أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل الرائي - حجرٌ يتعلّم الضوء














المزيد.....

حجرٌ يتعلّم الضوء


ميشيل الرائي

الحوار المتمدن-العدد: 8609 - 2026 / 2 / 5 - 09:14
المحور: الادب والفن
    


الكتابة إلى سيدي عبد الحق طوع وحبيبتي اميمة ملاك

أكتب إليكما، ولكن الكتابة نفسها ليست ملكًا لي؛ فهي كائن هجين، تهرب، تتجاوزني، وتتسلل بين فراغات الكلام، بين الظلال التي خلّفها صمتي، بين ما لم يُصرَّح به وما لم يُقال. الكتابة هنا ليست مجرد وسيلة تواصل، بل فضاءً معرفيًا، أداةً لاستكشاف الفراغات بين الشيء وما يُفهم منه، بين الفعل وما يظل غير مقصود. الاعتذار، إذن، ليس فعلًا أخلاقيًا اعتياديًا، بل تجربة معرفية: محاولة لإعادة الأشياء إلى أماكن ربما لم توجد أصلًا، لم تُسمَّ بعد، ولم تُفتح أبوابها على مصراعيها، ومحاولة لفهم الهشاشة البنيوية للعلاقات وللمعنى ذاته.
لقد أسأت، نعم، لكن الإساءة هنا ليست فعلًا مباشرًا، بل هي تسرّب في الأطر المخفية، في المسكوت عنه، في الإطراء الذي يختبئ وراءه معنى مضمر، في الكلام الطيب الذي يحمل صدى الشر. بهذا المعنى، يصبح الاعتذار كشفًا للغموض، وتعريةً لطبقات المعنى التي تتراكم بين السطور، بيننا، وبين الآخرين. هو إدراك للظلال المعرفية التي تشكّل كل تواصل بشري، واعتراف بأن كل فعل لغوي يحمل إمكانات غير مرئية لا تقل تأثيرًا عن الفعل المعلن.
أرسل إليكما هذا الاعتذار ليس كتصحيح، بل كاعتراف بالجنون المعرفي الذي يرافق كل فعل وكل كلمة، وباللعبة المستمرة بين الحضور والغياب، بين القول والمضمر، بين الإيمان والشك، بين ما يُقال وما يُقصد. الاعتذار هنا ليس أداة لإصلاح ما فات، بل تجربة فلسفية تجعل الفراغ مرئيًا، وتجعل الكلمات—حتى وإن حاولنا إسقاطها أو تجاهلها—ثابتة في وزنها الدلالي، متشابكة مع ظروف إنتاجها وإدراكها.
خذوا هذا الاعتذار، أو اتركوه. فهو ليس ملكًا لي وحدي، ولا لكما وحدكما، بل لنا جميعًا، نحن الذين نحاول أن نفهم، وأن نكتب، وأن نفسر، وأن نختبئ بين السطور، في جنون الكلمات وفي ظلال المعنى. إنه بيان عن طبيعة اللغة نفسها، وعن حدود المعرفة الإنسانية، وعن تلك المساحات الغامضة التي تصنع عالمنا المشترك، عالمًا تتقاطع فيه الوعي، والصمت، والفعل في حقل من الاحتمالات المفتوحة.
الكتابة إلى امرأة لا أفضّل كتابتها، ولا أفضّل نسيانها.
في الحب، أتدحرج حجرًا في منحدر الجحيم، ومع ذلك أشعّ. لدي موعد مع الكاهنات، في فراش الإله القديم. كلماتي ريح، تحرّك الحياة، والحمم تغطي كل ما تلمسه لتعيده إلى حجر الإله مرة أخرى… لكن، هل أعاده فعلًا؟
في المأساة، علينا أن نعرف كيف نؤدي أدوارنا، حتى لو تم إسكات صوتنا، لأن الجوقة العميقة تستأنف دائمًا العبارة المتقطعة، طالما أن المغني فعل ما في وسعه. لا يهم إن تخليت عني كفرضية في الطريق.
أنا لسان إله لم يأتِ بعد، ساحر الغبار، الشمس طائر القبرة، الريح قبعة. وُلدت في نهاية الطريق فصرخت، والغبار صرخ معي: «يا إلهي، ما أجمل الرحيل الذي يحملني إلى وجهي».
أكتب إلى امرأة لا أفضّل نسيانها. شخص ما ينسج الماء بأنماط الأشجار، لكن النسّاج غير مرئي، ولا حتى يديه اللتين أرغب في لمسها. في القمح المشوّه، في خريطة أرض أخرى، في اليد التي تمسك يدًا مفقودة للبدء في إنبات قمح الأمور الدنيوية.
دخلت سائقة العربة الماء كالحجر، حرّكت أغنية، وملابسها طفولة الخطوات الأولى المترددة. الرياح تحرّك اتساع مدينة في الخارج، لكنك بعيدة، في فخاخ وبؤس عقلك الممزوج بالجنون. ما الذي يمكن أن ندركه سوى ما يفلت منا؟
يلتقي الدخان بالدخان فوق النقطة التي يتفرع عندها فرع النهر. الحمار يختفي في صور لم تعد مفهومة، وهناك كان ينتظرك.
على حافة اللاشيء، يرمي الماضي نفسه كدمية قديمة. الجنون كلمة، أو اسم مستعار، أو ملابس جديدة مكدسة فوق بعضها بعضًا، فكرة مأخوذة عشوائيًا أو من عنوان كتاب لم يُدوَّن قط.
حدائق غاضبة حرثت بمخالبها الشجرة والجدار، حيث ينضج الظل الذي لا يمكن إتمامه، وحيث تنضج أسماء السر الذي لن يتوقف عن النضوج. المجهولون الذين لم يُسمَّوا، وربما لم أكن شاعرًا قط، ضعف الكائنات العاجزة عن الدفاع عن نفسها. قصيدتي تناديك من مكان بعيد جدًا.
لا أريد أن أبكي، بل أريد أن ألمس قلبك الخائف الذي يظهر فيك. عيون سعيدة… اسمك يحتفي باليوم بأكمله وبالصمت. الزهور تحب العزلة والجنون. ابتسامتك المفقودة، بالطبع، ستكون الشمس مشرقة في وجه الكئيب.
النهر ببياضه الخافت، ويده المشتعلة فوق وردة ملح فارغة، ثلج أعمى، وعيناه في الثلج. ثم تصبحين ماءً، يُخاط ويُخاط مرة أخرى.
الأرض بحاجة إلى الأشجار.
أشعر بالخوف الروحي من الغيوم.
رأس حصان المنزل سيتحوّل قريبًا إلى حمامة.
يترك طفل الليل على الشاطئ المميت كتابةً ضد الحب، من هذه المرأة الباكية النائمة، وجسدها في داخلها يتكشف في خفّة الكلمات القديمة. أخفت سيف الدموع في داخلها، عمى المغني وتمثاله، وبديل التمثال الذي سيأتي لإضاءة أجسادنا المرئية تحت وطأة الأمطار المتساقطة.
أجسادنا غير مرئية.
إنها العين الأبدية لهذا القلب، لهذا اللهب.



