أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - غالب المسعودي - الانسداد التاريخي والمخارج المغلقة: قراءة فلسفية بين الدورات الخلدونية وسيولة الحداثة















المزيد.....

الانسداد التاريخي والمخارج المغلقة: قراءة فلسفية بين الدورات الخلدونية وسيولة الحداثة


غالب المسعودي
(Galb Masudi)


الحوار المتمدن-العدد: 8611 - 2026 / 2 / 7 - 11:32
المحور: المجتمع المدني
    


يشهد الأفق العالمي الراهن حالة فريدة من التعقيد البنيوي، حيث تتجلى مفارقة وجودية يمكن اختزالها في أن المداخل كافةً باتت مشرعة أمام التدفقات المعلوماتية والتقنية والسلعية، في حين تبدو المخارج جميعها موصدة أمام أي بديل جذري قادر على تجاوز الأزمات الهيكلية للنظام القائم. هذا الوضع لا يمثل مجرد أزمة سياسية أو اقتصادية عابرة، بل هو تعبير عن "انسداد حضاري" شامل يضع الإنسانية أمام تساؤل مصيري:
هل نحن بصدد مخاض لمرحلة تاريخية غير مسبوقة، أم أننا نعيش الفصول الأخيرة من حضارة استنفدت طاقتها الحيوية؟ يتطلب فهم هذه اللحظة العودة إلى الجذور الفلسفية التي حللت حركة التاريخ وبنية المجتمعات، بدءاً من قوانين العمران الخلدونية، وصولاً إلى طروحات الحداثة السائلة وما بعد الحداثة، لاستنطاق آليات التحول التي أدت إلى هذا الانسداد المعاصر.

المنظور الخلدوني:
يعتبر ابن خلدون، من خلال عمله الرائد "المقدمة"، أول من أرسى دعائم "علم العمران البشري"، مقدماً رؤية عضوية للحضارة بوصفها كائناً حياً يخضع لناموس الولادة، والنمو، ثم الهرم والموت. تكتسب هذه الرؤية أهمية قصوى في تشخيص الانسداد الحالي، لأنها تربط بين القوة المعنوية (العصبية) وبين المآل المادي للحضارة (الترف).

الفلسفة الحديثة:
من حتمية التقدم إلى انسداد الغاية على عكس الدائرية الخلدونية، قدمت الحداثة الغربية رؤية خطية متصاعدة للتاريخ، قائمة على الإيمان بالتقدم اللانهائي والقدرة الكلية للعقل. هذه الرؤية جعلت "المداخل" مفتوحة على الدوام نحو المستقبل، معتبرة أن كل أزمة هي مجرد مرحلة عابرة نحو كمال أسمى.

هيغل وجدلية الروح: التاريخ كمسيرة للحرية
يعد هيغل الذروة الفلسفية لهذا التفاؤل الحداثي، حيث يرى التاريخ كعملية عقلانية تهدف إلى تحقيق وعي الروح بذاتها من خلال الحرية. في الفلسفة الهيغلية، لا يمكن للواقع أن "يتجمد" أو "ينسد"، لأن حركة "السلب" الجدلية تدفع بالروح دوماً لتجاوز تناقضاتها في تركيبات أرقى. ومع ذلك، فإن نقد هيغل المعاصر يركز على أن هذا النظام "المغلق" الذي يدعي استيعاب كل شيء قد أدى إلى تحويل التاريخ إلى عملية حتمية تفتقر إلى الفاعلية الإنسانية الحقيقية، مما يمهد لما وصفه البعض بـ "نهاية التاريخ".

مشروع التنوير وتصاعد "مناخ اليأس"
انطلق مشروع التنوير، عند إيمانويل كانط وغيره، من مبدأ "الخروج من حالة القصور" واستخدام العقل لتحسين الحياة البشرية. ولفترة طويلة، نجحت هذه المداخل المفتوحة في تحقيق قفزات علمية وتقنية هائلة. إلا أن القرن العشرين شهد تحولاً جذرياً؛ حيث حلت خيبة الأمل محل التفاؤل مع اندلاع الحروب العالمية، وتصاعد أزمات التدهور البيئي، واستبداد التقنية. يرى نقاد الحداثة أن العقل الذي كان أداة للتحرر تحول إلى "عقل أداتي" يخدم السيطرة، مما أغلق المخارج الأخلاقية والروحية أمام الإنسان المعاصر، وهو ما يتجلى في الأزمة المرجعية التي تعاني منها الحضارة الراهنة.

تشخيص باومان للانسداد المعاصر
يقدم زيجمونت باومان أحد أعمق التوصيفات للحالة الراهنة من خلال مفهوم "الحداثة السائلة". يرى باومان أننا انتقلنا من مرحلة الحداثة "الصلبة" التي كانت تسعى لبناء مؤسسات مستقرة وتخطيط طويل الأمد، إلى مرحلة "سائلة" تتسم بالتغير الدائم وغياب اليقين.

