عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 18:47
المحور:
الادب والفن
أغنية للموتي
أيها المبتعدون، الراحلون بلا إياب
هانحن بالألم العقيم المرير والحزن العميق نودعكم
أنتم الذين لن تعودوا إلينا أبدًا بعد الآن
وستكفُّون إلي الأبد عن مشاركة الكون خفاقة
لن تتنسموا عطرًا ولن تسمعوا أصواتًا
ترحلون ، تصيرون رمادًا لترجعواإلي أمكم الأرض
وتمتزجوا بالتراب والماء
ماذا بوسعي ان أضيف ؟ الكلمات لا معني لها
ربما كان الموت وحده للأسف ما يوحدنا معًا في عدالته
ولو أن حظوظنا ونهايتنا سوف تتشابه بعد الموت
لكن ما يميز كلا منا عن الآخر هو التذكارات التي نحملها
والأحاديث التي لا تقدر بثمن
التي تمكث في القلوب وتفعمها بالأشواق
ولكن ياتري ماهو هذا الذي
يبعث بعد الرماد بهيًا متلألئصا بالضياء
يملأ الأيام بالعطر الدائم
يصير أغنيةً وسيرة وذكري؟
حتي الشموس في السموات الزرقاء
تنطفيء إلي الأبد
هي الأخري تغدو رمادًا
وكذلك الربيع والأوراق الخضراء
والفسائل التي لم تورق بعد والورود المشتعلة
كلها تصير رمادًا
حتي الزهور ذات الأسماء الحزينة
أما الذي لا يصير رمادًا فهي الذكري
هل جُبلت الذكري من النور؟
هل تولد من النور؟ أم من النار التي لا تنطفيء؟
تولد الذكري من الأفعال
الذكري ضباب يصعد من المياه التي تغلي
بينما يبقي هو حيًا
صدي أيامكم الماضية وصورتها
هي الذكري أيها الراحلون
إنها كثيرًا ماتنبت علي حافة الطريق المتربة
حيث عبرتم
ترتفع في منتصف نهاركم الحار ثم تهبط كالندي
ولكن علي ورود اخري كنعمةً سامية
إنها تنبعث منكم، من أفئدتكم
ومن أفكاركم الدائبة
منبعثة من دمكم بل حتي من أنفاسكم الأخيرة
إن الذكري لا تخضكم
تمامًا مثل سطوري الجريئة التي لا تخصني آه
رغم أنها تسيل من قلمي الىن
إنها مثل أشعة الشمس
وانعكاسات أضواء النجوم الميتة
فرغم أن ضوءها يصل إلينا
إلا أنها ماتت منذ زمن قديم
وإذا كان النسيان قدر الموتي
فالمجدد دائمًا أبدًا
لهؤلاء الذين خلفوا في الحياة وهج الذكريات
قصيدة ذات وقع بطيء جنائزي. قصيدة من شاعر لا يؤمن بالحياة الاخري ،ويعلم أن الموت يعني الفناء التام لكل إنسان. وفي القصيدة نزعة تحبذ الاستسلام لفكرة الموت وتملأ القلب بالحزن الثقيل الذي يشل النفس. ولكن بينما ينزع الشاعر عاطفيًا إلي الحزن والاستسلام، فإن عقله ينتزعه من ذلك ويقنعه أن الإنسان يجب أن يعمل ليؤكد وجوده وهو حي. ومفهوم العمل أو الفعل لدي الشاعر هو ذلك الشيء الذي يخرجه الإنسان بجهده من ذاته ،ولكن ليس من أجل ذاته. أي أننا نعمل من أجل الآىخرينن ذلك لأن عمر الفعل أطول كثيرًا من عمر الفاعل وهو الإنسان وهكذا، فإن تأثير الفعل ياتي في الأغلب بعد موت الفاعل. وقد يكون الفعل نتاج عمل شاق ومعذب بالنسبة للفاعل، ولكنه بالنسبة للآخرين نعمة تجلب السعادة. عرق هو يتحول إلي ندي، كما يقدمها تشارنتس في صورته الشعرية. وهي صورة مأخوذة من الطبيعة الأرضية. أما في نهاية قصيدته، يقدم الشاعر صورة من الطبيعة الكونية، حيث ضوء النجوم التي ماتت من زمن قديم تسير في الفضاء أبديًا ودون ان تفني. مثلها فعل الإنسان، أبدٍا لا يضيع.
