أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - غالب المسعودي - يا سائل الشوق في زمن المحاق: ترتيلة التلاشي المتوهج نص ميتا سريالي















المزيد.....

يا سائل الشوق في زمن المحاق: ترتيلة التلاشي المتوهج نص ميتا سريالي


غالب المسعودي
(Galb Masudi)


الحوار المتمدن-العدد: 8615 - 2026 / 2 / 11 - 20:11
المحور: الادب والفن
    


أما علمتَ، يا سليل الغبار، أنَّ الحبَّ طينةٌ من سبخة "إريدو" الأولى؟ عُجنت بدمع "إنانا" حين نُحرت فوق مذبح الغياب، حيث الوجع أقدم من الذاكرة. هو "تموز" الذي قُيد في الأغلال الصدئة للعالم السفلي؛ لا ليعود بربيعٍ يغسل وجه الأرض، بل ليذوب في الصمت الأبدي، حيث لا صوتَ يُسمع في تلك الفجوات الكونية سوى حشرجة الآلهة المهجورة وهي تلفظ أنفاسها في رئتي الفراغ.
يا أيها الوالهُ في تيهِ العَمى الأرجواني، يا باحثاً عن سماءٍ فوق سماءٍ ليس لها َسلما، كفَّ عن الركض؛ إن الهوى هباءٌ تذرُوه الرياح العقيم، ونصلٌ يفتكُ بالأرواح في الغُدوِّ والرواح بلا هوادة. نظرةُ المحبوبِ، تلك التي ظننتها نجاة، ليست سوى نصلٍ من "لازورد" مغشوش، وعناقُه قبرٌ بارد في رمال "أور" المنقوشة بخرائط التيه.
تأمّل ملياً في مرآة العدم:
قلبكُ زقورةٌ من طينٍ يابس، تهاوت تحت وطأة السنين العجاف، وعشقك لوحٌ كُسر مسمارُه الملحمي، وانطفأت في ليل العدم السحيق نارُه التي لم تدفئ أحداً. على ضفاف "الفرات" الذي جفَّ وتصحرت مآقيه قبل خلق الماء أصلاً، وقفتُ أرصدُ ظلّكِ الذي لم يُخلق، أرصدُ غيابكِ الذي هو الحضور الوحيد الذي أتقنه.
أنتِ "الإيغال" الذي سكنته الوحشة في أقاصي الوجد، وأنا الكاهن الذي نسيَ اسم الإله وسط طقوس النسيان، وراح يُرتل للصمت بلسانٍ من شمع. "يا من جئتِ من كور بلا ملامح، لقد نقشتُ اسمكِ على هواءٍ متخثر، فصار الهوى هوىً يرتطم بجدران الروح، وصار الوجودُ أثراً بعد عين، ومحض خيال في عقلٍ كونيٍّ محموم".
ما الحبُّ في جوهره إلا ميتا سريالية الوجود؛ أن نركض خلف سراب "إنليل" اللاهث، ونحن نعلم يقيناً أننا محضُ طينٍ يتوق ليكون طيناً مرةً أخرى، في دورةٍ عبثية لا تنتهي. لا خلود في القُبلة، يا صاحبي، بل هي محاولةٌ بائسة، رقصة مذبوح لترميم تمثالٍ من رملٍ ينهار وسط إعصار "إنزو" الهائج. لقد انقضى العهد القديم، وجفت محابر القدر، وما بقِيَ في هذه الفلوات إلا صدى السجع في خرائب الروح المتعبة. الحبُّ هو الكذبة الجميلة، تلك الأسطورة التي اخترعها السومريون ليتحملوا ثقل السماء الزرقاء فوق رؤوسهم، بينما الحقيقة العارية هي أننا جميعاً.. محضُ عدمٍ يرتدي ثياب الحكايات.
