أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - غالب المسعودي - المفارقة التطورية للكائن البشري: جدلية الصدق والخداع















المزيد.....

المفارقة التطورية للكائن البشري: جدلية الصدق والخداع


غالب المسعودي
(Galb Masudi)


الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 08:07
المحور: المجتمع المدني
    


تحليل النزوع البشري نحو التضليل في سياق الارتقاء
يتربع الكائن البشري على قمة الهرم التطوري، متميزاً بقدرات معرفية فائقة، ولغة رمزية معقدة، وهياكل اجتماعية لا تضاهى. بيد أن هذا الارتقاء البيولوجي والذهني واكبته ظاهرة تبدو للوهلة الأولى متناقضة مع أسس التعاضد الاجتماعي: وهي الميل البنيوي، وربما النزوع الفطري، نحو الخداع. إن السؤال حول ما إذا كان الكذب يمثل "استراتيجية بقاء" ليس مجرد تساؤل فلسفي مجرد، بل هو بحث في صميم البيولوجيا التطورية وعلم النفس المعرفي. فالمعطيات العلمية الحديثة تشير إلى أن القدرة على الخداع ليست عيباً في التصميم البشري، بل هي ميزة تكيفية محورية ساهمت في تطوير الدماغ البشري ذاته.

من المنظور الأخلاقي إلى الوظيفة التطورية
إن السردية التقليدية التي تحصر الكذب في إطار "الخطيئة الأخلاقية" تتجاهل الجذور الضاربة لهذه الممارسة في تاريخنا النوعي. ففي صراع البقاء، برز الخداع كاستراتيجية فعالة لإدارة الموارد؛ إذ يكشف التحليل السلوكي أن جزءاً كبيراً من الأكاذيب اليومية يهدف بشكل مباشر إلى حيازة الموارد أو حمايتها. هذا الارتباط الوثيق بين التضليل والمكاسب المادية والاجتماعية يضع الكذب في قلب معادلة البقاء والاستمرار.

فرضية الذكاء الاجتماعي النفعي (الميكافيلي)
لفهم أسباب هذا النزوع، يجب العودة إلى الدوافع التي أدت لتضخم الدماغ البشري. تشير "فرضية الذكاء النفعي" إلى أن المحرك الرئيسي لتطور العقل البشري لم يكن مجرد التحديات البيئية المادية، بل كان التعقيد الهائل للحياة الاجتماعية. ففي المجموعات الكبيرة، يحتاج الفرد إلى الموازنة بين التعاون والمنافسة، وتشكيل التحالفات، والتلاعب الرمزي بالآخرين لتحقيق مكاسب شخصية دون اللجوء إلى العنف الجسدي عالي الكلفة. ويقترح الباحثون (أمثال بيرن ووايتن) أن القدرة على "الخداع الإجرائي" كانت عاملاً حاسماً في الانتقاء الطبيعي؛ فالأفراد الذين ملكوا القدرة على استقراء عقول الآخرين وتضليلهم بنجاح، استطاعوا الوصول إلى الموارد والشركاء بشكل أفضل.

الارتباط بين حجم القشرة المخية الحديثة ومعدلات الخداع
تدعم الأدلة التشريحية العصبية هذه الفرضية بقوة؛ حيث أظهرت الدراسات المقارنة وجود علاقة ارتباطية طردية بين حجم "القشرة المخية الحديثة" ومعدلات ممارسة الخداع المناور. فالكذب يتطلب قدرة حسابية ومعرفية عالية؛ إذ يتحتم على الكاذب استحضار الحقيقة في "الذاكرة العاملة"، وبناء سيناريو بديل متماسك، والتنبؤ بردة فعل الضحية، مع ضبط لغة الجسد لتتوافق مع الرواية المختلقة. هذه العمليات المعقدة تتطلب "مخزوناً معرفياً" وسلوكيات مرنة لا تتوفر إلا للأدمغة المتطورة.

