أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - غالب المسعودي - الهروب من سياج المعنى: انهيار ميتا سريالي















المزيد.....

الهروب من سياج المعنى: انهيار ميتا سريالي


غالب المسعودي
(Galb Masudi)


الحوار المتمدن-العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 10:45
المحور: الادب والفن
    


في فضاءٍ "ميتا سريالي" تتصادم فيه المجرات المصنوعة من المنطق المشروخ، كانت تقف كتلة من العماء الصرف. لم تكن امرأة بالمعنى البيولوجي، بل كانت "حدثاً" من الجهل النشط، يرتدي عباءة من الضجيج المادي الذي يرفض الانصياع لترانيم الوجود. كانت تعيش في لحظة أبدية من التخريب؛ تنهش بأظافرها وجه الأثير النقي، لا لشيء إلا لأن النقاء يستفز عدميتها المتأصلة. في قلب الفراغ، اصطدمت تلك الكينونة ببلورة الحقيقة المطلقة، لم يكن اصطداماً فيزيائياً، بل انفجاراً عبثياً حيث حاولت الضحالة أن تبتلع العمق.
كانت تمسك بخيوط الضياء وتفتلها كحبال من مسد، تحاول خنق الأصوات الهامسة بالجمال، تنطق بحروفٍ ميتة، وكلماتٍ بلا أرواح، ترشق بها وجه السكون الكوني، محولةً الموسيقى العلوية إلى طنينٍ مزعج من الهراء اليومي المستمر. وسط هذا الحطام الجمالي المتناثر، تجسد "سقراط"؛ ليس كجسد، بل كوعيٍ ساخر يراقب انهيار القيم تحت وطأة هذه الوقاحة الفجة. نظرت إليه بعينين تفتقران لبريق الإدراك، وقذفت في وجهه بؤساً لغوياً لا يرتقي لمرتبة السؤال.
تأملها سقراط، ورأى فيها "زانثيبي" الكونية، تلك التي تحوّل الصمت إلى جحيم، والنقاء إلى غبار يملأ الرئتين بالعدم. وبصوتٍ يتردد صداه بين العدم والوجود، قال كلمته التي صاغت قدر الفلاسفة: "تزوجي؛ فإن ظفرتِ بنقاءٍ يماثلكِ بلغتِ غاية السعادة الحسية، وإن اصطدمتِ بنورٍ يرفضكِ، جعلتِ منه فيلسوفاً رغماً عن أنفه". لم تفهم من قوله إلا وقع الحروف، فازدادت حنقاً ووقاحةً، وحاولت أن تلطم وجه الفلسفة بكفٍ من الطين البارد، لكنها وجدت نفسها محاصرة بسياجٍ من التعريفات المحكمة. كلما صرخت بجهالة، أحال سقراط صرختها إلى "مقدمة منطقية" تؤدي حتماً إلى نتيجة تدين وجودها الهش.
شعرت بالذعر؛ فالوقاحة لا تخشى الضرب، بل تخشى "التفسير" الذي يجردها من غموضها الكاذب. بدأت تهرع في ردهات العدم، تحاول الهروب من هذا السياج الفلسفي الذي جعل من قبحها مادةً للدراسة المخبرية. كانت تركض وهي تثرثر بكلمات فصحى جوفاء، مفرغة من المعنى، محاولةً العودة إلى عالمها حيث لا عقل يراقب، ولا ميزان يزن الضحالة بمثقال الذرة. لقد استقرت الآن في ركنٍ قصي من الكون، تمارس تخريبها الصغير، ظناً منها أنها انتصرت، بينما هي ليست سوى "هامش" في كتاب الفلسفة العظيم الذي فتحه سقراط ولن يغلقه أبداً.
في تلك اللحظة المفصلية من الوجود العبثي، بلغت وقاحتها ذروة "التشيؤ"؛ حيث توهمت أن قبضتها المحملة بالعدم قد أطبقت على عنق النور. كانت تظن أن فعل التخريب الذي تمارسه هو "خلقٌ مضاد"، وأن ضحالتها هي الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل التأويل. لكن سقراط، القابع في مركز الوعي الكوني، لم يرفع يداً ولم يطلق لعنة، بل أطلق "المجهر" الفكري الصارم. وبمجرد أن وجه نظرة الفاحص نحو "كتلة الضجيج" التي تمثلها، بدأ الوجود يتفكك تحت وطأة التحليل المنطقي الصارم. لم يعد تخريبها فعلاً بطولياً، بل استحال إلى حالة مخبرية بائسة تثير الشفقة والاشمئزاز في آن واحد.
