحور: الادب والفن
    


في مدينةٍ لم تُبنَ من حجرٍ وطين، بل من "أسمنت مالح" نضج في أفران العوز، كانت الشوارع تتنفس برئاتٍ مثقوبة، وتتغذى بضراوة على عرق مَن يسكنونها. هنا، لم يعد الاقتصاد مجرد جداول بيانات أو رسوم بيانية جافة، بل تحول إلى وحش هلامي، كائن ميتا سريالي عظيم يمتلك آلاف الأذرع غير المرئية، يلتهم الظلال قبل الأجساد، ويحول الأحلام إلى نفايات قابلة للاحتراق في مرجل الدولة. في هذا الزقاقٍ يتقيأ الفقر فيه أحشاءه كل صباح، وقع تصادم ميتا سريالي كبير، معلناً بدء "المذبحة الهيكلية" التي لا تفرق بين المعدن والبشر.
كان عامل البناء يقف في منتصف الشارع، لكن وقوفه لم يكن فعلاً إرادياً، بل كان ارتكازاً قسرياً على "تاريخ من الانهيارات" المتلاحقة. جلده الذي صار طبقات من القشور الرمادية يشبه تضاريس الأرض التي جفّت في عهود الجبايّة الطويلة، حتى غدت مساماته مخازن للغبار المالح. لم يكن يحمل مطرقة لتحطيم الحجر، بل كان يحمل أداةً لثقب جدار الصمت الكوني الذي تفرضه "البورصة السوداء" الكامنة تحت سقف جمجمته، حيث تُباع وتُشترى خلاياه العصبية بأسعار صرفٍ متذبذبة في مزادٍ لا يهدأ.
من الجهة المقابلة، زحفت سيارة الأجرة كصرصورٍ معدني عملاق يقتات على الصدأ. لم تكن تسير على مطاطٍ أو عجلات، بل كانت تتدحرج على "وعودٍ انتخابية محروقة" تطلق شرارات من الرماد الخانق.
السائق، الذي صار جزءاً من مقعده الجلدي المهترئ حتى التحم ظهره بالنابض الحديدي، لم يكن يقود؛ كان يعتصر المقود كأنه يخنق عنق مدير البنك المركزي في ليلة انهيار العملة الكبرى. عيناه لم تعودا بشريتين، بل تحولتا إلى مرآتين عاكستين لأرقام التضخم وهي تتساقط كالقمل الجائع على رصيف العمر، تنهش ما تبقى من ثوانٍ في ساعته الرملية المكسورة.
حين وقع الاصطدام، لم يكن هناك صوت انبعاج للمعدن، بل سُمع دوي تمزق "عقد استغلال اجتماعي" قديم كُتب بحبرٍ مغشوش. في تلك اللحظة، تحول الزقاق إلى "غرفة عمليات مفتوحة"؛ المذبحة الهيكلية بدأت بتشريح الواقع سطرًا بسطر. لم ينزف العامل دماً أحمر، بل تناثرت من شقوق جسده "ساعات عمل ضائعة" وبرادة حديد وأسمنت جاف يختنق به هواء المدينة المسموم. السائق، من جهته، لم ينزل من السيارة، بل انسلخ عنها في عملية ولادة قيصرية مرعبة؛ كانت أمعاؤه قد تحولت إلى أنابيب وقود شفافة يمر عبرها "اليأس المقطر"، وبوقه المتنمر ظل يصدر صرخة "خرساء" تفتت الحقيقة وتخرس الشارع، صخباً فارغاً يغطي على زلزال الجوع الذي يضرب أحشاءه الخاوية.
فوق هذا المشهد الجنائزي، برز "كاهن الديزل" (صاحب المولدة العمومية). لم يكن مجرد تاجر طاقة، بل كان كائناً تضخم حتى صار بحجم ناطحة سحاب منهارة تسد عين الشمس. رأسه عبارة عن محرك ديزل عملاق يتقيأ دخاناً أسود يشكل غيوماً كثيفة على هيئة "أرقام إعدام" غير قابلة للاستئناف. هو لا يتنفس الأكسجين، بل يستنشق بانتشاء "توسلات الأمهات" اللواتي انطفأت ثلاجاتهن، ويحول تلك الزفرات الحارة إلى "أمبيرات" يبيعها بالقطّارة لمن استطاع إليها سبيلاً. كان كاهن الديزل يجلس على عرشٍ من الأسلاك النحاسية المتشابكة، التي امتدت كأفاعٍ سوداء لتخنق أزقة المدينة وحاراتها. مدَّ كبلاً نحاسياً غليظاً، ليس ليوصل الضوء، بل ليربطه بقلوب المارة؛ كان يمتص "عرق الجبين" ليحوله إلى وميضٍ خافت ومتقطع، مانحاً الفقراء "فتاتاً من الضوء" مقابل أن يتبرعوا بقطع من أكبادهم كل مساء لتشغيل محركه الذي يئن بصوتٍ بشري.
فيما كان الكاهن يمتص الحياة، انشقت السماء بلون "أخضر التقيؤ" ليظهر "وزير الخزانة". لم يكن كائناً لحمياً، بل آلة هيدروليكية معقدة، وجهه عبارة عن "فسيفساء من أوراق البوكر" دائمة الدوران، تتبدل فيها صور الملوك والجوكر بسرعة تخطف الأبصار وتصيب الوعي بالدوار. كان يجلس على كرسي طائر مصنوع من "جثث الموازنات العامة" التي لم تُصرف يوماً لمستحقيها، وأمامه طاولة قمار عائمة فوق الهاوية، يلقي عليها بقطع "فيش" هي في الحقيقة أرغفة خبز متفحمة سُرقت من أفران الجياع في ليالي الشتاء الطويلة. بدأ الوزير بالضحك، وضحيته كانت سيمفونية من اصطدام العملات المعدنية في قاع بئر جاف. كان يوزع "أوراق الشدة" على الريح؛ ورقة للسائق تعني "حادثاً جديداً"، وورقة للعامل تعني "سقوط سقف"، بينما يحتفظ بـ "الجوكر" لنفسه دوماً. كلما قهقه، سقطت من فمه "قرارات تقشف" حادة كالشفرات، تمزق ثياب السائق وجلد العامل، محولةً إياهم إلى مجرد أصفار جهة اليسار في تقرير "خسائر ثانوية".