نيتشه وإرادة الخداع: الكذب كشرط حيوي
في القراءة الفلسفية لهذا النزوع، نجد أن فريدريك نيتشه كان سبّاقاً لربط الحقيقة بالبيولوجيا. يرى نيتشه أن الكذب ليس مجرد رذيلة، بل هو "شرط وجودي" للحياة. ففي كتابه "ما وراء الخير والشر"، يطرح فكرة أن الحقيقة هي نوع من الأوهام التي نسينا أنها كذلك. بالنسبة لنيتشه، فإن "إرادة القوة" تقتضي التلاعب بالواقع؛ فالأقوياء يستخدمون الخداع كأداة للإبداع والسيطرة وصناعة قيم جديدة، بينما يمثل الصدق المطلق أحياناً عائقاً أمام الحيوية والارتقاء.

الماركسية والأخلاق: الخداع كأداة للصراع الطبقي
من زاوية أخرى، تقدم الماركسية مراجعة نقدية للأخلاق بوصفها "بناءً فوقياً" يعكس مصالح الطبقة المهيمنة. ترى الماركسية أن الطبقة المسيطرة تروج لقيمة "الصدق" كواجب مقدس لضمان انضباط الطبقات الكادحة، بينما تمارس هي "الخداع الأيديولوجي" لتزييف وعي الجماهير والحفاظ على علاقات الإنتاج. لذا، فإن الزيف في هذا المنظور هو نتاج لاحتدام الصراع المادي، ولا يمكن تجاوزه إلا بتحرر الإنسان من الاستلاب الاقتصادي.

"الكذب الفئوي (الأزرق): "الغراء الاجتماعي والولاء
يتجلى أقصى تعقيد لهذه الظاهرة فيما يُعرف بـ "الكذب الفئوي" (أو الكذب الأزرق)؛ وهو التضليل الذي يُمارس لتعزيز تماسك الجماعة. على خلاف الكذب الأناني، يُعد الكذب الأزرق "إشارة ولاء"؛ حيث يقبل الفرد إنكار الحقيقة الموضوعية في سبيل الحفاظ على "الحقيقة الاجتماعية" للجماعة، مما يحول الكذب إلى أداة تضامن سياسي وهوّياتي ضد الخصوم. هذا النزوع يفسر كيف تتحول الأساطير والقصص المشتركة إلى "غراء اجتماعي" يربط آلاف الغرباء تحت راية واحدة.

الدين كآلية لضبط الخداع
مع تجاوز المجتمعات لـ "رقم دنبار" (حوالي 150 فرداً)، فقدت آليات المراقبة المباشرة فاعليتها، مما سهل عمليات الغش. هنا نشأت الحاجة لرقيب مفارق: "الآلهة الكبرى". لقد عمل الإيمان بقوى عليا مراقبة كـ "رادع تطوري" للحد من الخداع الضار، وتحويل التدين وطقوسه المكلفة إلى "إشارة صادقة" تعزز الثقة والتعاون بين المجموعات الكبيرة، وتمنحها ميزة تنافسية في التجارة والحروب.

تحديات المستقبل في عصر المعلومات
يظل الكذب استراتيجية بقاء أصيلة، وجزءاً لا يتجزأ من النسيج البيولوجي والمعرفي للإنسان. واليوم، يواجه الإنسان تحدياً جديداً؛ فمع تراجع سطوة "الرقيب الأخلاقي التقليدي" وصعود التكنولوجيا الرقمية التي تضخم القدرة على الخداع وتلغي كلفته الجسدية، أصبحنا أمام خطر انهيار "افتراض الصدق". إن فهم جذورنا التطورية وآلياتنا المعرفية الضابطة أصبح ضرورة وجودية لإيجاد توازن جديد يحفظ الحقيقة... أو على الأقل، يضمن البقاء.
----------------------------------------
المراجع
علي الوردي: وعاظ السلاطين، ومهزلة العقل البشري (لتحليل ازدواجية الأخلاق في المجتمع العربي).
طه عبد الرحمن: سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية (حول فلسفة الائتمانية والصدق).
يوڨال نوح هراري: العاقل: تاريخ موجز للبشرية، ترجمة نهى عباس (لفهم دور الأساطير والخيال التكيفي).
فريدريك نيتشه: ما وراء الخير والشر، ترجمة علي مصباح (حول إرادة القوة ونسبية الحقيقة).
كارل ماركس وفريدريك إنجلز: الأيديولوجيا الألمانية، ترجمة فؤاد أيوب (لتحليل الأخلاق كبناء فوقي).
روبن دنبار: كم عدد الأصدقاء يحتاج الشخص؟، ترجمة ممدوح عدوان (حول العلاقات الاجتماعية وحجم الدماغ).
عبد الله العروي: مفهوم الأيديولوجيا (لتحليل التزييف الواعي وغير الواعي في الفكر والسياسة).
إدوارد هال: اللغة الصامتة، ترجمة يسرى عويص (حول التواصل والخداع الثقافي).
Expertise and the Evolution of Intellect. 10. Dunbar, R. I. (2004): The Human Story: A New History of Mankind s Evolution. 11. Sipos, M. (2020): The Evolutionary Role of Lies and the Dilemma of Telling the Truth.



