أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - محمد غفير - رسالة الغفران _ ابو العلاء المعري















المزيد.....

رسالة الغفران _ ابو العلاء المعري


محمد غفير
كاتب و مدون

(Mohamed Gafir)


الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 07:35
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


في عالمٍ يخيم عليه صمت الظلام الذي عاشه أبو العلاء المعري، ينبثق نصّ "رسالة الغفران" كشهابٍ مضيءٍ يثقب حجب الزمان والمكان. ليست هذه الرسالة مجرد عملٍ أدبيٍ عابر، بل هي رحلة وجودية تتجاوز شكلها النثري لتتحوّل إلى كونٍ مكتمل الأبعاد، يحوي أسئلة الإنسان الكبرى عن الموت والحياة، والثواب والعقاب، والإبداع والمصير. هنا، لا يكتب المعري رسالةً فحسب، بل يخلق عالماً موازياً يعيد فيه تشكيل العلاقة بين الخالق والمخلوق، بين الشاعر وكلمته، بين الذنب والمغفرة.

البنية السردية: خيالٌ يحمل حقيقة

يبتكر المعري في رسالته فضاءً سردياً فريداً، حيث يتحوّل "ابن القارح" - البطل الرمزي - إلى رحّالةٍ بين العوالم، يزور الجنة والنار ليس كحاجٍ تقليدي، بل كناقدٍ وأديبٍ وفيلسوف. هذا الانزياح عن المألوف الديني التقليدي هو جوهر الإبداع للمعري؛ فالجنة هنا ليست مجرد وعدٍ أخروي، بل هي صالون أدبي فكري، تلتقي فيه العقول وتتحاور الأرواح قبل الأجساد.

في هذا الخيال الجامح، يختزن المعري حقيقة نقدية لاذعة للمجتمع والدين والأدب في عصره. الرحلة الخيالية تصبح مرآة تعكس علل الواقع، والنقد الساخر للأدباء والشعراء في العالم الآخر هو في الحقيقة نقدٌ للسلطة الثقافية والدينية في عالم الأحياء. إنها استراتيجية أدبية ذكية، تتيح للمعري قول ما لا يُقال مباشرة، تحت حماية الغطاء الخيالي والمجازي.

المحتوى الفلسفي: أسئلةٌ تطفو على سطح النصّ وغوصٌ في الأعماق

تطفو على سطح النسج اللغوي لرسالة الغفران أسئلةٌ وجودية كبرى: ما مصير المبدعين الذين عاشوا في الجاهلية؟ هل يمكن أن تغفر آلهة التوحيد لشعراء عبدوا آلهة متعددة؟ ولكن تحت هذا السطح، ينغمس المعري في بحارٍ أعمق: سؤال الحرية الإنسانية أمام القضاء والقدر، وعلاقة اللغة بالوجود، ودور الإبداع في خلاص الإنسان أو هلاكه.

يناقش المعري من خلال حوارات ابن القارح مع الشعراء في الجنة مسألة "المسؤولية الأخلاقية للإبداع". فالشعر في الرؤية المعرية ليس مجرد كلماتٍ متناغمة، بل هو فعل وجودي له تبعاته في العالم الآخر. هذا الطرح يذكرنا بأسئلة فلسفية حديثة عن علاقة الفن بالأخلاق، وعن مسؤولية المبدع تجاه مجتمعه وإنسانيته.

اللغة: متاهة من الألفاظ يقودها عقلٌ متأمل

يصنع المعري من اللغة في رسالة الغفران متاهةً لغوية معقدة، تزخر بالألفاظ الغريبة والسجع المتقن والتراكيب المحكمة. لكن هذه المتاهة ليست تعقيداً اعتباطياً، بل هي تمثيلٌ لفلسفة المعري في اللغة ذاتها؛ فاللغة عنده كيانٌ مستقل، لها قوانينها وعوالمها، وهي الوسيلة التي يختبر بها الإنسان وجوده ويفسر بها الكون.