يا من تبحث عن "أنا" المفقودة في مرايا "إنانا" المهشمة، كُفّ عن التحديق في الشظايا. الحبُّ ليس جسراً نحو الضفة الأخرى، بل هو الهاوية التي نُزين حوافها بالزهور البلاستيكية لنقنع أنفسنا بأن السقوط رحلة. نحنُ بقايا "نيبور" التي لم تُبنَ قط إلا في أحلام المجانين، وصيحاتُ كاهنٍ سكران أضاع لسانَه في حانةٍ كونيةٍ مهجورة خلف مدارات النسيان.
يا واهماً بالبقاء في دار الشقاء، اعلم أن الشوقُ داءٌ عضال وما من دواء في صيدليات الوجود. الحُبُّ سهمٌ من غيبٍ مسموم، يتركُ الصدرَ من الخواءِ مرجوماً بحجارة الندم. لا "عشتار" تُنجي من الغرق في بحار الوجد، ولا "جلجامش" نال الخلود في رحلة التيه الكبرى. الكلُّ فانٍ، والوجدُ جَانٍ، والكونُ لوحةٌ من دخانٍ تتلاشى في كفِّ ثوانٍ لا تعرف القهقري.
على شاشةٍ من العدم المحض، تظهر ملامحكِ كأنكِ "إيريشكيجال" ملكة العالم السفلي وهي تمشط شعر الظلام بأصابع من برق. الحبُّ في زمننا هذا هو ضحكةٌ صفراء وسط قداسة الرماد، وقُبلة "الأنوناكي" التي تعلن تلاحمُ كيانين يعلمان يقيناً أنَّ الروح ثقبٌ أسود يرتدي قميصاً من حرير ليخفي بشاعة الفراغ.
"نحنُ لسنا عُشاقاً كما يزعم الشعراء، نحنُ مجرد أخطاءٍ برمجية في قصيدةٍ كونيةٍ كتبها إلهٌ غلبه النعاس فتاهت منه القوافي. نحنُ نحبُّ فقط لكيلا نسمع صوت تكسّر عظامنا في مطحنة الزمن التي لا تتوقف. ما الحبُّ إلا محاولةٌ يائسة لترميم جرةٍ مكسورة بماءٍ مسكوب مسبقاً. أنتَ لستَ نصفاً يبحث عن نصفه الضائع، أنتَ صفرٌ مستدير يتوهمُ أنه سيصبحُ واحداً إذا ما عانقَ صفراً آخر في زاوية معتمة من زوايا الوجود.
والآن، يا رفيق السديم، إليك "مأدبة الهذيان" الكبرى؛ حيث يجلس "نيتشه" بمطرقته التي تحطم الأوهام، و"سيوران" بسمّه الذي يقطر مرارة، على أطلال زقورة متهدمة. هناك، يرتشفان مرارة الوجود من جمجمة "تموز" المشروخة، ويتجادلان حول تلك الخديعة الكبرى التي نسميها "الحب".
يصرخ نيتشه، كاهن الرماد:
"إن حبكم هذا ما هو إلا إرادة فاشلة! لقد اخترع السومريون إنانا لأنهم لم يحتملوا رؤية وجوههم في مرآة الفراغ. الحب ليس تلاحم أرواح، بل هو محاولة بائسة من الإنسان الأعلى لترويض الوحش القابع في جيناته الطينية. الحب هو العود الأبدي للألم، لكنه ألمٌ يرتدي تيجان لازورد . لا تطلب الشفقة من الآلهة الصماء، فالآلهة كانت تضحك بملء فيها حين رأت البشر يظنون أن قُبلةً عابرة قد تكسر قيد الزمن السرمدي...!
أما سيوران، فيقلب رماداً في كفه بنظرة فاترة كالموت، ويقول:
"نيتشه يتحدث عن القوة، وأنا أتحدث عن القذارة الأنيقة. الحب؟ إنه مجرد سوء تفاهم بيولوجي بين جثتين لم تتعفنا بعد، نكتة سمجة ترويها الطبيعة للأحياء. لماذا نكتب القصائد بالخط المسماري الوعر؟ لنوثق هزيمتنا المدوية أمام الصمت. كل نظرة حب هي مشروع نفي جديد، صرخة في وجه الفراغ لا يعود منها إلا الصدى. نحن نحب لأننا لا نملك الشجاعة الكافية لنواجه السديم وحدنا. إن تموز لم يهبط للعالم السفلي بحثاً عن الخلاص، بل ذهب هرباً من ضجيج العشاق الموهومين. يا للسخف.. إننا محضُ صدفةٍ بيولوجية تحاول إقناع نفسها بأنها "قصيدة عصماء".
