أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - محمد غفير - اغتيال إرنستو تشي جيفارا: حين قُتل الجسد وبدأت الأسطورة














المزيد.....

اغتيال إرنستو تشي جيفارا: حين قُتل الجسد وبدأت الأسطورة


محمد غفير
كاتب و مدون

(Mohamed Gafir)


الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 10:58
المحور: سيرة ذاتية
    


اللحظة التي انكسرت فيها الحياة وابتدأ المعنى
في التاسع من أكتوبر عام 1967، في قرية بوليفية منسية تُدعى لاهيغويرا، أُطفئت حياة إرنستو “تشي” جيفارا بطلقةٍ لم تكن موجهة إلى صدر رجلٍ فحسب، بل إلى فكرةٍ أرعبت أنظمةً بأكملها. كان الإعدام نهايةً بيولوجية لإنسانٍ مُنهك، وبدايةً رمزية لكائنٍ آخر لا يموت: الأسطورة. منذ تلك اللحظة، خرج جيفارا من حدود الجغرافيا والسياسة، ليصير صورةً للتمرد الإنساني الخالص، ورمزًا لفكرة العناد في وجه الظلم، مهما بدا الثمن باهظًا.

من الثورة إلى المنفى: بحثٌ عن معنى أوسع للواجب
بعد أن كان أحد أعمدة الثورة الكوبية، وشغل مواقع السلطة إلى جوار فيدل كاسترو، اختار جيفارا أن يغادر مقاعد الحكم طوعًا. لم يكن خروجه عام 1965 هروبًا، بل كان استمرارًا منطقيًا لإيمانه بأن الثورة ليست وطنًا يُسكن، بل رسالة تُحمل رأى أن البقاء في السلطة يُطفئ جذوة المثال، وأن واجبه الأخلاقي يحتم عليه الذهاب حيث القهر أكثر كثافة. هكذا بدأ ترحاله الأخير، من الكونغو إلى بوليفيا، متخفيًا باسمٍ مستعار، وجسدٍ مريض، وإيمانٍ لا يعرف المساومة.

بوليفيا: الجغرافيا التي خانت الفكرة
بدت بوليفيا، على الورق، مسرحًا مناسبًا للثورة: نظام عسكري مدعوم أمريكيًا، فقر مدقع، وموقع يسمح بتمدد إقليمي. غير أن الواقع كان أكثر قسوة من الخرائط. الفلاحون لم يروا في الثوار خلاصًا، بل خطرًا غريبًا، والحزب الشيوعي المحلي تراجع وتخلّى، والجبال التي عوّل عليها جيفارا كحليفٍ طبيعي تحولت إلى فخٍ بارد. بين الربو الذي ينهش صدره، والجوع الذي يفتك برجاله، بدأت الثورة تتآكل من الداخل، قبل أن تُهزم خارجيًا.

المطاردة: حين تحالفت الدولة مع الاستخبارات
ما إن انكشف وجود المجموعة حتى تحرك الجيش البوليفي، مدعومًا مباشرة بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية. لم تكن مطاردة رجلٍ، بل عملية صيدٍ رمزي لفكرة يُراد لها أن تُكسر علنًا. درّبت الوحدات الخاصة، ورُسمت الخرائط، وتولت الاستخبارات توجيه الضربات، إلى أن أُحكم الطوق في وادٍ ضيق اسمه كيبرادا ديل يورو.

الأسر والهدوء الأخير
في الثامن من أكتوبر، أُصيب جيفارا، وتعطل سلاحه، وسقط أسيرًا. نُقل إلى مدرسةٍ مهجورة في لاهيغويرا، حيث قضى ليلته الأخيرة. لم يكن مكسورًا ولا متوسلًا. تحدث بهدوء، كمن تجاوز فكرة الموت. حين سُئل عن الخلود، لم يرَه في الجسد ولا في الاسم، بل في الثورة ذاتها. كان يدرك، بوضوحٍ نادر، أن نهايته الشخصية قد تكون بداية انتصاره الرمزي.

الإعدام: قرار سياسي بزيّ عسكري
صدر القرار سريعًا: لا محاكمة، ولا منصة، ولا فرصة لتحويل القاعة إلى مسرحٍ عالمي. دخل الجندي ماريو تيران، المرتجف، إلى الغرفة. وقف جيفارا، وقال كلمته التي لخّصت فلسفته كلها: أنت تقتل رجلًا فقط. الرصاص الذي استهدف أطرافه أولًا لم يكن خدعة طبية، بل محاولة بائسة لتزوير التاريخ. مات الجسد، وبقي السؤال.

الجثة التي فضحت الرواية الرسمية
عُرض جسده في مغسلة مستشفى فاليغراندي، كأن السلطة أرادت أن تقول: ها هو قد انتهى. لكن الصور فعلت العكس. بدا جيفارا فيها كشهيدٍ خارج الزمن، مزيجًا من القداسة والتمرد. بُترت يداه كدليل، ودُفن سرًا، لكن الصورة خرجت إلى العالم، وأفسدت كل رواية رسمية.

من الفشل العسكري إلى الانتصار الرمزي
فشلت تجربة بوليفيا عسكريًا، لكنها نجحت فلسفيًا. تحولت صورة جيفارا إلى رمزٍ عالمي للرفض، لا لبرنامجٍ سياسي محدد. صار مثالًا للمثقف الذي دفع ثمن أفكاره بجسده، لا بخطاباته. وفي مفارقةٍ جارحة، تحولت صورته إلى سلعة في السوق الرأسمالية التي حاربها، وكأن النظام ابتلع الرمز ليُفرغه من خطره.