هذا التعقيد اللغوي المتعمد هو أيضاً حاجزٌ يضعه المعري بين النصّ والقارئ العابر، كأنه يقول: هذه الرسالة ليست للجميع، بل لمن يبذل الجهد الفكري والروحي لفك شفراتها. إنها لغةٌ تليق بموضوعها الميتافيزيقي، لغة العالم الآخر التي لا يمكن وصفها بلغة العالم الدنيوي المألوف.

الجدل الديني والفكري: جرأة السؤال وقيمة الشك

أثارت رسالة الغفران منذ كتابتها وحتى عصرنا هذا جدلاً واسعاً، وهذا الجدل نفسه يشير إلى عمقها وحيويتها. فالنصّ الذي يستمر في إثارة الأسئلة بعد ألف عام من كتابته، هو نصّ حيٌ ينبض بالمعاني المتجددة.

جرأة المعري في مناقشة مسائل عقدية حساسة، مثل مفهوم المغفرة الإلهية وعدالة الجزاء الأخروي، لم تكن جرأةً هدامة بقدر ما كانت بحثاً عن الحقيقة عبر السؤال والشك. إن شك المعري الفلسفي هو شك منهجي، يذكرنا بشك ديكارت الذي أصبح أساساً للمعرفة الحديثة. وهو من خلال هذا الشك، لا يهدم الإيمان بل يبحث عن إيمانٍ أعمق، إيمانٍ يختبر أسسه ولا يقبلها مسلّماتٍ جاهزة.

المقارنة مع الكوميديا الإلهية: حوار الحضارات عبر الزمن

تشير مقارنة رسالة الغفران بـ"الكوميديا الإلهية" لدانتي إلى عالمية الأسئلة الوجودية التي يطرحها النصّ. فكلاهما رحلة خيالية عبر العوالم الأخرى، وكلاهما يستخدم هذه الرحلة كنقدٍ للواقع الاجتماعي والسياسي والديني.

لكن بينما تنطلق رحلة دانتي من رؤية مسيحية كاثوليكية واضحة المعالم، تغوص رحلة المعري في مناطق أكثر ضبابية وأقل يقينية. هذا الاختلاف يعكس الفارق بين العقلية المسيحية الوسيطة المؤسسية، والعقلية الإسلامية في عصر المعري التي كانت تعيش حالة من التساؤل والبحث والتعدد الفكري.

الرؤية التشاؤمية: نظرة إلى الوجود من قعر البئر

تُقرأ رسالة الغفران غالباً في إطار التشاؤمية الفلسفية التي عُرف بها المعري، لكن تشاؤمه هنا ليس انهزاماً ولا سلبية، بل هو موقف وجودي يتفحص الوجود من زاوية المأساة الإنسانية. تشاؤم المعري يشبه تشاؤم كافكا أو شوبنهاور، حيث يصبح التشاؤم أداةً لكشف الحقائق المرة التي تخفيها التفاؤليات السطحية.

في رحلة ابن القارح، نرى هذا التشاؤم يتجلى في النظرة إلى المصير الإنساني، حيث يبدو الإنسان كائناً ضائعاً بين قسوة القدر وغياب العدالة الدنيوية وضبابية العدالة الأخروية. لكن داخل هذا التشاؤم، تبرز قيمة الإبداع الأدبي كملاذٍ وحيد ممكن، كجسرٍ يعبر عليه الإنسان فوق هوة العدم.

الخاتمة: نصّ يتحدى الزمن

بعد ألف عام من كتابتها، لا تزال رسالة الغفران نصّاً حياً يتحدى الزمن، لأن أسئلتها الوجودية لا تزال أسئلتنا، وحيرتها أمام المصير الإنساني لا تزال حيرتنا. لقد استطاع المعري أن يخلق نصّاً لا ينتمي إلى عصره فقط، بل إلى الإنسانية في كل عصر، نصّاً يخاطب الإنسان في قلقه الوجودي، وفي بحثه عن معنى في عالم يبدو بلا معنى.

