أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - وسادة ريش النعام؛ الوسادة والتوّسد والمتموسدين قراءة بنيوية توليدية في السخرية الطبقية عند مفيد عباس















المزيد.....

وسادة ريش النعام؛ الوسادة والتوّسد والمتموسدين قراءة بنيوية توليدية في السخرية الطبقية عند مفيد عباس


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 20:08
المحور: الادب والفن
    


يقدّم مفيد عباس نصا ساخرا يبدو في ظاهره يوميا وعابرا، لكنه في عمقه يكشف بنية اجتماعية ورؤية للعالم يمكن مقاربتها بدقة عبر مفاهيم البنيوية التوليدية عند لوسيان غولدمان. فالنص، رغم بساطته السردية، لا ينهض بوصفه نكتة لغوية أو مفارقة طريفة فحسب، بل باعتباره تمثيلا رمزيا لوعي جماعي مأزوم، ولمسار اجتماعي مشروخ، تتقاطع فيه الرغبة الفردية مع انسدادات الواقع الطبقي، ويتحوّل فيه الاستهلاك إلى وهم خلاص، واللغة الساخرة إلى آلية دفاع وتعرية في آن واحد. أولا، إذا انطلقنا من مفهوم "الرؤية للعالم" عند غولدمان، فإن الحكاية تعكس رؤية عالم طبقة وسطى هشة، أو ما تبقى منها، تعيش تناقضا بين وعيها بذاتها وبين واقعها المادي والاجتماعي. الراوي لا ينتمي إلى طبقة مسحوقة كليا، ولا إلى برجوازية مستقرة، بل يقف في منطقة وسطى متأرجحة، وهو ما يفسر لجوءه إلى السخرية بوصفها شكلا تعبيريا ملائما لهذا الموقع الوسيط. إن إعلان الراوي أنه قرر "أن يهجر التواضع ويصعد أولى درجات البرجزة والترقي الطبقي" لا يأتي بوصفه تحولا فعليا، بل باعتباره حلما لغويا، أو تمثيلا رمزيا لرغبة في العبور الطبقي، سرعان ما تنكشف هشاشتها. الرؤية للعالم هنا ليست رؤية فرد معزول، بل هي بنية ذهنية مشتركة بين شريحة اجتماعية واسعة في المجتمع العراقي المعاصر، شريحة أنهكتها التحولات الاقتصادية، وفقدت ثقتها بالترقي الواقعي، لكنها ما تزال تحتفظ بوعي ساخر بذاتها وبمفارقات وضعها. ولذلك فإن النص لا يقدّم بطلا تراجيديا، بل ذاتا ساخرة، تعرف مسبقا عبث محاولتها، لكنها تمضي فيها بوصفها تجربة رمزية، أو مغامرة لغوية، لا أكثر.
ثانيا، من منظور مفهوم "البنية الدالة"، يمكن قراءة الحكاية بوصفها نظاما من العلاقات المتقابلة، لا بوصفها سلسلة أحداث متتابعة فقط. هناك تقابل أساسي بين وسادتين، وسادة "ساحة عدن" ووسادة "الحي الراقي". الأولى مرتبطة بالتواضع، بالاقتصاد، بالمعاناة الجسدية، وربما بالقبول القسري بالواقع. الثانية مرتبطة بالترف، بالبرجزة، بالوعد بالراحة، وبالخطاب الإعلاني الذي يحمّل السلعة أكثر مما تحتمل. هذا التقابل لا يعمل على مستوى الأشياء فقط، بل على مستوى الدلالات الاجتماعية التي تحملها. وسادة الريش، خصوصا حين تُعرّف بأنها من ريش النعام الطبيعي، تتحول من أداة نوم إلى رمز طبقي كثيف. البائع لا يبرر السعر بالجودة التقنية، بل بالأصل الطبيعي، وكأن الطبيعة نفسها صارت سلعة فاخرة. في هذا السياق، تنكشف بنية الاستهلاك الطبقي بوصفها خطابا، لا مجرد تبادل اقتصادي. الراوي