بينما كان الجسدان يترنحان تحت وطأة القمار الحكومي، انفتحت تحت الهاوية فجوةٌ زمنية ميتا سريالية تقود إلى "سرداب الأرقام المقدسة" في قلب البنك الدولي. لم يكن المبنى مصنوعاً من رخام أو جرانيت، بل من "عظام الأطفال الخدج" الذين وُلدوا مديونين للغرب قبل أن يلمسوا حلمة ثدي أمهاتهم. هنا، في هذا القبو المعتم، تُقام طقوس تعميد الديون بدموع البراءة المنهوبة.
المشهد داخل البنك كان يشبه إلى حدٍ مرعب تلك "الجزيرة المعزولة" حيث تُنتهك الطفولة والآمال والمستقبل خلف ستائر من الحصانة القانونية المنيعة. الصفقات لم تكن تُعقد بالأوراق أو العقود، بل بـ "المقايضة على الأنفاس". الخبراء الدوليون، بوجوههم البلاستيكية الباردة، كانوا يرتدون أقنعةً من جلد الضحايا، ويجلسون حول طاولةٍ هي في الحقيقة "سريرٌ جراحي" تُشرح عليه أحلام الشعوب وتُستأصل منها رغبة البقاء.
في زاوية السرداب، كانت هناك "غرفة الصرخات الصامتة"؛ حيث يتم استدراج "المستقبل" بوعودٍ زائفة بالنمو والازدهار، تماماً كما تم استدراج الضحايا إلى تلك الجزيرة الملعونة. المفترس هنا يستخدم "سعر الفائدة" بدلاً من الأصفاد، ويُحول الألم الإنساني الصرف إلى "نقاط أساس" في مؤشرات البورصة العالمية. إنها مجزرة الطفولة المنهجية؛ حيث لا يُقتل الجسد فحسب، بل يُغتال "الاحتمال"، وتُغتصب "الفرصة" قبل أن ترى النور. كل لحظة إنسانية فريدة، من ضحكة طفل أو أمان أب، كانت تُعصر وتُعبأ في زجاجات كريستالية ليحتسيها "أمراء الديون" في حفلاتهم التنكرية.
تحت وطأة هذا الجحيم المالي، هبطت المشنقة من السماء كعنكبوت معدني مفترس. لم تكن المشنقة هنا أداة للعقاب، بل كانت "رحماً مقلوباً"، ملاذاً مجانياً وحيداً وسط غابة من الأكاذيب المدفوعة الثمن. حبلها لم يكن ليفاً خشناً، بل كان شريطاً طويلاً من أوراق النقد التي فقدت قيمتها، وضُفرت بعناية مع أسلاك المولدات الصدئة لتشكل "عروة" تتسع لرقاب جميع المسحوقين. لم يهرب العامل، ولم يرتجف السائق؛ بل في لحظة تجلٍّ صادمة، التحما جسدياً وروحياً. ذراع العامل الحديدية احتضنت أمعاء السائق الممتدة كالأسلاك، وصارا "جسداً واحداً" يمثل الطبقة التي طُحنت تحت تروس الاقتصاد الكلي.
سارا نحو المشنقة كعشاقٍ يزفون إلى حلمهم الأخير، بعيداً عن "جزيرة" الانتهاكات المالية. لقد وقعا في "حُب المشنقة" لأنها كانت الشيء الوحيد "الواضح" والصلب في مدينة من الورق والقمار والسراب. ارتقيا معاً، وفي اللحظة التي التفت فيها الحبال حول رقابهم، لم يشعرا بالاختناق، بل بالتحرر من جاذبية "الفواتير" و"تصاريح المرور" و"فوائد الديون". تحولت الأوراق النقدية من حولهم إلى أزهار سوداء ذابلة، واكتشفا أن الموت في ظل هذا "الخراب المنظم" هو الاستثمار الوحيد الذي لا تأكله الضرائب ولا تطاله أيدي المرابين الدوليين.
بينما كانا يتدليان كبندول ساعة توقفت عند لحظة الانهيار العظيم، نحت العامل بمسامير ذراعه على جدار الخزانة "مانيفستو العدم":
"نحن لا ننتحر، نحن نستقيل من جسدٍ صار ملكية عامة للمصارف. نترك سيارة الأجرة لتدهس أحلام الوزير الورقية، وننثر غبار الأسمنت في عيون كاهن الديزل ليعمى عن امتصاص دمائنا. نحن الآن نُعمد بالحبل؛ المشنقة هي الكرسي الوحيد الذي لا يهتز في هذه الدولة، وهي الحضن الأكثر صدقاً بعد أن صار الوطن جزيرةً للمغتصبين الماليين".
انتهي المشهد بصمتٍ مطبق؛ جسدان متعانقان يتأرجحان بانتظام فوق الهاوية، بينما يستمر الوزير في خلط أوراقه، ويستمر الكاهن في حلب الصرخات، ويستمر البنك الدولي في تشريح جثث المستقبل... في مدينةٍ نسيت تماماً كيف تبتسم، ولم يتبقَّ منها سوى حطام يضحك، وميتٍ يتنفس الصدأ.