رسالة الغفران هي أكثر من عمل أدبي، هي تجربة فكرية روحية شاملة، تدعو القارئ ليس إلى القراءة فقط، بل إلى التأمل والمشاركة في الرحلة. إنها تخاطب فينا ذلك الجزء الذي يتساءل عن ما بعد الموت، وعن معنى الإبداع، وعن علاقتنا مع الذات الإلهية، وعن دور اللغة في تشكيل وعينا بالعالم.

في النهاية، تبقى رسالة الغفران شهادةً على قدرة العقل العربي في أحد أزهى عصوره على خوض أغوار الأسئلة الكبرى بشجاعة نادرة، وعلى صنع نصوصٍ تتجاوز حدود زمانها ومكانها، لتصبح تراثاً إنسانياً عالمياً، يذكرنا بأن الفن والفلسفة والدين ليسوا سوى أوجهٍ مختلفةٍ لسؤالٍ واحد: من نحن، ولماذا نحن هنا، وإلى أين نمضي؟



#محمد_غفير (هاشتاغ)       Mohamed_Gafir#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اخر عشاء في اورشاليم
- اليسار ما بعد فنزويلا 2026…
- السلفيين خارج اطار التاريخ والجغرفيا
- نقد كتاب «معالم في الطريق» – سيد قطب
- رواية خان الخليلي لنجيب محفوظ
- انحراف الفهم الديني في ظل التوظيف السلطوي والاجتماعي
- حتي يصبح الدين رسالة حب وعدل لا منظومة هيمنة وسلطة
- الحجاج بن يوسف الثقفي: سيف الدولة وخصم الحرية — عبقرية القوة ...
- لغز اغتيال اسامة بن لادن
- تجديد الخطاب الديني بين المؤسسة والأفراد: معركة الوعي والتنو ...
- أبو حامد الغزالي: من الشك إلى اليقين...
- القضية الفلسطينية... من رمزٍ للنضال إلى سلعةٍ في أسواق السيا ...
- أفكار صنعت سيوفًا : من ابن تيميه الي سيد قطب
- غزة بعد عامين من الجحيم: مخاوف إسرائيلية من كشف الدمار الشام ...
- قراءة التاريخ الإسلامي بين القداسة والعقلانية: نحو وعيٍ جديد ...
- مستقبل نتنياهو بعد صفقة ترامب: هل يبقى اليمين المتطرف في قلب ...
- -صفقة ترامب تشعل إسرائيل: انقسام حاد وتهديدات بإسقاط حكومة ن ...
- الأزهر – بين منارة الدين وميدان السياسة
- كيف تغيرت موازين السيطرة والحياة داخل غزة في الذكرى الثانية ...
- الأديب الروسي العظيم فيودور دوستويفسكي


المزيد.....




- هل تسبب أحداث مينيابوليس انشقاقا بين الجمهوريين؟
- قائد أمريكي يتحدث عن -عملية سريعة ونظيفة- بإيران
- مقال بغارديان: ترمب هو المشكلة الوحيدة ويمكن هزيمته
- طوارئ جوية بليبيا وإنذارات في السعودية وثلوج تعزل منطقة بالم ...
- إسرائيل تحذر شركات الطيران الأجنبية من -نهاية أسبوع حساسة-
- معبر رفح بين الحسابات الإسرائيلية والضغوط الدولية
- لبنان.. غارات إسرائيل تكثف الضغوط في ملف سلاح حزب الله
- دمية -الحصان الباكي- تحصد الإعجاب في الصين
- لبنان: قتلى وجرحى في غارات إسرائيلية جنوب البلاد
- مشروع قرار حظر وسائل التواصل لأقل من 15 عاما فييُعرض اليوم ف ...


المزيد.....

- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - محمد غفير - رسالة الغفران _ ابو العلاء المعري