أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - نبيل محمد سمارة - ترامب والتدخل السافر: حين تتحول السياسة إلى وصاية .














المزيد.....

ترامب والتدخل السافر: حين تتحول السياسة إلى وصاية .


نبيل محمد سمارة
(Nabil Samara)


الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 15:47
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


(قراءة نقدية في ازدواجية الخطاب الأميركي)



لم يعد التدخل الأميركي في شؤون الدول سلوكاً سياسياً مرفوضاً فحسب، بل تحول في عهد دونالد ترامب إلى ممارسة فجة ومعلنة، لا تخجل من إهانة الشعوب ولا من سحق مفهوم السيادة الوطنية تحت أقدام المصالح الانتخابية والشخصية. فالرجل الذي يتعامل مع العالم بعقلية تاجر صفقات لا رجل دولة، خرج ليعلن على الملأ رفضه تولي نوري المالكي رئاسة الوزراء في العراق، ولم يكتف بإبداء موقف سياسي، بل ربطه بتهديد صريح بقطع أموال العراق عن العراقيين إن لم يستجب لرغبته، وكأن البلاد شركة خاصة، وكأن شعبها رهينة بيده.
إن هذه التصريحات لا يمكن قراءتها إلا بوصفها اعتداء سافراً على سيادة دولة يفترض أنها مستقلة، وفضيحة سياسية تكشف حجم الاستعلاء الذي يحكم العقل الأميركي حين يتعامل مع دول الشرق الأوسط. فالأموال التي يلوح ترامب بقطعها ليست هبة من واشنطن، ولا منحة مشروطة بالولاء، بل هي أموال عراقية خالصة جرى التحكم بها عبر منظومات فرضتها الحروب والاحتلال والفوضى التي كانت الولايات المتحدة نفسها شريكاً أساسياً في صناعتها. وحين يهدد ترامب بقطع هذه الأموال، فهو لا يعاقب سياسياً بعينه، بل يهدد شعباً كاملاً بالجوع والحرمان، من الموظف إلى المتقاعد، ومن الطالب إلى المريض، ومن الطفل إلى الأرملة.
الأخطر من التهديد نفسه هو المنطق الذي يقف خلفه، منطق الوصاية المطلقة الذي يرى أن للعراق حق الوجود، لكن ليس له حق القرار، وأن الديمقراطية مسموحة فقط حين تأتي بالنتائج التي ترضي واشنطن. فحين تتغنى الولايات المتحدة بحرية الاختيار، فإنها تفعل ذلك بشرط واحد واضح: أن يكون الخيار منسجماً مع مصالحها، أما إذا أفرز الصندوق شخصية أو تياراً لا يعجبها، تتحول الديمقراطية فجأة إلى خطر، والسيادة إلى عبء، والشعب إلى مشكلة يجب تأديبها اقتصادياً.
وفي الوقت الذي يهدد فيه ترامب العراقيين بلقمة عيشهم، يقدم نفسه للعالم بوجه آخر لا يقل زيفاً، وجه “صانع السلام” والباحث عن الجوائز الدولية، بينما أفعاله على الأرض تفضح حقيقة هذا الادعاء. فالرجل نفسه كان وما زال الداعم الأكبر لآلة الحرب الإسرائيلية، يزوّد إسرائيل بأحدث أنواع الأسلحة والمعدات العسكرية، في واحدة من أكثر الحروب دموية ووحشية ضد قطاع غزة، حيث لم يستثن شيء من القصف، لا البشر ولا الحجر ولا المستشفيات ولا المدارس.
في غزة، لم يعد الموت خبراً عاجلاً، بل تفصيلاً يومياً في حياة الناس. البيوت دمرت، العائلات أُبيدت، الأطفال قتلوا، وحين لجأ من تبقى إلى الخيام هرباً من القصف، لحقتهم الصواريخ هناك أيضاً. حتى الخيمة لم تعتبر مساحة إنسانية محمية، وكل ذلك جرى تحت غطاء سياسي أميركي كامل، يمنع المحاسبة، ويعطل القانون الدولي، ويحول جرائم الحرب إلى “حق في الدفاع عن النفس”.
وهنا تتجلى أبشع صور الازدواجية الأميركية، إذ كيف يمكن لرئيس واحد أن يتحدث عن السلام من جهة، ويغذي حرب إبادة من جهة أخرى، وكيف يمكنه أن يهدد شعباً كاملاً بالجوع باسم الاستقرار، بينما يبرر قتل شعب آخر باسم الأمن. هذه ليست تناقضات عابرة، بل سياسة متكاملة ترى العالم بميزان واحد، من يخدم المصالح يحمى مهما ارتكب من جرائم، ومن يخرج عن الخط يُعاقَب مهما كان الثمن إنسانياً.
إن تحليل الواقع يقود إلى نتيجة واضحة لا تحتمل التأويل، وهي أن ترامب لم يأتِ ليصنع سلاماً، بل ليهدم ما تبقى من مفهومه. فهو يؤمن بالقوة لا بالقانون، وبالابتزاز لا بالدبلوماسية، وبالصفقات لا بالقيم. ومن العراق إلى فلسطين، ومن التهديد الاقتصادي إلى الدعم العسكري الأعمى، تتكرر الصورة نفسها: عالم يدار بالضغط، وتختزل فيه كرامة الشعوب إلى أوراق تفاوض.
وما هو أخطر من سياسات ترامب ذاتها، هو اعتياد العالم عليها، وصمته عنها، وكأن إذلال الشعوب وتجويعها وتركها فريسة للحروب بات أمراً طبيعياً في زمن السياسة الحديثة. فالسيادة لا تجزأ، والدم لا يصنف، والسلام لا يمكن أن يولد من فوهات البنادق ولا من حسابات الانتخابات. وإن لم تواجه هذه العقلية، فإن العالم لا يتجه نحو سلام زائف فحسب، بل نحو فوضى شاملة، يكون فيها الضعفاء دائماً هم الخاسر الأكبر.