مدينة الصياد الفاضلة وتلاشي الوجهة في الحداثة السائلة
يتم وصف العالم كـ "يوتوبيا الصياد “، حيث لا توجد غاية نهائية أو "مخرج" نصل إليه لنستقر، بل إن المطاردة المستمرة للفرص، والسلع، والهويات هي الغاية في حد ذاتها. هنا تكون "المداخل مفتوحة" بشكل مفرط؛ فالفرد حر في اختيار هويته، وعمله، وعلاقاته، ولكن هذه الحرية تأتي بتكلفة باهظة من "عدم اليقين" والهشاشة. المخارج مغلقة لأن النظام السائل يمنع أي استقرار؛ فكل إنجاز هو مجرد محطة عابرة في رحلة لا تنتهي، مما يولد شعوراً بالدوران في حلقة مفرغة أو "المطحنة" التي تستهلك الإنسان دون أن توصله إلى بر الأمان.

انفصال القوة عن السياسة
يشير باومان إلى أن أخطر معالم الانسداد العالمي يكمن في انفصال "القوة" عن "السياسة". فالقوة (القدرة على الفعل) أصبحت عالمية، عابرة للحدود، وسائلة (تتمثل في الأسواق والتدفقات التقنية)، بينما ظلت السياسة (القدرة على اتخاذ القرار) محلية ومقيدة بحدود الدولة القومية. هذا الانفصال أدى إلى حالة من "العجز الديمقراطي"؛ فالناس يملكون "مداخل" للمشاركة السياسية، لكنهم يجدون "المخارج مغلقة" لأن القرارات الكبرى التي تؤثر على حياتهم يتم اتخاذها في فضاءات عابرة للحدود خارجة عن السيطرة السياسية المحلية.

النسبية المعرفية وضياع المعيار المشترك
أدى سقوط السرديات الكبرى إلى حالة من "التفتت" المعرفي؛ حيث أصبح لكل مجموعة "سرديتها الصغرى" الخاصة. ومع أن هذا يبدو تحررياً، إلا أنه أدى إلى انسداد الحوار الكوني؛ فغياب "معيار مشترك" للحقيقة جعل الصراعات بين الهويات صراعات "غير قابلة للحل"، مما يغلق المخارج أمام أي مشروع إنساني جماعي لمواجهة التحديات الكبرى مثل التغير المناخي أو الأزمات الاقتصادية العالمية.

"نهاية الإنسان" والأفق البيولوجي المسدود
لا يقتصر الانسداد التاريخي على الجوانب الاجتماعية والسياسية، بل يمتد ليشمل تعريف "الإنسان" نفسه. يحذر فرانسيس فوكوياما في كتابه "نهاية الإنسان" من أن الثورة في التكنولوجيا الحيوية قد تؤدي إلى كسر "الطبيعة البشرية" التي كانت الأساس لكل القيم السياسية والأخلاقية.
يتحدث فوكوياما عن "الإنسان الأخير" الذي يعيش في حالة من الرفاهية المادية لكنه يفتقد للدافع التاريخي أو "الثيموس" (النزوع إلى الاعتراف). الانسداد هنا يتمثل في أن البشرية قد تكون وصلت إلى نمط عيش لا يمكن تجاوزه، ومع ذلك فهو نمط يفتقر إلى المعنى الجوهري. التطور التقني يفتح "مداخل" بيولوجية قد تؤدي إلى "مخرج مغلق" يتمثل في انقراض الذات الإنسانية الحرة لصالح كائنات مصممة وراثياً، مما ينهي "التاريخ" كما عرفناه.

العصبية الرقمية والمدن العالمية
تطرح بعض الدراسات المعاصرة إمكانية نشوء "عصبية جديدة" قائمة على "الترابط الشبكي" بدلاً من القرابة أو الأيديولوجيا. في هذا السيناريو، تصبح "المدن الذكية" والشبكات العالمية هي مراكز العمران الجديد التي تتجاوز انسداد الدولة القومية. ومع ذلك، فإن هذا المخرج يظل محفوفاً بالمخاطر؛ فإذا لم يقترن هذا الترابط التقني بمرجعية أخلاقية وقيم إنسانية، فإنه قد يكون مجرد "إغلاق للمخارج" بشكل أكثر إحكاماً تحت سيطرة "الذكاء الاصطناعي" و"البيانات الضخمة."

الخلاصة التركيبية
إن حالة "كل المداخل مفتوحة وكل المخارج مغلقة" التي يعيشها العالم اليوم تمثل لحظة "الشيخوخة الحضارية" الكونية. نحن نعيش في حضارة بلغت ذروة "الترف" الخلدوني متمثلاً في الاستهلاك الفائق والسيطرة التقنية، ولكنها فقدت "عصبيتها" المعنوية والسياسية التي تمنحها القدرة على التجديد. إن الانفتاح المفرط للمداخل هو في الواقع أداة لإخفاء انغلاق المخارج.
سواء كان هذا الانسداد هو بداية "تاريخ جديد" أو الفصل الأخير من "حضارة الهرم"، فإن الحقيقة البارزة هي أن الأدوات الفلسفية والسياسية القديمة لم تعد كافية لفتح المخارج. إن الحاجة ماسة إلى "عصبية إنسانية كوكبية" تعيد ربط السياسة بالقوة، والتقنية بالأخلاق، والذات بالمعنى. إن "المخارج" لا تفتح من تلقاء نفسها، بل يتم "شقها" من خلال فعل إبداعي يتجاوز سيولة الحداثة وجمود التراث، ليعيد بناء "عمران بشري" يكون فيه الإنسان سيداً لمصيره.