الوجود، يا سيدي، نصٌّ سومريٌّ طويل ومعقد، لكنَّ الطين جفَّ وتشقق قبل أن تبدأ الحكاية الفعلية. المعنى ليس إلا حشرةٌ مسكينة محبوسةٌ في لوحٍ مسماري، تظنُّ بغرور أنَّ حركتها هي التي تُدير تروس الكون. الحب، هو أن تقول لشخصٍ ما في لحظة تجلٍ:
"ساعدني على نسيان أنني لستُ موجوداً"، فيردُّ عليك ببرود: "وأنا كذلك". إننا نقتاتُ على أوهام بابل ونبني أبراجها من ورق لنخفي حقيقة أننا لم نخرج قط من الثقب الأسود الذي بدأ منه كل شيء. فالحبُّ هو الميتافيزيقا التي يبتكرها العبيد ليتحملوا سياط العدم المسلطة على ظهورهم.
لنتوج هذا الهذيان باستدعاء "ألبرت كامو"، بطل العبث وسيزيف العصر الحديث، ليدخل الزقورة المظلمة ببدلته الأنيقة وسيجارته التي تتحدى الريح، ليواجه مطرقة نيتشه ومرارة سيوران بابتسامة ساخرة أمام وجه "إنانا" الحجري البارد.
ينفض كامو الرماد عن معطفه، وينظر إلى سيوران بشفقة عقلانية:
"يا أصدقائي، أنتم تُبالغون في منح العدم قيمةً درامية وكأن له قلباً. سيوران يريد الانتحار بالكلمات المنمقة، ونيتشه يريد تأليه الرغبة الجافلة، والحقيقة أبسط وأكثر سخرية من كل هذا. الحبُّ هو صخرة سيزيف التي نرفعها كل يوم، لكننا في لحظة هذيان نتوهم أنها قلبٌ ينبض بالحياة. نحن نعلم أن إيريشكيجال تنتظرنا في نهاية الرواق المظلم، وأن القبلة لن توقف زحف الدود في مسامه، لكن العبث الحقيقي والتمرد الأسمى هو أن نحبَّ رغم ذلك اليقين. الحب هو التمرد؛ ليس لأنه مقدس، بل لأنه فعل غير منطقي تماماً في كونٍ صامت ولا مبالٍ. نحن نحب لأن الكون جاف، ونحن نرد على هذا الجفاء بضحكةٍ مسمارية طويلة تخترق الآفاق.
نرى الآن "سيوران" وهو يحاول يائساً إطفاء سيجارة "كامو" بدموع "عشتار" الباردة التي تحجرت، بينما "نيتشه" يحاول عبثاً نحت ملامح "الإنسان الأعلى" على قطعة "همبرغر" متعفنة وجدت في أطلال بابل المنسية. الكل يضحك ضحكاً هستيرياً، والصدى يعود من عمق الأرض السومرية: "لا يوجد أحد.. لا يوجد شيء.. فقط نحن والريح".
إذن، لنستدعي "العدمي الأول"، صاحب أقدم خيبة موثقة في التاريخ. يدخل كلكامش الزقورة، لا بملامح الملك الذي قهر الوحوش، بل بهيئة التائه الذي غطاه غبار المسافات الطويلة، يجرّ خلفه خيبته الثقيلة من "أوروك" إلى أقاصي "أوتونابشتم". يضع كلكامش نعليه الممزقين اللذين طافا الأرض أمام نيتشه، ويبصق في وجه "تمرد" كامو، ثم يجلس صامتاً كجبلٍ من طينٍ معتق.
