أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - محمد غفير - رواية خان الخليلي لنجيب محفوظ














المزيد.....

رواية خان الخليلي لنجيب محفوظ


محمد غفير
كاتب و مدون

(Mohamed Gafir)


الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 08:10
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


تُعد رواية "خان الخليلي" الصادرة عام 1945، واحدة من أهم المحطات في مسيرة الأديب العالمي نجيب محفوظ، فهي تمثل ذروة "المرحلة الواقعية" التي برع فيها محفوظ في تشريح المجتمع المصري وتصوير حارات القاهرة وأزقتها ليس فقط كمكان جغرافي، بل كفضاء نفسي واجتماعي مشحون بالصراعات.

مدخل إلى عالم خان الخليلي: الزمان والمكان

تدور أحداث الرواية في خضم الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في عام 1942، حين كانت غارات الطيران النازي تهدد القاهرة. تبدأ الحكاية بقرار أسرة "أحمد عاكف" الانتقال من حي السكاكيني -الذي تعرض لغارات عنيفة- إلى حي "خان الخليلي" العتيق، بحثاً عن الأمان المفقود وبركة سيدنا الحسين.
هذا الانتقال ليس مجرد تغيير للسكن، بل هو صدام بين عالمين: عالم "الأفندية" المتعلمين الذين يعيشون في أحياء حديثة نسبياً، وعالم "الحارة" الشعبية بجذورها الضاربة في التاريخ، بتقاليدها، وبساطتها، وحتى خرافاتها.
الشخصية المحورية: أحمد عاكف وصراع الطموح الموؤود
تتمحور الرواية حول شخصية أحمد عاكف، وهو نموذج "الموظف" الذي سحقته الظروف. أحمد هو الابن الأكبر الذي اضطر لترك دراسته الجامعية ليعيل أسرته بعد خروج والده إلى المعاش. هذه التضحية ولّدت لديه نرجسية دفاعية؛ فهو يرى نفسه مثقفاً عبقرياً لم ينصفه الزمن، ويحتقر زملاءه في العمل، ويعيش في عزلة اختيارية خلف كتبه.


سيكولوجية الفشل

محفوظ برع في رسم التناقض الداخلي لأحمد عاكف؛ فهو من جهة يمتلك كبرياءً هائلاً، ومن جهة أخرى يشعر بضآلة شأنه أمام جاره "أحمد راشد" المحامي الناجح والسياسي المفوه. أحمد عاكف يمثل الجمود، فهو يخاف من التغيير، ويخاف من الحب، ويخاف من المواجهة.


رشدي عاكف: نقيض البطل ومحرك المأساة

على الطرف النقيض نجد الأخ الأصغر رشدي. إذا كان أحمد يمثل العقل (المتعطل) والجمود، فرشدي يمثل الحيوية، الانطلاق، والعبث. هو الشاب الوسيم، الموظف في بنك مصر، الذي يعشق السهر، والنساء، والمقامرة.
يخلق محفوظ توازناً درامياً بين الأخوين:
أحمد: يحب "نوال" (جارتهم الصغيرة) صمتاً وعجزاً، ويحول حبه إلى تراتيل صوفية وتأملات فلسفية.
رشدي: يقتحم حياة نوال بجرأة، ويفوز بقلبها، محطماً بذلك أحلام أخيه الأكبر دون أن يدري.
لكن هذه الحيوية تنتهي بنهاية مأساوية، حيث يصاب رشدي بمرض السل (الذي كان مرضاً فتاكاً آنذاك)، ليكون موته هو الذروة التي تعيد تشكيل وعي الأسرة بأكملها.
الحارة كبطل درامي
في "خان الخليلي"، لا يكتفي نجيب محفوظ بوصف المكان، بل يجعله حياً. قهوة "الزهرة" ليست مجرد مقهى، بل هي برلمان الحارة، حيث تلتقي النماذج البشرية المختلفة:
المعلم نونو: الرمز للمجون واللا مبالاة بالحروب والسياسة.
* أحمد راشد: الرمز للوعي السياسي والوطني.
* رواد المقهى: الذين يمثلون نبض الشارع المصري وتفاعله الساخر مع أخبار "روميل" و"مونتغمري".
استخدم محفوظ المكان ليعكس الحالة النفسية لأبطاله. الضيق في الأزقة يعكس ضيق الأفق الاجتماعي، والجمال التاريخي في المشهد يعكس صمود الروح المصرية رغم الفقر والحرب.


الثيمات الأساسية في الرواية

1. الصراع بين القديم والحديث
يتجلى هذا في حوارات أحمد عاكف مع نفسه ومع جيرانه. هل الخلاص في العلم والسياسة (أحمد راشد)، أم في العودة للجذور والإيمان الغيبي (الأب)، أم في الاستمتاع اللحظي (رشدي)؟
2. الموت والحرب
تخيم ظلال الموت على الرواية من اتجاهين: الموت الخارجي المتمثل في غارات الحرب العالمية، والموت الداخلي المتمثل في مرض رشدي. يطرح محفوظ تساؤلاً فلسفياً: كيف يمكن للإنسان أن يبحث عن السعادة بينما الموت يتربص به من كل جانب؟
3. الحب كمرآة للعجز
حب أحمد عاكف لنوال هو "حب العاجز". هو لم يحب نوال لذاتها، بل أحب فيها فكرة "الخلاص" من وحدته وفشله. وعندما خسرها لصالح أخيه، لم يغضب من أخيه بقدر ما غرق في جلد الذات، مما يعزز فكرة البطل السلبي التي تميز بها محفوظ في هذه المرحلة.


