|
|
الصناديق السوداء للنظم الدينية
عادل صوما
الحوار المتمدن-العدد: 8591 - 2026 / 1 / 18 - 00:03
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
خلط الدين بالسياسة والاقتصاد والعلم كان له تبعات خلال التاريخ أخطرها التخلف ولاأخلاقية التعامل، لذلك فصلت العَلمانية بينهم تماماً من أجل التطور العلمي وحيادية الدولة، وضمان السلم الأهلي بجعل طريقة عبادة الإنسان للّه لا تؤثر على علاقة الإنسان بالإنسان، وكان نتيجة ذلك أن أي فتن أو ثورات أو اغتيالات لا شأن للّه بها، لأنها إنسانية ليس إلا. وكان فصل الدين عن الاقتصاد رحمة بالإيمان، حتى لا تعيبه أي رشاوي أو اختلاسات أو سرقات أو تبادل منافع دنيوية. العَلمانية، التي يُكفرّها البعض، نَزَهت الله عن صناديق البشر السوداء، خصوصاً الاقتصادية والسياسية التي يستعملها السياسيون والاقتصاديون للتحكم في الناس والسوق. وإذا إدّعى دين بأنه شمولي، فمعنى ذلك واقعياً أنه يقدم شرائع سياسية وفروضاً مالية وطقوساً ظاهرية لحشد الناس بهدف حكمهم، لا أكثر أو أقل. لم يزل بعض الناس على هذا الكوكب يؤمنون بحكم الدنيا مالياً وسياسياً بشرائع غيبية، رغم فشله المتكرر، وما نعرفه عن فضائح الذين مارسوه المالية التي فَصَلتْ فيها في نهاية المطاف محاكم مدنية، مثلما حدث مع شركات توظيف الأموال الإسلامية، بالإضافة إلى الأساليب السياسية التي تمت بخيانات ومؤامرات واغتيالات لا تندرج تحت أي سلوكيات أخلاقية، وفصلت فيها أحياناً محاكم عسكرية. ما تقدم كان عن النظم الدينية بشكل عام، والتالي سيركز على الصناديق السوداء لنظام الملالي الإيرانيين. أكاذيب سياسية بعد تولي الخوميني الحكم مباشرة، تبين أنه رجل مُخادع، لأن أول من انقلب عليهم كان دول الغرب التي أجلسته على دكة الحكم، وقال عنها دول كفر وتكبّر. كما ظهر على حقيقته البشعة داخلياً في أول صلاة جمعة بعد سقوط نظام شاه إيران، إذ قال لكبار العسكريين الذين كانوا يصلّون خلفه: ألم تكونوا تصلون هكذا مع الشاه أيضاً؟ ما يعني أنه كاذبٌ مُدّلِسٌ، لأنه يعلم أن المسلمين يصلون وراء الخليفة المُتَغَلِّب، حتى لو كان الخوميني المُتَغَلِّب بالغرب. وهو متآمر أيضاً لأنه بهذا السؤال تآمر على الجيش وجعله عدواً لنظامه المُطَّهَر، وأسس الحرس الثوري ليحمي انقلابه. ثم توالت الاعدامات في محكمته الثورية الإلهية للمعارضين حيث لا يوجد محامون فيها ولا شهود، بل قاض تُملي عليه الاحكام ويقرأها فقط. استعمل الخوميني أحط الوسائل السياسية التي ناقض بها شعاراته الكاذبة أيضا، منها تفاصيل "كونترا إيران" وفيها عقد اتفاقاً مع أميركا (الشيطان الأكبر) أثناء رئاسة ريغان، لتزويد إيران (ولاية الفقيه) بالأسلحة أثناء حربها مع العراق (الشيعي) وقد أتم جورج بوش الأب، نائب الرئيس آنذاك، هذا الاتفاق عند اجتماعه برئيس الوزراء الإيراني أبو الحسن بني صدر في باريس، وحضر اللقاء المندوب عن الموساد آري بن ميناش، لكي تنقل إسرائيل (عدوة المسلمين) تلك الأسلحة من إسرائيل إلى إيران. دائرة تلفيقات ورثة الخوميني استعملوا أيضاً أحط الوسائل السياسية لخلق فتن وقلائل في دول الشرق الأوسط، فأوجدوا ميليشيات عسكرية في دول هشة مثل لبنان واليمن ثم قطاع غزة، واستعملوا الاضطرابات والطائفية والتزمت لزعزعة دول المنطقة، وحاربوا أي اتفاقيات سلام فيها، ووضعوا اسم قاتل على شارع فيه سفارة مصر، أول دولة تعاملت مع الواقع ووقعت اتفاق