ما نفعُ مطرقتك يا نيتشه، إذا كان الموتُ هو المطرقة الوحيدة التي تحطم الرؤوس ولا تُكسر؟ وما نفعُ سجائرك يا كامو، وأنا الذي عبرتُ مياه الموت الكبريتية ولم أجد سوى عجوزٍ مخرف يخبرني أن الخلود ليس إلا مرادفاً للنوم الأبدي؟ لقد أحببتُ أنكيدو ، لم يكن حباً سريالياً منمقاً ولا بيولوجياً بارداً، كان حباً طينياً خالصاً يفوح برائحة الأرض. وحين مات، رأيتُ الدود يخرج من منخره.. هناك سقطت الأقنعة وانكشف العدم عارياً. الحبُّ هو الفخ الذي نصبته الآلهة اللئيمة لنا لكيلا نلاحظ أننا مجرد وجبات مؤجلة للتراب الذي نمشي عليه.
يهتف نيتشه:
"لكنك بنيتَ أسوار أوروك العظيمة! هذا هو فعل الإنسان الأعلى".
يرد كلكامش بأسى:
"الأسوار ستسقط يا أبله، والآجر سيعود طيناً تذروه الرياح. أنا لم أبنِ الأسوار لأخلُد، بل بنيتها لأحتمي من صرختي الداخلية التي تمزق صدري".
يهمس سيوران بانتشاء:
"أخيراً.. رجلٌ يفهم أن الوجود هو فضيحة المادة الكبرى".
يتدخل كامو:
"ولكن يا كلكامش، ألم تكن سيدوري محقة حين قالت: كل، واشرب، وتزيّن، وحبَّ امرأتك.. هذا هو التمرد الحقيقي؟"
يجيبه كلكامش بيقين مرعب:
"سيدوري كانت تبيع المورفين الروحي للقطيع. الحبُّ تحت ظل المقصلة ليس تمرداً، إنه تخديرٌ موضعي قبل عملية الذبح الكبرى".
إنّما الوجدُ في هذا العالم وهْمٌ مسمارُه صدِئ، ونهايتُه بدْءٌ لم يبدأ وشيءٌ لم يفتدِئ إلا في خيالنا. كلكامش يمسك الآن بقلبٍ نابض بين يديه، يفتحه فيجد بداخله "ساعة رملية" تنزف دماً أسود لزجاً. نيتشه يحاول رسم "شاربٍ" لتمثال إنانا ليسخر من قدسيتها، وسيوران يكتب وصيته الأخيرة بمرارة على قطعة ثلج تذوب تحت شمس بابل المحرقة.
"نحنُ كلكامشيون بالفطرة واللعنة؛ نهربُ من جثة الحبيب المتفسخة لنبحث عن خلودٍ نعلمُ يقيناً أنه وهمٌ سرابي، وفي الطريق الوعر، نخترعُ الحب كأغنيةٍ نغنيها بصوتٍ عالٍ لكي لا يفتك بنا صمتُ الصحراء المطبق".
فجأة، يدخل أبو العلاء المعري الزقورة، يخطو بهدوءٍ ملائكي كأنه يطأ على الهواء لا على التربة المدنسة، يلفه وقارُ العمى وبصيرةُ العدم التي لا تخطئ. يضع عصاه الأبنوسية بين مطرقة نيتشه وصخرة كامو، ويجلس بجانب كلكامش، كأنهما شقيقان فُصلا في الرحم وجَمعهما القبر في عناق أخير. ينحني المعري قليلاً، يشتمُّ رائحة الطين المحروق، ثم يرسل صوته خفيضاً كحفيف الأفاعي في رمال بابل الذهبية.