#نبيل_محمد_سمارة (هاشتاغ)       Nabil_Samara#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مجلس سلام يناقش… وغزة تباد
- فنزويلا بين الشرعية والسيادة ومحاولات الانقلاب
- هادي جلو مرعي… إعلامي بصدق الإنسان ووطنية الموقف
- بوندي… حين يصبح الخوف صناعة إسرائيلية
- زيارة البابا إلى لبنان… حضور رمزي بلا أثر
- شاي الهيل... نكهة العراقيين الأصيلة من سوق الصدرية
- حين تكتب الجميلة... ينهض القوم!
- الطوفان الإسرائيلي
- بغداد... حين يتحدث الحجر وتبتسم الأزقة
- قمة السلام أم قمة الإذلال؟!
- أجنحة الروح... رحلة كتاب ووفاء
- في حضن دجلة… حكايات لا تنتهي
- عامان على إبادة غزة.. صمود يفضح العجز الدولي .
- من يضمن أن إسرائيل ستلتزم بما جاء في المقترح؟
- كتاب- أجنحة الروح - وفرحة الروح بعد انجازه
- نظمي حزوري .. كلمات على قدر المحبة
- ابي و الوطن و الدرس
- بين عمو بابا ولميعة عباس عمارة
- في رحاب والدي .
- متى الغد يا عراق ؟


المزيد.....




- تحولت العربة الى كتلة لهب.. لحظة اشتعال قطار ركاب أوكراني اس ...
- الكرملين: محادثات أمريكا وروسيا وأوكرانيا ستُستأنف في أبوظبي ...
- عضو الكونغرس الأمريكي إلهان عمر تتعرض لهجوم بمادة مجهولة خلا ...
- -لأسباب أمنية-: إسرائيل تمنع دخول الصحفيين الأجانب إلى غزة ر ...
- -البطريق الوحيد- ... الحقيقة على مذبح الترند
- الحكومة الإسبانية تعتزم تسوية أوضاع نحو نصف مليون مهاجر غير ...
- ماكرون يستقبل رئيسي وزراء غرينلاند والدانمارك
- ترامب يعتبر انتخاب نوري المالكي -خيار سيئ للغاية-
- نوري المالكي: نرفض رفضا قاطعا التدخل الأمريكي
- إسبانيا: الحكومة تعتزم تسوية أوضاع نحو نصف مليون مهاجر غيرنظ ...


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - نبيل محمد سمارة - ترامب والتدخل السافر: حين تتحول السياسة إلى وصاية .