التحليل الأسلوبي والبناء الدرامي

تميزت الرواية بلغة عربية رصينة، تنساب بسلاسة بين الوصف المشهدي الدقيق والمونولوج الداخلي. نجح محفوظ في استخدام "الرمزية الواقعية"؛ فمرض السل الذي أصاب رشدي لم يكن مجرد مرض طبي، بل كان رمزاً لـ "نخر" الحرب في جسد الشباب المصري آنذاك.
البناء الدرامي يسير بخطى وئيدة في البداية، حيث يتعرف القارئ على تفاصيل الحياة اليومية، ثم يتسارع الإيقاع مع دخول رشدي في علاقة مع نوال، ليصل إلى الانفجار مع ظهور أعراض المرض والموت الذي يفرض سطوته على الجميع.


الخاتمة: الرحيل عن الخان

تنتهي الرواية برحيل الأسرة عن خان الخليلي بعد موت رشدي، عودةً إلى حي المعادي. هذا الرحيل هو اعتراف بالهزيمة أمام المكان، أو ربما هو محاولة للتطهر من ذكرى الألم. أحمد عاكف يخرج من التجربة وقد انكسر كبرياؤه، لكنه ربما أصبح أكثر "إنسانية" وتصالحاً مع واقعه المرير.
خلاصة القول: "خان الخليلي" ليست مجرد حكاية عن أسرة مصرية في وقت الحرب، بل هي دراسة عميقة في النفس البشرية حين توضع تحت ضغط الخوف، الفقر، والحب المستحيل. إنها رواية تؤكد أن نجيب محفوظ كان، ولا يزال، المؤرخ الروحي للقاهرة.



#محمد_غفير (هاشتاغ)       Mohamed_Gafir#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انحراف الفهم الديني في ظل التوظيف السلطوي والاجتماعي
- حتي يصبح الدين رسالة حب وعدل لا منظومة هيمنة وسلطة
- الحجاج بن يوسف الثقفي: سيف الدولة وخصم الحرية — عبقرية القوة ...
- لغز اغتيال اسامة بن لادن
- تجديد الخطاب الديني بين المؤسسة والأفراد: معركة الوعي والتنو ...
- أبو حامد الغزالي: من الشك إلى اليقين...
- القضية الفلسطينية... من رمزٍ للنضال إلى سلعةٍ في أسواق السيا ...
- أفكار صنعت سيوفًا : من ابن تيميه الي سيد قطب
- غزة بعد عامين من الجحيم: مخاوف إسرائيلية من كشف الدمار الشام ...
- قراءة التاريخ الإسلامي بين القداسة والعقلانية: نحو وعيٍ جديد ...
- مستقبل نتنياهو بعد صفقة ترامب: هل يبقى اليمين المتطرف في قلب ...
- -صفقة ترامب تشعل إسرائيل: انقسام حاد وتهديدات بإسقاط حكومة ن ...
- الأزهر – بين منارة الدين وميدان السياسة
- كيف تغيرت موازين السيطرة والحياة داخل غزة في الذكرى الثانية ...
- الأديب الروسي العظيم فيودور دوستويفسكي
- التدين السطحي في العالم العربي: حين يتحول الإيمان إلى مظهر و ...
- ازدواجية المعايير في القانون الدولي: حين يسقط القناع عن الإن ...
- هدم الأسرة وصناعة الإنسان المستهلك: من المؤامرة إلى الواقع
- سيغموند فرويد: الأب الروحي للتحليل النفسي ومؤسس مدرسة علم ال ...


المزيد.....




- العراق يعلن اكتمال انسحاب القوات الأمريكية من أراضيه باستثنا ...
- السعودية.. حادثة قتل في منطقة نجران والأمن العام يكشف تفاصيل ...
- غواتيمالا تعلن حالة الطوارئ للتصدي لعنف العصابات
- تعزيزات عسكرية أميركية وإسرائيل تبحث سيناريوهات الرد على هجو ...
- توتر بين مدربي المغرب والسنغال عقب نهائي كأس الأمم الأفريقية ...
- قمة أوروبية خلال أيام لمناقشة تهديدات ترامب بشأن غرينلاند
- الداخلية السورية تتابع تقارير حول وقوع مجازر في الحسكة
- ألمانيا تعلن تأجيل زيارة الشرع بطلب من الجانب السوري
- -أوكسفام-: المليارديرات أصبحوا أكثر ثراء من أي وقت مضى
- رضا بهلوي: الشعب دعاني للقيادة.. وسأعود إلى إيران


المزيد.....

- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - محمد غفير - رواية خان الخليلي لنجيب محفوظ