المراجع:
ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. (تحقيق ودراسة الأزمات الحضارية).
المسيري، عبد الوهاب. العالمية والمركزية الغربية.
جاسم محمد، نادية. (د.ت). تدهور الحضارة عند ابن خلدون. جامعة الموصل. مسترجع من: uomosul.edu.iq
فريق التحرير. (2022). أزمة الحضارة والإنسان في فكر ابن خلدون. شبكة تنوير. مسترجع من: tanwair.com
محمد، إبراهيم. (2021). قيام الحضارات وسقوطها: ابن خلدون نموذجاً. شبكة الألوكة. مسترجع من: alukah.net
Bauman, Z. (two thousand). Liquid Modernity. Cambridge: Polity Press.
Fukuyama, F. (2002). Our Posthuman Future: Consequences of the Biotechnology Revolution. Farrar, Straus, and Giroux.
Güler, A. (2019). Ibn Khaldun s Cyclical Theory on the Rise and Fall of Sovereign Powers. DergiPark. Retrieved from: dergipark.org.tr
Smith, J. (2018). Cyclical and Linear Progress in Social Theories. AgEcon Search. Retrieved from: ageconsearch.umn.edu



#غالب_المسعودي (هاشتاغ)       Galb__Masudi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العشاء الأخير للعدالة في جزيرة إبستاين قصة ميتا سريالية
- الهروب من سياج المعنى: انهيار ميتا سريالي
- الحضارة والاستحواذ: مقاربة فلسفية تطورية في مآلات التحضر الم ...
- اليرقة الكونية خلف حدقة العين حفل عشاء في جمجمة -مينوتور- نص ...
- الأنظمة الرخوة واستلاب المواطن: تعاضد الرأسمالية العالمية وت ...
- المفارقة التطورية للكائن البشري: جدلية الصدق والخداع
- الإدارة الفلسفية: جاذبية -الكائن الخارق- والتحولات في الاستع ...
- جنازةُ اليقين في جرعةِ الشوكران (قصة ميتاسريالية)
- الميتافيزيقا السياسية لرأس المال: التشريح الماركسي للتعاضد ا ...
- اقتصاديات الإذلال وسيكولوجية الاستبداد: تفكيك العقد الاجتماع ...
- إنجيلُ الصوف: محاولة لرتق العدم -قصة ميتاسريالية
- جدليات الوعي، الإدراك، الفهم، والحدس: مقدمة في تشريح المعضلا ...
- رقصة الضباع على جثة الاحتمالات- قصة ميتاسريالية
- المعضلة الداروينية للتدين والتحول نحو النموذج البيولوجي-الثق ...
- توبة الذئب البلاستيكية: بروتوكول العشاء الأخير -قصة ميتاسريا ...
- مجاعة الزجاج في غابة الزئبق قصة ميتاسريالية
- تفكيك البراديغمات الكلاسيكية: مقاربة نقدية لتحولات الفلسفة ا ...
- أوركسترا الغبار في مقهى المصير - قصة ميتاسريالية
- الدورة البيولوجية ومقاومة التردي: جدلية البقاء البيولوجي وال ...
- المثقف العربي في العراء: هل انتصر -نظام التفاهة-؟


المزيد.....




- السعودية.. الداخلية تعلن إعدام شخص -تعزيرا- في مكة وتكشف عن ...
- اليمنيون يتظاهرون ضد الغطرسة الأمريكية في غزة ودعما لإيران و ...
- مجاعة تضرب دارفور وكردفان، والأمم المتحدة تحذر من اتساع الكا ...
- اليونيسف: المجاعة تأكدت في الفاشر وكادوقلي وقُتل أكثر من 20 ...
- الأمم المتحدة تبدأ تركيب وحدات إسكان إغاثية ضمن برنامج -أحيا ...
- واشنطن تدين هجوما على قافلة برنامج الأغذية العالمي بالسودان ...
- عقوبات إدارة ترمب تغزو حصون الأمم المتحدة وموظفيها
- جولة ميرتس الخليجية.. شراكات تتوسع وأسئلة حقوق الإنسان لا تغ ...
- أسفر عن مقتل سفيرها و3 مواطنين.. أمريكا تعلن اعتقال المتهم ا ...
- الأمم المتحدة تحذّر بريطانيا وفرنسا: اتفاق اللجوء بين البلدي ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - غالب المسعودي - الانسداد التاريخي والمخارج المغلقة: قراءة فلسفية بين الدورات الخلدونية وسيولة الحداثة