قصيدة تنبذ الأنانية. فنحن نعمل ونبدع من أجل الآخرين ،وليس من أجل نفسنا. نعمل من أجل تاكيد وجودنا، ولكن النتيجة ليست موجهة إلينا بل للآخرين. تمامًا مثل كتابة الشاعر لقصيدته، فسوف يقراه الآخرون.
............................
الليلة العجيبة
لكان الكون في تلك الليلة التي لا لون لها
أشبه بطبيب حاذق
يحبس أنفاسه لكي يصغي إلي دقات قلبه
في تلك الليلة المنطوية علي نفسها
أثمة مغزي لأن نعد دقات
قلب الكون الذي لا يتوقف
لف عامً
آه، المهم إنه منذ قرون
منذ زمن قد يكون كافيًا
لكي نعد هذه اللحظة التي تتباطأ
وتعبر لتصير ماضيًا
في ليلة كهذه تمامًا
استيقظ ليوناردو دافنشي فجأةً
من نوم عميق بلا أحلام
استيقظ مندهشًا للحظة مثلما أنا الآن
ليري مرة أخري معجزة الحياة العجيبة
و في صمت نظر إلي الحائط المواجه له
أو إلي الحامل الثلاثي القوائم
الأليف والقريب من قلبه
ركز نظرته الإلهية إلي نصف المرأة المقدسة
إلي وجه يسوع ذي الملامح الأنثوية
إلي وجه الفتي المكتسي بالاحزان والأحلام اللانهائية
نظر صامتًا مليًا، متشككًا للحظة في تلك المعجزة
في إمكانية وجود ذلك السر الصامت
يُتاق إليه ولكن لا يمكن احتضانه
ثم قام بتؤدة للحظة وأوقد المشعل
وأيقظ الفتي النائم في الركم المعتم
من الناحية الأخري من الحامل
هذا الفتي- ربيبه الحبيب بلترافيو
أتي به وقربه من الحامل
ثم طفق ينظر إلي هذا الوجه الناعم نصف المستدير
وجه العذراء والشاب في آن واحد
هذا الوجه المكلل بالجمال الإلهي
نظر صامتًا مليًا إلي اللوحة حينًا
إلي وجه يسوع ذي الملامح الأنثوية
ثم حينًا آخر ارتد طرفه
إلي وجه الفتي البيضاوي الرقيق
كان هذا الوجه هو الأصل الذي يتنفس
الحياة اللامتناهية للوجه الذي باللوحة
لقد أمسك بيده المرتعشة
هذه الذراع النحيلة النسائية المرمرية
لربيبه الحبيب، امسكها طويلًا
بوجد وشوق وهيام عنيف
راغبًا في أن يضم إلي نفسه نهائيًا
وإلي الأبد حفقان الكون
لقد نظر متاملًا نافذًا إلي أعماق روحه
بينما كان كان ضبابٌ صافٍ ورديٌ
يُوشِّح وجهه وكان يهبط بنظره إلي أسفل خجلًا
وبشوق الفتي والفتاة قد نظر هكذا تمامًا
مثلما نظر من الحائط المواجه
حيث يسوع بالوجه شبه الأنثوي
وجسدُ الفتي يلفه حُزن الجمال اللامتناهي
ذلك يسوع الحزين
الذي خلَّدته عبقرية الحب والفرشاة
ذلك من أجل اللوحة الجدارية
"العشاء الأخير" لليوناردو دافنشي
الذي ظل يبحث عنه ويحلم به أعوامًا طويله
وأخيرًا علي لوحة صغيرة ترك لنا ذكري
اليسوع الأنثوي- تلميذ ليونارد دافينشي
جيوفاني بلترافيو ذي الستة عشر ربيعًا
قصيدة عجيبة يتشابه فيها الماضي مع الحاضر، وتتجادل فيها الحياة التي هي المثال الحي والفن الذي يصور ذلك المثال معطيًا إياه الخلود، ويتحد فيها العنصران المتضادان، الأنثوي والذكري
لتعطي نموذج الجمال الأسمي.