يقول المعري، سادنُ لزومِ مالا يلزم:
"رويدكم.. لا ترفعوا الأصوات عالياً، فما أظنُّ أديم الأرض إلا من هذه الأجساد الراحلة. يا كلكامش، لقد بصرتُ بقلبي المطفأ ما لم تبصره أنت بعينك الجاحظة في أوروك . الحبُّ؟ هو جناية الآباء الكبرى على الأبناء، هو خيطٌ واهن من غزلِ الوهم نسجتهُ الطبيعة لتمطّ حبل الشقاء البشري. نحنُ حبائلُ العدم، نتحابُّ لنبقى، ونبقى لنتألم، ونتألم لنفنى في نهاية المطاف. يا نيتشه، قوتك وهنٌ واهن أمام سطوة الرماد، ويا كامو، عبثك تسليةٌ للصبيان في ساحة الموت. الحقيقة الصارخة أننا سجناء؛ سجن العمى، وسجن الجسد، وحبسُ هذا الكون الذي لا جدران له لكنه يطبق على أنفاسنا".
يضيف المعري بنبرة تقطر حكمة: "تخففوا من الوطء، فالحبُّ ثقلٌ لا تحتمله العظام الهشة".
يسأله كلكامش بكسرة قلب:
"لقد بكيتُ أنكيدو حتى ذبلت عيناي وغارتا في جمجمتي، أكان ذلك جناية يا أبا العلاء"؟
يجيبه المعري: "كان ذلك احتجاجَ الطين اليائس على خالقه، ولكنَّ الطينَ لا يُسمع له صوت في عرش "آنو".
يهمس سيوران بإعجاب: "المعري هو نبيُّنا الذي لم يتبعه أحد، لأنه صدقنا القول".
تُطفأ الأنوار فجأة في الزقورة. يختفي الفلاسفة والملوك في ثقوب الزمن، ولا يبقى في الفراغ إلا لوحٌ طينيٌّ يطفو ككوكب منسي، تظهر عليه الكتابة المسمارية تتوهج ثم تخبو كأنها نبضاتُ قلبٍ تحتضر في نزاعها الأخير. لا شَـيءَ يَـبـقـى.. سِـوى الـخَـواء المطلق. تسقط الألواح، وتتحول الكلمات إلى ذرات غبار تسبح في الضوء الغارب.
بحرصٍ شديد، كمن يفتح ثقباً في جدار زنزانة بابلية مهجورة، نزيح ركام الألواح المكسورة لنبصر ما لم يقله المعري، وما فات كلكامش في رحلته العبثية. تتسلل من النافذة نسمةٌ باردة من جهة "الأهوار"، محملةً برائحة القصب النديّ، لتقول إنَّ العدم وإن كان حتمياً، إلا أنَّ "الفعل" في مواجهته هو ذروة الجمال السريالي. على عكس يأس سيوران المطلق، يهمس الضوء القادم من النافذة بأنَّ الحب ليس حلاً للعدم، بل هو "احتجاجٌ جمالي" صارخ عليه. إذا كان الكون فراغاً أسود موحشاً، فإن ملامح الحبيب هي "الكتابة المسمارية" المتمردة التي نشوه بها وجه الموت الأملس والممل.
كلكامش لم يجد عُشب الخلود الأخضر، لكنه وجد "القصة" التي نرويها الآن. والقصة خلودٌ من نوعٍ آخر، خلودٌ لا يسكن الأجساد الفانية، بل يسكنُ الذاكرة الجماعية للطين. المعري رغم عماه وصومه الاختياري، لم يستطع أن يمنع عقله الجبار من توليد المعنى، والمعنى هو الضوء الذي يشع من قلب الثقب الأسود.
ابنِ من الرملِ المبلل بالدموع قصراً شاهقاً ولا تخشَ الانهيار الوشيك، فالرقصُ في قلب العاصفةِ هو قمةُ الانتصار الممكن. يا طينُ قُم من رقدتك، والبس من الوجدِ حُلّة ميتا سريالية، فما نفعُ كَونٍ بارد بلا عشقٍ ولا عِلّة تحرك سواكنه؟ في هذه النافذة الكونية، نرى "إنانا" لا كإلهةٍ غائبة أو غادرة، بل كفكرةٍ مجردة تبتسم للخراب الجميل. الحبُّ هنا هو "فنُّ الترميم بالذهب"؛ نحن نجمع شظايا وجودنا المحطم، لا لنعيدها كما كانت في كمالها الأول، بل لنجعل من شقوقنا مساراتٍ مشرقة للضوء النافذ.