الأثر البعيد: ما الذي بقي؟
ألهم موته حركاتٍ ثورية، وفتح جدلًا لا ينتهي حول العنف، والمثال، وحدود الأخلاق في السياسة. رآه البعض قديسًا علمانيًا، ورآه آخرون دوجمائيًا دمويًا. لكن المؤكد أن تجربته البوليفية صارت درسًا كلاسيكيًا في فشل الثورة بلا حاضنة اجتماعية، ونجاح الفكرة حين تُدفع إلى أقصاها الأخلاقي.

الخاتمة: خلودٌ خارج النصر والهزيمة
لم يكن اغتيال تشي جيفارا انتصارًا للنظام، بل اعترافًا بخوفه. لقد قتلوا الرجل المتعب، لكنهم عجزوا عن قتل السؤال الذي تركه خلفه: ماذا يعني أن يعيش الإنسان منسجمًا مع فكرته حتى النهاية؟ بين قبره في سانتا كلارا، وصورته على جدران المدن البعيدة، يظل جيفارا حاضرًا لا كقائدٍ منتصر، بل كشاهدٍ دائم على أن رفض الظلم قد يُهزم عسكريًا، لكنه نادرًا ما يموت معنويًا.



---

المراجع والمصادر :

1. أندرسون، جون لي. تشي جيفارا: حياة ثورية. نيويورك: جروف برس، 1997.


2. جيفارا، إرنستو تشي. يوميات بوليفيا. هافانا: دار النشر الكوبية، 1968.


3. كاستانيدا، جورج ج. الحياة والموت: تشي جيفارا. نيويورك: Vintage Books، 1998.


4. رودريغيز، فيليكس، وجون وينسلون. ظل تشي: داخل حملة جيفارا البوليفية. نيويورك: PublicAffairs، 1999.


5. هاريس، ريتشارد. موت ثوري: نهاية تشي جيفارا. لندن: وايدنفيلد ونيكلسون، 1970.


6. أرشيف وثائق وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) المتعلقة بتشي جيفارا وبوليفيا.


7. غاديا، كارلوس. تشي جيفارا: صناعة أسطورة. برلين: سوركامب فيرلاغ، 2007.



#محمد_غفير (هاشتاغ)       Mohamed_Gafir#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسالة الغفران _ ابو العلاء المعري
- اخر عشاء في اورشاليم
- اليسار ما بعد فنزويلا 2026…
- السلفيين خارج اطار التاريخ والجغرفيا
- نقد كتاب «معالم في الطريق» – سيد قطب
- رواية خان الخليلي لنجيب محفوظ
- انحراف الفهم الديني في ظل التوظيف السلطوي والاجتماعي
- حتي يصبح الدين رسالة حب وعدل لا منظومة هيمنة وسلطة
- الحجاج بن يوسف الثقفي: سيف الدولة وخصم الحرية — عبقرية القوة ...
- لغز اغتيال اسامة بن لادن
- تجديد الخطاب الديني بين المؤسسة والأفراد: معركة الوعي والتنو ...
- أبو حامد الغزالي: من الشك إلى اليقين...
- القضية الفلسطينية... من رمزٍ للنضال إلى سلعةٍ في أسواق السيا ...
- أفكار صنعت سيوفًا : من ابن تيميه الي سيد قطب
- غزة بعد عامين من الجحيم: مخاوف إسرائيلية من كشف الدمار الشام ...
- قراءة التاريخ الإسلامي بين القداسة والعقلانية: نحو وعيٍ جديد ...
- مستقبل نتنياهو بعد صفقة ترامب: هل يبقى اليمين المتطرف في قلب ...
- -صفقة ترامب تشعل إسرائيل: انقسام حاد وتهديدات بإسقاط حكومة ن ...
- الأزهر – بين منارة الدين وميدان السياسة
- كيف تغيرت موازين السيطرة والحياة داخل غزة في الذكرى الثانية ...


المزيد.....




- قائد شرطة مينيابوليس: سلوك جهات إنفاذ القانون قد يعطل تقدم ا ...
- مشهد مؤثر لدب كوالا تحاصره النيران في أستراليا.. ومزارعون يت ...
- في مواجهة تهديدات ترامب.. رئيس وزراء بريطانيا يلتقي الرئيس ا ...
- ما هو -إعصار القنبلة- المتوقع أن يضرب أمريكا نهاية الأسبوع؟ ...
- تصعيد ميداني في الضفة الغربية وخلافات حول فتح معبر رفح
- ضربة أمريكية -حاسمة- على طاولة خيارات ترامب.. وإيران ترفض ال ...
- ولاية تكساس الأمريكية تحظر منصتي -شي إن- و-علي بابا-
- أخبار اليوم: بروكسل تبحث فرض عقوبات على إيران على خلفية قمع ...
- فرنسا: مجلس الشيوخ يقر قانونا لإعادة قطع فنية وتراثية تعود ل ...
- كيف يحمي الصحفيون أصالة كتاباتهم من تغوّل الذكاء الاصطناعي؟ ...


المزيد.....

- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري
- يوميات الحرب والحب والخوف / حسين علي الحمداني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - محمد غفير - اغتيال إرنستو تشي جيفارا: حين قُتل الجسد وبدأت الأسطورة