أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد غفير - اخر عشاء في اورشاليم














المزيد.....

اخر عشاء في اورشاليم


محمد غفير
كاتب و مدون

(Mohamed Gafir)


الحوار المتمدن-العدد: 8596 - 2026 / 1 / 23 - 16:44
المحور: الادب والفن
    


أورشليم كانت هادئة على غير عادتها. هدوء ما قبل الانفجار. في الأزقة الضيقة، كانت الهمسات أسرع من الخطى، والوجوه المألوفة في الهيكل بدأت تلتفت أكثر مما تنظر للأمام. الاسم كان يتكرر بلا اتفاق: عيسى بن مريم. لا سلاح، لا جيش، ولا دعوة صريحة للتمرد… ومع ذلك، شيء ما لم يكن في مكانه.

في مجلس مغلق، اجتمع رجال يعرفون السلطة أكثر مما يعرفون الحقيقة. السؤال لم يكن: هل ما يقوله صحيح؟
السؤال كان أخطر: ماذا لو صدّقه الناس؟

الرجل لم يهاجمهم، لكنه فكّكهم. لم يشتم الكهنة، لكنه جعل وجودهم غير ضروري. لم يتحدّث عن إسقاط الحكم، لكنه زرع فكرة أخطر: أن الخلاص لا يمر عبر الأبواب الرسمية. هنا تحوّل القلق إلى ملف، والملف إلى قضية أمنية.

كان لابد من نهاية.
لكن نهاية نظيفة… بلا شهود.

في تلك الليلة، وُضِعت الخطة. عشاء أخير، دائرة ضيقة، كلمات تبدو عادية لمن يسمعها، لكنها مشحونة بالوداع لمن يفهم السياق. أحد الجالسين كان صامتًا أكثر من اللازم. يهوذا. رجل لا يبدو شريرًا، فقط متردد. والتردد في اللحظات الكبرى ثغرة قاتلة.

الصفقة كانت بسيطة: اسم مقابل فضة.
لكن الحقيقة أعقد: يهوذا لم يكن وحده. كان مجرد اليد الأقرب. القرار اتُّخذ قبل أن يخون، والقبض كان سيحدث حتى لو صمت الجميع. الخيانة هنا لم تكن فعل فرد، بل وظيفة في مسرح أكبر.

الاعتقال تم بسرعة. محاكمة مرتجلة. أسئلة معروفة وإجابات غير مطلوبة. الحكم كان جاهزًا قبل الاستجواب. السلطة الرومانية لم تهتم بالتفاصيل؛ كل ما يهمها أن لا يتحوّل واعظ إلى شرارة.
وهكذا، أُغلِق الملف رسميًا: مثير قلاقل… أُعدم.

لكن القضايا الذكية لا تنتهي عند الحكم.

ما لم يحسبه أحد هو ما حدث بعد التنفيذ.
الجسد غاب… لكن الروايات تضاعفت.
الشهود لم يختفوا، بل انتشروا.
والقصة التي كان يُفترض أن تُدفن، خرجت من القبر — حرفيًا أو معنويًا.

الرواية الإسلامية ستقول لاحقًا: لم يُقتل أصلًا.
الرواية المسيحية ستقول: قُتل… لكنه قام.
السلطة، من جانبها، لم تعد تملك رفاهية الرد. القضية خرجت من يدها.

في منطق التحقيقات، هذه أسوأ نتيجة:
تنفّذ الجريمة، وتختفي السيطرة على السرد.

ما حدث في أورشليم لم يكن اغتيال رجل، بل خطأ تقدير.
القتلة ظنّوا أنهم يحذفون المشكلة، فإذا بهم يطلقونها بلا قيود.
الصوت الذي أُريد له أن يصمت، تحوّل إلى صدى لا يتوقف.

القضية أُغلِقت في السجلات…
لكن التاريخ أعاد فتحها، وكتب في الهامش:

التصفية السياسية تنجح فقط حين تكون الفكرة أضعف من صاحبها.
وفي هذه القضية، كانت الفكرة هي المتهم الحقيقي… ولم يكن لها جسد يُعدم.



#محمد_غفير (هاشتاغ)       Mohamed_Gafir#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اليسار ما بعد فنزويلا 2026…
- السلفيين خارج اطار التاريخ والجغرفيا
- نقد كتاب «معالم في الطريق» – سيد قطب
- رواية خان الخليلي لنجيب محفوظ
- انحراف الفهم الديني في ظل التوظيف السلطوي والاجتماعي
- حتي يصبح الدين رسالة حب وعدل لا منظومة هيمنة وسلطة
- الحجاج بن يوسف الثقفي: سيف الدولة وخصم الحرية — عبقرية القوة ...
- لغز اغتيال اسامة بن لادن
- تجديد الخطاب الديني بين المؤسسة والأفراد: معركة الوعي والتنو ...
- أبو حامد الغزالي: من الشك إلى اليقين...
- القضية الفلسطينية... من رمزٍ للنضال إلى سلعةٍ في أسواق السيا ...
- أفكار صنعت سيوفًا : من ابن تيميه الي سيد قطب
- غزة بعد عامين من الجحيم: مخاوف إسرائيلية من كشف الدمار الشام ...
- قراءة التاريخ الإسلامي بين القداسة والعقلانية: نحو وعيٍ جديد ...
- مستقبل نتنياهو بعد صفقة ترامب: هل يبقى اليمين المتطرف في قلب ...
- -صفقة ترامب تشعل إسرائيل: انقسام حاد وتهديدات بإسقاط حكومة ن ...
- الأزهر – بين منارة الدين وميدان السياسة
- كيف تغيرت موازين السيطرة والحياة داخل غزة في الذكرى الثانية ...
- الأديب الروسي العظيم فيودور دوستويفسكي
- التدين السطحي في العالم العربي: حين يتحول الإيمان إلى مظهر و ...


المزيد.....




- ديزني تكشف عن كواليس دوبلاج فيلم -Toy Story- للهجة المصرية
- البعثة الإيرانية: ثقافة الإفلات من العقاب الأمريكية مستمرة ...
- مهاجراني: إقامة جزء من مراسم التشييع في العراق تؤكد عمق الر ...
- رسامو الحرب يبدون استعدادهم لإعادة ترميم اللوحة البانورامية ...
- الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن
- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد غفير - اخر عشاء في اورشاليم