#غالب_المسعودي (هاشتاغ)       Galb__Masudi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الانسداد التاريخي والمخارج المغلقة: قراءة فلسفية بين الدورات ...
- العشاء الأخير للعدالة في جزيرة إبستاين قصة ميتا سريالية
- الهروب من سياج المعنى: انهيار ميتا سريالي
- الحضارة والاستحواذ: مقاربة فلسفية تطورية في مآلات التحضر الم ...
- اليرقة الكونية خلف حدقة العين حفل عشاء في جمجمة -مينوتور- نص ...
- الأنظمة الرخوة واستلاب المواطن: تعاضد الرأسمالية العالمية وت ...
- المفارقة التطورية للكائن البشري: جدلية الصدق والخداع
- الإدارة الفلسفية: جاذبية -الكائن الخارق- والتحولات في الاستع ...
- جنازةُ اليقين في جرعةِ الشوكران (قصة ميتاسريالية)
- الميتافيزيقا السياسية لرأس المال: التشريح الماركسي للتعاضد ا ...
- اقتصاديات الإذلال وسيكولوجية الاستبداد: تفكيك العقد الاجتماع ...
- إنجيلُ الصوف: محاولة لرتق العدم -قصة ميتاسريالية
- جدليات الوعي، الإدراك، الفهم، والحدس: مقدمة في تشريح المعضلا ...
- رقصة الضباع على جثة الاحتمالات- قصة ميتاسريالية
- المعضلة الداروينية للتدين والتحول نحو النموذج البيولوجي-الثق ...
- توبة الذئب البلاستيكية: بروتوكول العشاء الأخير -قصة ميتاسريا ...
- مجاعة الزجاج في غابة الزئبق قصة ميتاسريالية
- تفكيك البراديغمات الكلاسيكية: مقاربة نقدية لتحولات الفلسفة ا ...
- أوركسترا الغبار في مقهى المصير - قصة ميتاسريالية
- الدورة البيولوجية ومقاومة التردي: جدلية البقاء البيولوجي وال ...


المزيد.....




- العراق يستدعي السفير التركي احتجاجا.. وأنقرة تتحدث عن «سوء ت ...
- بعد سنوات من -المنع-.. مكتبات الرصيف بمعرض دمشق للكتاب والمن ...
- الحكومة تريد الاسراع في تطبيق شرط اللغة للحصول على الجنسية ا ...
- أخبار اليوم: السجن 12 عاما لوكيلة فنانين تركية بتهمة -قلب نظ ...
- تركيا.. وفاة الممثل كانبولات جوركيم أرسلان عن عمر ناهز الـ45 ...
- متحف -نابو-.. ذاكرة ثقافية قد تنقذ ما عجزت عنه السياسة في لب ...
- نجم -المؤسس عثمان-.. الموت يغيب الممثل التركي كانبولات أرسلا ...
- منع وغرامات.. -البلوغرز- بمرمى نقابة المهن التمثيلية في مصر ...
- هل فقدت كتب المعرفة جاذبيتها بعد تراجع مبيعاتها؟
- فخ -الاختراق- من الداخل.. كيف تمنحنا السينما مفاتيح فهم لغز ...


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - غالب المسعودي - قداس ميتا سريالي: تعميد الحبل على طاولة قمار فوق الهاوية