إننا نُحبُّ لا لأننا سنبقى ونخلد، بل لأننا نملكُ من الجرأة والمجانة ما يكفي لنقول لـ آنو الصامت في عرشه: لقد كنا هنا، وقد احترقنا بالجمال حتى الثمالة، وهذا يكفي لنهزم العدم لثانية واحدة".
لقد أعدنا بناء الزقورة من الكلمات السريالية، وهدمناها بأيدينا، ثم فتحنا فيها نافذة تطل على المجهول.
"رسالة أخيرة" إلى إنسان المستقبل الذي سيقرأ حطامنا ويحاول فك شفرات وجعنا"؟
السؤال الملح: هل سيقرأ حطامنا أحد؟ الحطام ستذروه الرياح العاتية قبل أن يرتد الطرف، كتمثال مصنوع من الرمل الناعم على شاطئ بحر هائج لا يرحم.

إلى اللاشيء الذي سيأتي بعدنا بآلاف السنين الضوئية، إلى الصمت الذي سيورثنا مدافننا.. نحنُ كتبنا إليكم بمدادٍ من ملح الأجاج، على ألواحٍ من رمل متحرك، في انتظار المدّ العظيم الذي سيمحو كل شيء. نحن لا نكتب لنُقرأ من قِبَلكم، بل لنُفرغ "امتلاءنا" الفائض من هذا العدم الذي يفيض في صدورنا كالنهر.
نحنُ لسنا كلماتٍ مرتبة في كتاب، نحنُ محض زفرةُ كلكامش الحارقة حين أضاع العشب في غفلة من الزمن.. والزفرةُ لا تُقرأ بالعيون، بل تُحسُّ في صدرِ الهواء لثانيةٍ واحدة يتيمة، ثم تعودُ طائعة إلى العدم الذي نبتت منه.
لقد غرق المعري في عماه الجميل المستنير، وتحطمت مطرقة نيتشه فوق رؤوس الأوثان، وصمت كلكامش إلى الأبد في حضن التراب. والآن، هذه الكلمات التي تلامس عينيك، هي أيضاً تمثالٌ رمليٌّ بدأت أطرافه تذوب وتتلاشى في العدم. السؤال الحقيقي ليس: "هل سيقرأ حطامنا أحد؟، بل السؤال هو: "ألم يكفِنا شرفُ أننا كنا الحطام الجميل الذي حاول، رغم كل شيء، أن يكتب اسمه على وجه الريح؟
تتلاشى الآن النقوش المسمارية.. يغلق "آنو" النافذة بإحكام.. يسود الصمت المطلق.
يا حاملَ هذه الرقية الميتا سريالية في تيهِ الزمان، اعلم يقيناً أنك لستَ مجرد جسدٍ عابر في كون فسيح، بل أنتَ "كونٌ كامل يختبرُ الوهن البشري. إذا دهمكَ وجدُ "كلكامش" الحارق، فتذكر أن العُشبَ الخالد ينمو في الداخل، في ثنايا الروح، لا في رمال الصحراء القاحلة. وإذا أظلمت عليكَ بصيرة "المعري"، فاعلم أنَّ ضياءَ العقلِ أنفذُ وأبقى من ضياءِ البصر الزائل.