أما الماضي ،فهو ليس ماضيًا مطلقًا يمتد إلي الحاضر، بل هو ماض محدود في الزمن. والحاضر أيضًا ليس غامضًا مبهمًا ممتدًا، بل يستشعره الشاعر في أضيق حدوده. الحاضر هو اللحظة الحالية. ولكنها لحظة تستجلب وتتضمن اللحظة الماضية.اللحظة هي الليلة، ليلة لا تجذب انتباه الشاعر إليها، بل تمكن الشاعر أن يتجرد من مكانه وزمانه بل حتي من ذاتيته، ويتقمص شخصية فنان آخر في زمان ومكان آخرين. وهذا التقمص ممكن لأن الحقيقة ( والتي يرغب الشاعر في اكتشافها) لا تنتمي إلي زمن معين، بل إلي أي زمن.
وهكذا يتوحد الماضي والحاضر.
وفي هذه اللحظة لحظة استيقاظ ليلي. لحظة الاستيقاظ من نوم عميق كالموت، فتبدو الحياة والوجود كمعجزة مستحيلة. والفنان هو ذلك الشخص الذي يري الحياة كمعجزة مستحيلة، هذه طبعًا فرضية من الشاعر. فمن أين تأتي؟ تاتي مع إنسان يعرف أن موته وشيك، فيتعاظم إحساسه بالحياة. يأتي من شخص لا يصدق أنه مازال حيًا عندما يفتح عينيه من نوم كالموت. والذي يراه الشاعر في الواقع عندما يفتح عينيه هي تلك اللوحة، وفي تلك الليلة العجيبة عندما يصفو ذهنه، ينظم قصيدته.
هو الفنان الرسام في تلك اللحظة الماضية التي يستحضرها الشاعر ،قد أتم منذ زمن رسمه لنموذجه، كما أتم تخليده للمثال الحي. ولكن الأمر ليس منتهيًا. فلا يزال الأصل بسحره لا يزال الأصل يتصارع مع الصورة في وجدان الفنان. فالفنان أبدًا لن يقتنع أنه استطاع أن يخلد الأصل بخفقانه؛ أي بالحياة التي تنبض فيه. فالفن لا يخلص الفنان من سطوة النموذج الذي كان يبحث عنه. وهكذا يتنازع الأصل الحي والصورة الخالدة. والنموذج في نفس الوقت ليس جامدًا، بل إنه يتفاعل مع الفنان، وهذا التفاعل بين النموذج والفنان هو الخفقان التي يسعي الفنان إلي أسره في إبداعه الفني لإعطائه الخلود. والنموذج يجمع بين صفات المراة والشاب. أي أن الشاعر يري أن تحديد جنس النموذج الذي يجعله غير قادر علي تمثيل الجمال الكامل. وهناك إيحاء قوي في القصيدة بأن الفن العظيم تولده علاقة شعور متبادل يبعث الصورة الخالدة. فالخلود هنا نتيجة حب الفنان لنموذجه ومقدرته أيضًا علي الإنجاز الفني.الشاعر يستحضر الرسام القديم العظيم في تلك الليلة. فهل هناك تشابه بين الاثنين؟ أم أن الشاعر ينقصه شيءٌ أساسي؟ نعم ، إن الشاعر ينقصه ذلك النموذج الذي بدونه لن يبدع عملًا خالدًا. وكان الرسام قد وجده بعد سنوات من البحث.. فهل يجد الشاعر نموذجه؟ لم يسأل هو هذا السؤال.فهذا سؤال يتبع القصيدة ولا يظهر فيها. وهل يستتبع ذلك أيضًا أنه أدرك خطأه في إقرار مذهب أيديلوجي كنموذج له. أي فكرة مجردة، وليس علاقة إنسانية؟
ولقد قبض علي الشاعر ، وقتل في ظروف لا نعرف عنها شيئٍا، بل ولا نعرف في أي مكان ووري التراب، في نفس العام 1937 . وهذه القصيدة واحدة من مئات القصائد التي نظمها في السنوات الاخيرة في حياته، دون أن يكون له أمل في نشرها، أي دون أن يكون مكبلًا بفكرة رد فعلها عند نشرها. ثم بدا النشر في الخمسينات وكان يستانف عندما كانت الظروف تسمح بنشر المزيد الممكن في ذلك الوقت. فإن كان الشاعر قد وضع أمامه علي الجدار اللوحة الصغيرة للرسام الخالد، فنحن أيضًا أمامنا هذه القصيدة للشاعر الخالد.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