أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - غالب المسعودي - رقصة الضباع على جثة الاحتمالات- قصة ميتاسريالية














المزيد.....

رقصة الضباع على جثة الاحتمالات- قصة ميتاسريالية


غالب المسعودي
(Galb Masudi)


الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 12:03
المحور: الادب والفن
    


في الساعة الخامسة والعشرين بتوقيت النسيان، حين تعامد عقربا الساعة ليثقبا غشاء الواقع، كانت السماء تذرف دموع التماثيل. لم تكن ثمة أرضية؛ بل وقف الجميع فوق سطح بحيرة متجمدة من الوعود المنكوثة، شفافة لدرجة تتيح رؤية الجحيم يتثاءب بملل في الأسفل.
تلك الكائنات الانتهازية لم تنتمِ لفصيلة الضباع البيولوجية، بل كانوا بشراً انتزعوا عمودهم الفقري طواعية، واستبدلوه بسلاسل معدنية من "المصالح المشتركة".
توسطهم "السيد س"، مرتدياً بدلة حيكت من جلود الميكروفونات القديمة. لم تكن ضحكته صوتاً، بل موجة جاذبية هشمت زجاج نوافذ عام 1990 في الماضي البعيد. أما عيناه، فكانتا شاشتي عرض تبثان أسعار هبوط العملة بشكل مباشر، تدوران في محجريهما بحثاً عن أي جيفة سياسية طازجة.
في منتصف المأدبة، طفت جثة "الفكرة" العملاقة كحوت أزرق تضخم حتى الانفجار. فاحت منها رائحة سريالية: مزيج من عطر فرنسي باذخ وبارود رخيص. وحين انسكبت أحشاؤها، لم تكن دماً، بل مسودات قوانين ملطخة بالمربى، وكراسي مخملية ما زالت دافئة، وأختام رسمية تحولت إلى خنافس سوداء تزحف ببطء.
بدأت طقوس الأكل الميتافيزيقية. لم يستخدموا الشوك أو السكاكين، بل مدوا ألسنة متشعبة عبر الأبعاد الخمسة. انقض الضبع الأول ليعب "السيادة"؛ لم يمضغها، بل استنشقها كغبار كوني، فانتفخ رأسه كمنطاد وظهرت على جبهته عبارة "عاجل" بضوء النيون الأحمر. أما الثاني، فراح يلعق دماء "الميزانية" التي سالت كالزئبق؛ وكلما لعق المزيد، اختفى جزء من جسده المادي ليظهر كصورة "هولوغرامية" في حساب بنكي بسويسرا.
في تلك اللحظة الخارجة عن الزمن، لم يأكلوا اللحم، بل التهموا المستقبل، وحولوه إلى "فضلات" تخرج فوراً على هيئة تصريحات صحفية منمقة.
فجأة، انطوت الغرفة على نفسها كظرف رسالة بريدية. استحالت الجدران أرضيات، والسقف مرآة تعكس دواخل الضباع لا هيئتهم. في المرآة، لم يظهروا ببدلات أنيقة، بل كثقوب سوداء صغيرة تمشي على قدمين؛ ثقوب تمتص الضوء، والحقيقة، وأرغفة الخبز من موائد الفقراء في بُعد آخر.
تحدث أحدهم بصوت يخرج من أذن المستمع لا من فم المتحدث: "هذا اللحم قاسٍ قليلاً... هل هو مجرد أيديولوجيا معلبة منتهية الصلاحية؟" فأجابه الآخر وهو يخلل أسنانه بعظمة ساق مواطن كادح: "لا يهم... طالما أنه مات، فهو لنا. نحن لا نصطاد، نحن فقط ننتظر تعفن الأحلام لتصبح طرية بما يكفي للبلع".
عندما شبعوا، لم يغادروا، بل تحولوا في دورة عبثية إلى الجيفة التالية. بدأوا بالتهام أطرافهم، مبتسمين لكاميرات تصور الفراغ، حتى سقطت بقاياهم اللزجة التي لم تعد بشراً ولا ضباعاً، بل عصارة انتهازية مركزة نحو الأسفل، نحو "مدفن التاريخ الكبير".
هنا، حيث ترقد نفايات القرون السابقة بوقار القذارة: تيجان صدئة لطغاة سقطوا، ودبابات ذابت خجلاً. وحين لامست عصارة الضباع أرضية المدفن، حدث ما لم يسبق في فيزياء الدناءة؛ انتفضت كومة من الخطايا التاريخية القديمة! صرخت مقصلة فرنسية يعلوها الصدأ: "ابتعدوا عني! أنا قتلت ملوكاً لأجل مبادئ خاطئة، لكنني أملك حديداً وشرفاً! أما أنتم فمجرد بلاستيك سياسي معاد تدويره".
حاولت العصارة الالتصاق بوثائق سرية محروقة من الحرب الباردة، لكن الرماد تكتل وسعل هارباً، رافضاً الامتزاج بهذا الهجين من الانحطاط. أدركت النفايات العظيمة أن هؤلاء ليسوا أوساخاً ناتجة عن مأساة حقيقية، بل "فيروسات عدمية" و"خطأ مطبعي" في كتاب الوجود.
وبحركة طاردة مركزية تتجاوز قوانين نيوتن، بصق المكب هؤلاء الضباع خارج حدوده. لم يُطردوا إلى النور، ولم يُعادوا إلى الحياة، بل قُذفوا إلى "هامش الصحف المنسية".
انتهى بهم المطاف عالقين في المسافة البيضاء الفاصلة بين الكلمات في كتب التاريخ المدرسية. تحولوا إلى "تشويش"؛ ذبذبات طفيلية تحاول الالتصاق بأي حدث عظيم لتسرق منه المعنى، لكن الأحداث تنفضهم كما ينفض الحصان الذباب الأزرق.
الآن، يطوفون حول مكبات التاريخ كنفايات بلا حاوية. يدقون أبواب الجحيم، فيطل الشيطان من نافذته، يشم رائحة نفاقهم اللزج، ويغلق النافذة بإحكام قائلاً: "عودوا من حيث أتيتم.. نحن هنا نعذب الأشرار الحقيقيين، ولا نملك محارق تليق بتدوير الفراغ".



