أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مشتاق الربيعي - فوضى التعبير














المزيد.....

فوضى التعبير


مشتاق الربيعي
Mushtaq alrubaie


الحوار المتمدن-العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 22:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تُعد حرية التعبير من أبرز المكاسب الدستورية التي نصّ عليها الدستور العراقي، بوصفها ضمانة أساسية لحماية الرأي والرأي الآخر، وأداة فاعلة لمراقبة الأداء السياسي والإداري، وكشف مواطن الخلل والفساد. غير أن هذه الحرية، شأنها شأن باقي الحقوق، ليست مطلقة ولا منفلتة، بل تقف عند حدود احترام القانون وصون كرامة الأفراد والحفاظ على السلم المجتمعي.
فحرية التعبير لا تعني إطلاق الاتهامات جزافًا، ولا تبرر استخدام لغة الشتيمة أو التشهير أو الإساءة الشخصية، سواء عبر البرامج التلفزيونية أو المنصات الرقمية. ومع الأسف الشديد، تحوّل الخطاب في بعض البرامج السياسية والاجتماعية إلى ساحات للتراشق اللفظي وتصفية الحسابات، بعيدًا عن المهنية الإعلامية وروح المسؤولية الوطنية، ما أسهم في تعميق الانقسام المجتمعي وتشويه الوعي العام.
ولا خلاف على أن النقد الموضوعي والهادف يُعد ركيزة أساسية لأي نظام ديمقراطي، بل هو حق مشروع وواجب وطني عندما يكون الهدف منه تصحيح المسار، ومحاسبة المقصرين، وخدمة المصلحة العامة. أما حين يُستبدل النقد بالتسقيط، والحوار بالتجريح، فإننا نكون أمام فوضى خطابية لا علاقة لها بحرية التعبير، بل تمثل إساءة لها وتفريغًا لمضمونها الحقيقي.
والمقلق أكثر أن هذا الأسلوب لم يقتصر على بعض المنابر الإعلامية، بل امتد إلى صفحات عدد من الناشطين المدنيين والمدونين والكتّاب، حيث تُستخدم منصات التواصل الاجتماعي أحيانًا كأدوات للتحريض وبث الكراهية، بدل أن تكون مساحات للتنوير وتبادل الآراء بشكل حضاري. فالديمقراطية لا تُقاس بعلو الصوت، ولا بعدد المتابعين، بل بمدى الالتزام بأخلاقيات الحوار واحترام التنوع الفكري والسياسي.
وكلما كانت طريقة تبادل الآراء مهذبة، قائمة على الاحترام المتبادل والاستماع الواعي للرأي الآخر، كلما ارتقى مستوى الحوار وسمت نتائجه، وتحول الاختلاف من حالة صدامية إلى مساحة غنية لتلاقح الأفكار. فالحوار المهذب لا يُلغي الخلاف، بل يُديره بعقلانية، ويمنح كل طرف حقه في التعبير دون انتقاص أو إساءة. كما أن اللغة الراقية في النقاش تعكس وعي المتحاورين ونضجهم الفكري، وتسهم في بناء جسور الثقة داخل المجتمع بدل تعميق الانقسامات وزرع الكراهية.
إن الاختلاف في وجهات النظر ظاهرة طبيعية وصحية، بل ومطلوبة لتقدم المجتمعات، لكن إدارة هذا الاختلاف تتطلب وعيًا ومسؤولية. فالكلمة أمانة، والإعلام رسالة، ومن يسيء في خطابه إنما يكشف عن ضعفه الحُجَجي قبل أن يسيء إلى الآخرين. وكما يُقال: الحديث مرآة المتكلم، فمن اختار الإساءة سقط أخلاقيًا قبل أن يُسقط غيره.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى ترسيخ ثقافة الحوار الرصين، والالتزام بالمعايير المهنية والقيم الأخلاقية عند استخدام وسائل الإعلام المختلفة ومنصات التواصل الاجتماعي، كالفيسبوك وتويتر وغيرها. فحرية التعبير مسؤولية وطنية قبل أن تكون حقًا شخصيًا، وبدون هذا الوعي تتحول الحرية إلى فوضى، والديمقراطية إلى شعارات فارغة.
إن بناء دولة المؤسسات والقانون لا يتحقق إلا بخطاب مسؤول، يحترم الإنسان، ويصون الحقيقة، ويُعلي مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. فبالكلمة الواعية تُبنى الأوطان، وبالخطاب المنفلت تُهدم القيم، وبين الحرية والفوضى شعرة لا يحفظها إلا الوعي والأخلاق.



#مشتاق_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفن ليس جريمة
- وجوه الحب وخلود العشق
- لا للتحرش
- الخلود بالأخلاق
- لغة الصمت لغة العظماء
- وجع الشعب
- التحرش جريمة مرفوضة
- فوضى الرأي
- الذكورية ارث لم ينته بعد
- أمة تكتفي بالكلام وغزة تباد
- حقا.. جرائم الشرف بلا شرف
- الارتقاء بالذات
- أدبك مرآة تربيتك
- الغناء غذاء للروح
- مستقبل الهوية العراقية
- صوت التغيير
- ما تتركه الكلمات
- حكم الحياة
- الاكتفاء بالذات
- استهتار الصهاينة


المزيد.....




- ترامب عن المرشحة الديمقراطية إيمي أكتون: -هدف مشروع للانتقاد ...
- -ناشيونال جيوغرافيك-: 25 وجهة حول العالم تستحق الزيارة في 20 ...
- تحليل.. لماذا يصر الرئيس الأوكراني على أن الأمر ليس شخصياً م ...
- بعد إصابة 5 أشخاص في هجوم.. نتنياهو يصدر توجيهات أمنية بشأن ...
- -يهوه بن يهوه- بين -ملائكة الموت- و-الشياطين البيض-!
- تركيا.. مصرع عاملين وإصابة 5 آخرين إثر انفجار هز منجم فحم في ...
- الجزائر.. تفكيك شبكة احتيال إلكتروني وغسل أموال استهدفت البا ...
- لأول مرة.. مختبر أمريكي يستخدم فيروسا مصمما بالذكاء الاصطناع ...
- كل 12 دقيقة يموت مدني.. فيدان يضع العالم أمام مرآة النزاعات ...
- الصين .. تطوير حارس شخصي آلي على هيئة إنسان (فيديو)


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مشتاق الربيعي - فوضى التعبير