كلما صرخت بكلمة جوفاء تظنها سلاحاً، كان المجهر يحللها إلى ذرات من "الفراغ الدلالي". لقد اكتشفت أن وقاحتها ليست قوة، بل هي مجرد "ثقب في المعنى" يحاول يائساً أن يتنفس في بيئة مشبعة بالوعي. تحول التخريب إلى "هباء"؛ فلم تعد ذرات النقاء التي حطمتها تالفة، بل تحولت بفعل النقد إلى جزيئات مجهرية من الهباء المنثور الذي لا وزن له ولا أثر. لقد أدركت أن كل ما خربته لم يختفِ من سجلات الوجود، بل صار شاهداً أبدياً عليها، معلقاً في أثير الحقيقة كدليل دامغ على عجزها البنيوي.
تحت المجهر الفلسفي، بدأت هي نفسها تتقلص وتضمر. لم تعد تلك العملاقة الوقحة التي تصفع الأفق بكبريائها الزائف، بل تضاءلت لتصبح مجرد مغالطة منطقية تمشي على قدمين من طين. حاولت أن تستعيد صوتها الجهوري، فخرج صوتها كطنين بعوضة محاصرة في قارورة زجاجية من الاستنتاجات الرياضية الدقيقة. صرخت في وجه الفراغ: "أنا موجودة لأنني أخرب!" فأجابها صدى سقراط من خلف عدسة المجهر ببرود قاتل: "أنتِ موجودة فقط لأنني أمنحكِ شرف التعريف كـ نقيض . لولا كلماتي التي تصفكِ، لما كان لظلكِ الفج هذا أي أثر يذكر في ملكوت المعنى.
لم يتبقَ منها سوى أثر باهت لامرأة خيالية ترفض الفلسفة، محاصرة في لوحة سريالية تسمى "انتحار الوقاحة أمام مرآة العقل". لقد تشتتت في هباء التاريخ، وأصبح تخريبها مجرد مادة أولية يستعملها الفلاسفة لتدريب عقول المبتدئين على التمييز بين الجوهر والعدم، وبين الكلمة والضجيج. رحل سقراط تاركاً المجهر مسلطاً على الفراغ، حيث لا تزال بقايا كلماتها الضحلة تطفو كغبار كوني، لا يراه إلا من أراد أن يعرف كيف يفسد الجهلُ جمالَ الوجود.. ثم يتلاشى كأنه لم يكن.
بينما كانت هي غارقة في طين ضحالتها، تفرك يديها بزهو فوق حطام النقاء، اهتز الفراغ الميتا سريالي بصدى صوتٍ رخيم، قادم من أعماق التاريخ، يقطر سخريةً مُهذبة. التفتت إليه، مالت برأسها بغباءٍ متأصل، ومسحت أنفها بظاهر كفها وهي تسأل بلسانٍ حاد: "أهذه هي الفلسفة التي يتبجحون بها؟ أهي مجرد كلمات لمواجهة فعل التدمير؟". لم يغضب سقراط؛ فالفلاسفة لا يحاربون طواحين الهواء، بل يكتفون بتشريحها ومعرفة مصادر هوائها. نظر إلى دمارها وقال بهدوءٍ لا يكسره ضجيج جهلها: "الدمار الذي تزرعينه هو التربة التي أزرع فيها أسئلتي".
ضحكت ضحكةً خاوية، كقرع الطبول المثقوبة في وادٍ مهجور، وقالت بلغةٍ فجة: "أيها المتفلسف الصعلوك، أتظن أن إدراكك يمنحك سلطة علي؟ لقد خربتُ لك عالمك الصافي لأثبت لك أن القوة للأبشع، فلا جدوى من كلماتك أمام قبضة يدي". في تلك اللحظة، حدث ما لا يمكن تفسيره بالمنطق التقليدي؛ فبدلاً من أن يضمحل سقراط، بدأ يتوهج بنورٍ غريب يستمد طاقته من سواد كلماتها. فكلما زادت هي وقاحة، زاد هو وضوحاً وفلسفة. أدرك سقراط أن وجودها هو الذي منحه الخلود؛ فلولا ليلها، ما عُرف فجره.
بدأت كلمات سقراط تتحول إلى سلاسل من ذهب تحيط بخرابها، لا لتصلحه، بل لتؤطره كلوحةٍ فنية تمثل القبح المطلق. قالت وهي تتراجع، وقد شعرت لأول مرة ببرد المعنى يخترق غباءها: "لماذا تنظر إليّ هكذا؟ أنا لست لوحة للعرض، أنا سيدة هذا العدم!". رد سقراط بابتسامةٍ باردة قبل أن يختفي في سديم الفكر: "أنتِ لستِ سيدة المكان، أنتِ مجرد تمرين ذهني عابر. شكراً لكونكِ بهذا السوء، فلولا وقاحتكِ، لما احتجتُ أنا للبحث عن الجمال المطلق في مكانٍ آخر". بينما كان الكون يتشقق، وقفت فوق حطام الجمال، واضعةً يدها على خصرها بوقاحة تامة، وقالت بصوت متهدج: "هكذا أفضل، صار المكان يشبه خلوّي من المعنى، لا وجع رأس بعد اليوم ولا تفكير". ثم تحولت إلى كومة من الطين السائل الذي يرفض الجفاف، بينما كانت روح سقراط تهز رأسها بيأس، مدركةً أن الجهل ليس غياباً، بل هو فوضى منظمة تدمر نفسها بنفسها.