بيروت



#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بيان ضد النسوية
- مرتجلة الدار البيضاء
- الدار البيضاء ll
- الدار البيضاء
- المادة غير المتشكّلة
- موقفي السياسي والرياضي من الشعر
- الكتابة إلى امرأة لا أفضّل نسيانها
- هذا الجسد الحيّ الذي أنا عليه ينضم إلى هروبكِ
- انصرفوا عن اليوم الذي بالكاد انتهى
- ما يتبقّى من الوضوح حين يبدأ الموت
- حاشية على (الإنسان الصفر) llll
- إلى سَمِير العِيَادِي
- إيما، القصيدة التي لا أفضل إكمالها ولا قراءتها II
- إيما: القصيدة التي لا أفضل إكمالها ولا قراءتها
- البحث عن اللاقصيدة (اسمٌ في الغبار: بونفوا)
- البحث عن اللاقصيدة
- «توسلتُ إلى رفاقي: لكي يطلقوا النار علي!»
- كل ليلة تهرب من ثقلها
- تأملات في المسرح: الفعل والمعنى كتدفق معرفي
- خلل التقسيم المنطقي في تصنيف الواقعية ملاحظة منهجية في البحث ...


المزيد.....




- الأعياد: نافذة الروح على ضوء الذاكرة
- في مديح السؤال: حين تتوارى الحقيقة خلف ضجيج الإجابات
- أتيتُ ببرهانٍ عقليٍّ قطعيٍّ على وجود الروح!
- ألف حكاية شعبية من الفيوم.. سر الذاكرة المصرية المنسية
- الحرب كـ -لعبة فيديو-.. كيف يسوق البيت الأبيض الصراع مع إيرا ...
- التشيع العربي والفارسي تاريخياً
- من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام ...
- معركة الكرامة: حكاية آخر مواجهة اتحد فيها المقاتلون الفلسطين ...
- الروبوت أولاف.. كأنّه قفز من شاشة فيلم لشدة واقعيّته
- يورغن هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي صمت حين كان الكلام أوجب


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل الرائي - حجرٌ يتعلّم الضوء