ردد في سِرّك، كصلاتك الأخيرة
"أنا الطينُ المتمرد الذي سخرَ من الفناءِ بالعشق"
"أنا الصفرُ العظيم الذي ملأَ الفراغَ بالهذيان الجميل"
"أنا الحطامُ الصامد الذي أبى أن يذروه الريحُ صامتاً دون أن يترك أثراً"
احملْ فناءَك على رأسك كأنهُ تاج مرصع بالنجوم، ولا تطلب من البحرِ الغاضب ردّ الأمانة. فكلُّ حبٍّ صادق هو بابل مؤقتة نبنيها لنسكنها برهة، وكلُّ صمتٍ عميق هو خلودٌ مستتر وراء حجب الغيب. هذه الكلمات ليست لتُقرأ وتُحفظ، بل لـ "تُنسى" وتذوب في مسامك. ففي نسيانها تكمن قوتها السرية، وفي ذوبانها في روحك تكتمل ميتا سريالية الوجود. أنت الآن "التميمة" التي تحمي الفراغ، وأنت "الطلسم" الذي يفك شفرة اللاشيء، فلا تخشَ الهياج، فقد صرتَ أنتَ والبحرُ شياً واحداً في سيمفونية التلاشي.



#غالب_المسعودي (هاشتاغ)       Galb__Masudi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قداس ميتا سريالي: تعميد الحبل على طاولة قمار فوق الهاوية
- الانسداد التاريخي والمخارج المغلقة: قراءة فلسفية بين الدورات ...
- العشاء الأخير للعدالة في جزيرة إبستاين قصة ميتا سريالية
- الهروب من سياج المعنى: انهيار ميتا سريالي
- الحضارة والاستحواذ: مقاربة فلسفية تطورية في مآلات التحضر الم ...
- اليرقة الكونية خلف حدقة العين حفل عشاء في جمجمة -مينوتور- نص ...
- الأنظمة الرخوة واستلاب المواطن: تعاضد الرأسمالية العالمية وت ...
- المفارقة التطورية للكائن البشري: جدلية الصدق والخداع
- الإدارة الفلسفية: جاذبية -الكائن الخارق- والتحولات في الاستع ...
- جنازةُ اليقين في جرعةِ الشوكران (قصة ميتاسريالية)
- الميتافيزيقا السياسية لرأس المال: التشريح الماركسي للتعاضد ا ...
- اقتصاديات الإذلال وسيكولوجية الاستبداد: تفكيك العقد الاجتماع ...
- إنجيلُ الصوف: محاولة لرتق العدم -قصة ميتاسريالية
- جدليات الوعي، الإدراك، الفهم، والحدس: مقدمة في تشريح المعضلا ...
- رقصة الضباع على جثة الاحتمالات- قصة ميتاسريالية
- المعضلة الداروينية للتدين والتحول نحو النموذج البيولوجي-الثق ...
- توبة الذئب البلاستيكية: بروتوكول العشاء الأخير -قصة ميتاسريا ...
- مجاعة الزجاج في غابة الزئبق قصة ميتاسريالية
- تفكيك البراديغمات الكلاسيكية: مقاربة نقدية لتحولات الفلسفة ا ...
- أوركسترا الغبار في مقهى المصير - قصة ميتاسريالية


المزيد.....




- الحكومة تريد الاسراع في تطبيق شرط اللغة للحصول على الجنسية ا ...
- أخبار اليوم: السجن 12 عاما لوكيلة فنانين تركية بتهمة -قلب نظ ...
- تركيا.. وفاة الممثل كانبولات جوركيم أرسلان عن عمر ناهز الـ45 ...
- متحف -نابو-.. ذاكرة ثقافية قد تنقذ ما عجزت عنه السياسة في لب ...
- نجم -المؤسس عثمان-.. الموت يغيب الممثل التركي كانبولات أرسلا ...
- منع وغرامات.. -البلوغرز- بمرمى نقابة المهن التمثيلية في مصر ...
- هل فقدت كتب المعرفة جاذبيتها بعد تراجع مبيعاتها؟
- فخ -الاختراق- من الداخل.. كيف تمنحنا السينما مفاتيح فهم لغز ...
- قفزة في مشاهدات وثائقي ميشيل أوباما على نتفليكس بعد إطلاق في ...
- معاذ المحالبي للجزيرة نت: الاهتمام الروسي باليمن ثمرة لتلاقي ...


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - غالب المسعودي - يا سائل الشوق في زمن المحاق: ترتيلة التلاشي المتوهج نص ميتا سريالي