سلام مع إسرائيل. فساد مالي النظام الإيراني لم يتورع عن استعمال الاقتصاد كأيديولوجية إسلامية، فخلق ما يُسمى باقتصاد الظل من خلال "مصرف آينده" الذي أسسه ﻋﻠﻲ أﻧﺼﺎري رﺟﻞ الأعمال المقرب من محمود أحمدي نجاد. وبهذا النفوذ أسس أنصاري "بنك آينده" ﻋﺒﺮ دﻣﺞ ﻣﺼﺮﻓﻴﻦ ﺣﻜﻮميين ﻣﻊ ﻣﺆﺳﺴﺔ ﻣﺎﻟﻴﺔ خاصة يملكها. أدار مقربون من صاحب القرار بنك آينده، حتى للالتفاف حول الضغوط الدولية التي فُرضت بسبب تجاوزات النظام الديني، وقد أفلس ذلك المصرف في السنة الماضية بعدما غرق في ديون تجاوزت خمسة مليارات دولار، نتيجة قروض فاسدة واستثمارات وهمية على الورق، فطبعت الحكومة كميات هائلة من النقد لتغطية العجز الذي أصاب الاقتصاد، ما جعل العجز يتضخم لعدم وجود غطاء لسك العملة، وتجاوز العجز قدرة التاجر على التسعير والمواطن على الشراء، فبدأت شرارة سقوط نظام الملالي من البازار الكبير. أخطبوط نقدي لعب "بنك آينده" دوراً مهماً في تمويل الحرس الثوري أكبر مؤسسة اقتصادية وإعلامية وعسكرية في إيران، وكعادة التوظيفات الإسلامية التي تنأى بنفسها عن الربا، قدّم أعلى أسعار فائدة للمودعين، ما أدى إلى تراكم ديون هائلة عليه، حاولوا علاجها ببناء "إيران مول" الذي موله بنك آينده، بقرض ذاتي لشركات يملكها علي أنصاري نفسه، بينما المواطن لا يستطيع سحب مدخراته أو تلقي فوائده عليها لعدم وجود سيولة في السوق! بدأت غيوم العاصفة الاجتماعية الأخيرة تتجمع في أواخر سنة 2025 متزامنة مع الانهيار المالي وفقدان الليرة الإيرانية 84% من قيمتها، وتراجع قدرة إيران العسكرية بعد انهيار حزب الله والضربات الموجعة للحوثيين وقصف إسرائيل وأميركا، وﻣﻊ ﺗﺸﺪﻳﺪ اﻟﺮﻗﺎﺑﺔ اﻷﻣﻴﺮﻛﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺗﺪﻓﻘﺎت اﻟﺪوﻻر الآتية ﻣﻦ اﻟﻌﺮاق، الحديقة الخلفية لإيران، وﺟﺪ اﻟﺒﻨﻚ اﻟﻤﺮﻛﺰي ﻧﻔﺴﻪ غير قادر على حماية العملة الوطنية. الرؤية صفر الاقتصاد الإسلامي كذبة حديثة، فلم يدّع أي خليفة حتى انهيار الخلافة العثمانية أنه يدير الخلافة على نظام اقتصاد إسلامي. ومن المؤكد أن الجزية والزكاة وخُمس إيراد الغزوات لله والرسول والخراج على المحاصيل الذي فرضه عمر من الخطاب وبيع السبايا والعبيد ليس اقتصاداً يصلح لدول، وقد أوقع هذا المصطلح الشعوب في كوارث بسبب كل الحكام الراديكاليين، ورغم ذلك ورطت الحكومة الإيرانية الإسلامية شعبها في هذه الكذبة، وحاولت امتصاص غضب الشارع بعد تفاقم كوارثها، فأقرت موازنة 2025 التي تضمنت رﻓﻊ اﻟﺪﻋﻢ ﻋﻦ اﻟﺨﺒﺰ واﻟﻮﻗﻮد وإﻟﻐﺎء أﺳﻌﺎر اﻟﺼﺮف التفضيلية، لتوفر عشرة مليارات دولار لتغطية عجز الموازنة، ﻟﻜﻦ الاجراءات ﺗﺤﻮﻟﺖ إلى ﺻﺪﻣﺔ ﻣﻌﻴﺸﻴﺔ جعلت تجار "البازار الكبير" ينزلون إلى الشارع، لأن الليرة تتغير قيمتها في كل ساعة ما يعني استحالة التسعير. الأكثر قتامة الكذب والنفاق والخداع مُفترض ألاّ تتعامل بهم دولة دينية تعمل وتنادي بتطبيق شريعة إلهية، لكن ملالي إيران مارسوا كل ما سبق، ويمارسون الإعدام ضد من يناهضهم تحت بند "المحاربة" أي "شن حرب على الله"، وهو مصطلح في الشريعة الإسلامية ينصب على من يعاند الله ورسوله، والآية نزلت بمعناها الديني لتحدي الأوامر الإلهية كأكل الربا، حيث يعلن الله الحرب على فاعله، أو أصحاب سلوكيات تتنافى أو تتمرد على الشريعة، وبما أن الملالي قيمون على الشريعة، يعتبرون أن من يناهضهم سياسياً يشن حربا ضد الله. كان الملالي على وشك تطبيق الإعدام على المتظاهرين