#غالب_المسعودي (هاشتاغ)       Galb__Masudi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإدارة الفلسفية: جاذبية -الكائن الخارق- والتحولات في الاستع ...
- جنازةُ اليقين في جرعةِ الشوكران (قصة ميتاسريالية)
- الميتافيزيقا السياسية لرأس المال: التشريح الماركسي للتعاضد ا ...
- اقتصاديات الإذلال وسيكولوجية الاستبداد: تفكيك العقد الاجتماع ...
- إنجيلُ الصوف: محاولة لرتق العدم -قصة ميتاسريالية
- جدليات الوعي، الإدراك، الفهم، والحدس: مقدمة في تشريح المعضلا ...
- رقصة الضباع على جثة الاحتمالات- قصة ميتاسريالية
- المعضلة الداروينية للتدين والتحول نحو النموذج البيولوجي-الثق ...
- توبة الذئب البلاستيكية: بروتوكول العشاء الأخير -قصة ميتاسريا ...
- مجاعة الزجاج في غابة الزئبق قصة ميتاسريالية
- تفكيك البراديغمات الكلاسيكية: مقاربة نقدية لتحولات الفلسفة ا ...
- أوركسترا الغبار في مقهى المصير - قصة ميتاسريالية
- الدورة البيولوجية ومقاومة التردي: جدلية البقاء البيولوجي وال ...
- المثقف العربي في العراء: هل انتصر -نظام التفاهة-؟
- الأنطولوجيا السياسية للهشاشة: تفكيك أبعاد الهيكلية الرأسمالي ...
- جدلية التفاهة: نقد مادي للثقافة والعلم في عصر الرأسمالية الم ...
- براكسيس الإبستمولوجيا وجدلية الجذر والجذمور: من الهيمنة النس ...
- تمرد الهوامش في مقبرة المسودات المحذوفة - قصة ميتاسريالية
- التراجعات الإبستيمولوجية واغتيال العقل: الحلول الهروبية في ا ...
- سجع المخصي واليقين المعدوم -قصة ميتاسريالية


المزيد.....




- مندوب إيران لدى الأمم المتحدة: واشنطن تهدد باستمرار بالهجوم ...
- حزمة مساعدات قطرية للبنان: استثمارات في الكهرباء ودعم للجيش ...
- العفو الدولية تدين إعادة سيف الدين مخلوف إلى تونس وتطالب الج ...
- منظمة أممية: المتوسط يبتلع مئات المهاجرين خلال أسابيع
- أخبار اليوم: مخاوف أممية من فقدان مئات المهاجرين في المتوسط ...
- لجنة تحقيق توثق شهادات ضحايا الاعتقال في عدن وتُعاين الوضع ب ...
- قطر وتركيا ترسلان سفينة مساعدات تحمل أكثر من 2400 طن لإغاثة ...
- بدعم من وكالة الإمارات للمساعدات الدولية .. 115 أسبوعاً من ا ...
- حكم بالإعدام على مسؤول شارك في قمع احتجاجات بنغلاديش
- 84 شهيدًا وقرابة 11 ألف أسير.. مركز حقوقي تابع للاحتلال: سجو ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - غالب المسعودي - المفارقة التطورية للكائن البشري: جدلية الصدق والخداع