#غالب_المسعودي (هاشتاغ)       Galb__Masudi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحضارة والاستحواذ: مقاربة فلسفية تطورية في مآلات التحضر الم ...
- اليرقة الكونية خلف حدقة العين حفل عشاء في جمجمة -مينوتور- نص ...
- الأنظمة الرخوة واستلاب المواطن: تعاضد الرأسمالية العالمية وت ...
- المفارقة التطورية للكائن البشري: جدلية الصدق والخداع
- الإدارة الفلسفية: جاذبية -الكائن الخارق- والتحولات في الاستع ...
- جنازةُ اليقين في جرعةِ الشوكران (قصة ميتاسريالية)
- الميتافيزيقا السياسية لرأس المال: التشريح الماركسي للتعاضد ا ...
- اقتصاديات الإذلال وسيكولوجية الاستبداد: تفكيك العقد الاجتماع ...
- إنجيلُ الصوف: محاولة لرتق العدم -قصة ميتاسريالية
- جدليات الوعي، الإدراك، الفهم، والحدس: مقدمة في تشريح المعضلا ...
- رقصة الضباع على جثة الاحتمالات- قصة ميتاسريالية
- المعضلة الداروينية للتدين والتحول نحو النموذج البيولوجي-الثق ...
- توبة الذئب البلاستيكية: بروتوكول العشاء الأخير -قصة ميتاسريا ...
- مجاعة الزجاج في غابة الزئبق قصة ميتاسريالية
- تفكيك البراديغمات الكلاسيكية: مقاربة نقدية لتحولات الفلسفة ا ...
- أوركسترا الغبار في مقهى المصير - قصة ميتاسريالية
- الدورة البيولوجية ومقاومة التردي: جدلية البقاء البيولوجي وال ...
- المثقف العربي في العراء: هل انتصر -نظام التفاهة-؟
- الأنطولوجيا السياسية للهشاشة: تفكيك أبعاد الهيكلية الرأسمالي ...
- جدلية التفاهة: نقد مادي للثقافة والعلم في عصر الرأسمالية الم ...


المزيد.....




- أ. د. سناء الشّعلان في ضيافة مبادرة نون للكتاب في ندوة عن (ت ...
- بغداد تحتضن المعرض الدولي الرابع ليوم الكاريكاتير العراقي
- متحف العلا للفن المعاصر يعلن نفسه لاعبًا جديدًا في مشهد الثق ...
- باد باني الفائز بجائزة غرامي عن ألبوم باللغة الإسبانية يهاجم ...
- بنعبد الله يعزي أسرة المرحوم الفنان الكبير عبد الهادي بلخياط ...
- لماذا فشل الفيلم الوثائقي عن ميلانيا ترامب؟
- -الخروج من عهد ستالين-.. كتاب يغوص في التاريخ السوفياتي لفهم ...
- مسرح جرائم ريا وسكينة.. كيف انهارت -زنقة الستات- بالإسكندرية ...
- -الخروج من عهد ستالين-.. كتاب يغوص في التاريخ السوفياتي لفهم ...
- فيلم -الرئة الحديدية-.. رعب بلا أفق


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - غالب المسعودي - الهروب من سياج المعنى: انهيار ميتا سريالي