الذين قبضوا عليهم منذ بدء الثورة الشعبية ضدهم في أواخر سنة 2025 لردع الشارع، لكن جاء تهديد الرئيس ترمب صريحاً، بأن ممارسة الإعدام بحق المتظاهرين معناه استهداف النظام نفسه بضربات خاطفة مؤلمة، ففضل الملالي تجاهل شرع الله حتى لا يذهب نظامهم مع رياح F35 و B2، وتجاهلوا تماماً ما نفذوه ضد كل المتظاهرين خلال أربعة عقود، وأعلنوا أنهم ليسوا بصدد تنفيذ أحكام إعدام بتهمة تنظيم تجمعات مناهضة للأمن القومي ونشر دعاية معادية للنظام، وفي حالة إدانة متظاهرين سيحكم عليهم بالسجن، إذ لا ينص القانون على عقاب الإعدام لمثل هذه التهم. استعمل الملالي الكذابون التقية والتدليس وهي صفات لا تليق برجال دين يديرون دولة دينية طاهرة، وقالوا "أمن قومي" بدلا من "الله ورسوله" و"قانون" بدلا من "شرع الله". وكعادتهم في الخداع الذي ينطلي على الغرب، مارسوا بهمجية حراس النظام إعدام الناس مباشرة في الشارع، بدلا من اصدار أحكام في المحاكم. خداع وخسة وكذب يليقوا فعلا برجل دين عاطل عن العمل المفيد ويمارس السياسة. وهو ما أكده علي واعظ مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية حين قال: أنزلت إيران القبضة الحديدية بسرعة ووحشية لم نشهدها من قبل". لا شأن لي بالايمان، لأن الله، لو وُجد، لا بد أن يكون أسمى بكثير مما وصفته الادبيات الإبراهيمية، لكن ما يهمني هو هل ستساهم التعددية والديموقراطية والليبرالية في سقوط الغرب أمام نظرية حكم بدائية بدأت تتسرب إلى دوله وتجد من ينادي بها بعدما فشلت تماماً في دول المنشأ؟
#عادل_صوما (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تحصنوا غيبياً وتصرفوا واقعياً
-
سقط كتاجر مخدرات اصطناعية
-
إنفصال الدول عن الواقع
-
تجريم التاريخ و-التغيير-
-
تقييم سفاح دعش للدول
-
قادة -حماس- يجب إعدامهم ميدانياً
-
هل يقبل الفصاميون حل الدولتين؟!
-
شنق الكلاب موروث ثقافي
-
الإرتقاء بالاستنارة والتقدم بالتبعية (2)
-
الإرتقاء بالاستنارة والتقدم بالتبعية (1)
-
حرام لراغب وحلال للداعية
-
الضمير الإنساني والضمير الديني (2)
-
الضمير الديني والضمير الإنساني
-
إذا كان الله معهم فمن هزمهم؟
-
الله وكارداشيان وخالة الحاكم
-
الملكية الإنسانية لا تخضع للسيادة
-
وضع الأقباط في الجمهورية الجديدة
-
اعتقلوهن بجرم الغناء (2)
-
اعتقلوهن بجرم الغناء
-
تقنيات تحارب غيبيات (2)
المزيد.....
-
بالصور.. قبة الصخرة بالمسجد الأقصى من الداخل
-
المرشد الأعلى الإيراني يقر بمقتل الآلاف في المظاهرات
-
قائد الثورة الإسلامية الإمام الخامنئي يستقبل جمعا غفيرا من
...
-
قائد الثورة الإسلامية: نعتبر الرئيس الأمريكي مجرما بسبب الاف
...
-
قائد الثورة الإسلامية: نعتبر ترامب مجرما بسبب الأضرار التي أ
...
-
اعتراف مرشح يهودي للكونغرس بوقوع الإبادة الجماعية في غزّة
-
بعد البهائيين واليهود.. حملة اعتقالات تطال المسيحيين في اليم
...
-
وفاة إمام مسجد نيجيري أنقذ حياة عشرات المسيحيين في 2018
-
شيخ الأزهر: الأقصى ركن من هوية المسلمين ومحاولات طمسه مرفوضة
...
-
بوتين لبزشكيان: خروج ملايين الإيرانيين في مسيرات دعماً للنظا
...
المزيد.....
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
-
نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية
/ د. لبيب سلطان
-
شهداء الحرف والكلمة في الإسلام
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|