#غالب_المسعودي (هاشتاغ)       Galb__Masudi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المعضلة الداروينية للتدين والتحول نحو النموذج البيولوجي-الثق ...
- توبة الذئب البلاستيكية: بروتوكول العشاء الأخير -قصة ميتاسريا ...
- مجاعة الزجاج في غابة الزئبق قصة ميتاسريالية
- تفكيك البراديغمات الكلاسيكية: مقاربة نقدية لتحولات الفلسفة ا ...
- أوركسترا الغبار في مقهى المصير - قصة ميتاسريالية
- الدورة البيولوجية ومقاومة التردي: جدلية البقاء البيولوجي وال ...
- المثقف العربي في العراء: هل انتصر -نظام التفاهة-؟
- الأنطولوجيا السياسية للهشاشة: تفكيك أبعاد الهيكلية الرأسمالي ...
- جدلية التفاهة: نقد مادي للثقافة والعلم في عصر الرأسمالية الم ...
- براكسيس الإبستمولوجيا وجدلية الجذر والجذمور: من الهيمنة النس ...
- تمرد الهوامش في مقبرة المسودات المحذوفة - قصة ميتاسريالية
- التراجعات الإبستيمولوجية واغتيال العقل: الحلول الهروبية في ا ...
- سجع المخصي واليقين المعدوم -قصة ميتاسريالية
- البيوبوليتيك والنيكرو-بوليتيك كآليات لضبط الحياة والموت في ا ...
- التسطيح المقعّر في المستوى الميتا-غائم -قصة ميتا سريالية
- التعاضد الثلاثي: الأسطورة، رأس المال، والسلطة
- الوعي الترانسندالي وأوهام الميتافيزيقا
- الوعي القاتل: مقاربة تكاملية للقفزة المعرفية، القلق الوجودي، ...
- ماهية الفن في زمن الأضداد
- اقتصاديات الهامش الأقصى: مقاربة فلسفية نقدية


المزيد.....




- عن -قصة حقيقية-.. تركي آل الشيخ يكشف المزيد عن فيلم - العيون ...
- فيلم -الخادمة-… كيف تحول الحلم الأميركي إلى مصيدة؟
- رواية -أيتها القُبّرة-.. كيف يواجه المهاجر العربي الشيخوخة و ...
- فيلم -كولونيا-.. بيت مغلق ومواجهة عائلية مفتوحة
- المجلات الثقافية العراقية في المعهد الثقافي الفرنسي
- على خطى الساموراي.. استكشف بلدات -ناكاسندو- التي لم يغيرها ا ...
- الفنانة السودانية بلقيس عوض.. سيدة المسرح التي رحلت بهدوء وت ...
- المخرجة التونسية وفاء طبوبي: الهاربات ليس عرضا نسويا
- كوميدي أمريكي من أصول إيرانية يشارك نصيحته لصناع المحتوى.. م ...
- تعزيزاً لثقافة المشاركة.. محمد نبيل بنعبد الله يستقبل شباب ن ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - غالب المسعودي - رقصة الضباع على جثة الاحتمالات- قصة ميتاسريالية