لا يشتري وسادة فقط، بل يشتري وعدا رمزيا بالانتماء إلى عالم آخر، عالم "الأحياء الراقية" التي لا تحمل الوسادة فيها الرأس فقط، بل "تحمل عنك همومك أيضا". لكن البنية الدالة لا تكتمل إلا بالمفارقة الختامية، حين يتحقق الوعد على نحو كاريكاتوري. النوم كان مريحا فعلا، أي أن الوعد الجزئي تحقق، لكن النتيجة النهائية كانت تحول الراوي نفسه إلى كائن مريش. هنا تنقلب العلاقة بين الإنسان والسلعة. بدلا من أن تُهذّب السلعة الجسد، كما يوحي الخطاب البرجوازي، فإن الجسد هو الذي يتشوّه ويتحوّل بفعل السلعة. هذه النهاية لا تعمل بوصفها نكتة فحسب، بل بوصفها كشفا لبنية اغتراب عميقة، حيث لا يملك الفرد القدرة على استهلاك الرمز دون أن يستهلكه الرمز بدوره.
ثالثا، في ضوء مفهوم "الذات المتعالية" عند غولدمان، يمكن القول إن الراوي يمثل ذاتا فردية، لكنها مشدودة باستمرار إلى وعي جماعي. حديثه عن "البرجزة" و"الترقي الطبقي" لا ينبع من تجربة شخصية خالصة، بل من خطاب اجتماعي شائع، يتداوله الناس بوصفه حلما أو سخرية أو شتيمة أحيانا. حتى استخدام مفردات عامية مثل "مخدة" و"اكو عدنا" لا يهدف فقط إلى خلق واقعية لغوية، بل إلى تثبيت الصوت السردي داخل الجماعة، داخل لسانها اليومي، بما يحمله من بساطة وتهكم. الذات هنا ليست بطلا تاريخيا، بل ذاتا تمثيلية، تحمل تناقضات الجماعة التي تنتمي إليها. إنها ذات تعرف معنى الفقر النسبي، وتعرف أيضا إغراء الاستهلاك، لكنها عاجزة عن تحقيق مصالحة بين الاثنين. لذلك تلجأ إلى الحكاية الساخرة، بوصفها شكلا سرديا يسمح بقول ما لا يمكن قوله مباشرة. فالسخرية، في هذا النص، ليست زينة أسلوبية، بل بنية ذهنية، وطريقة في رؤية العالم.
رابعا، إذا انتقلنا إلى مفهوم "التشيؤ" كما يتقاطع عند غولدمان مع الفكر الماركسي، نجد أن الحكاية تقدم مثالا دالا على تشيؤ العلاقات الإنسانية. الوسادة، وهي أبسط أدوات الراحة، تتحول إلى موضوع محمّل بوعد نفسي واجتماعي مبالغ فيه. البائع لا يبيع الراحة، بل يبيع الانتماء. والراوي لا يشتري القماش والريش، بل يشتري صورة عن ذاته المستقبلية، صورة "مريشة" بالمعنى الاجتماعي، لا البيولوجي. غير أن النص يقلب هذا المسار، حين يجعل التشيؤ يرتد على الجسد نفسه. الريش لا يبقى داخل الوسادة، بل ينتقل إلى رأس الراوي ووجهه. هذه الصورة الكاريكاتورية يمكن قراءتها بوصفها استعارة مكثفة عن كيفيات تغلغل منطق السوق والاستهلاك في الجسد والهوية. الفرد لا يظل كما هو بعد دخوله في لعبة التمايز الطبقي، بل يتغير شكله، لغته، وربما إنسانيته. وفي هذا المستوى، تتجاوز السخرية حدود الضحك، لتلامس نقدا اجتماعيا لاذعا.
خامسا، من زاوية العلاقة بين البنية النصية والبنية الاجتماعية، وهي إحدى ركائز البنيوية التوليدية، يمكن القول إن قصر الحكاية لا يعني فقرها البنيوي. على العكس، النص يعمل كبنية مصغرة تعكس بنية اجتماعية أوسع. الحوار القصير مع البائع يعيد إنتاج علاقة القوة بين السوق والمستهلك. سؤال "ليش" الذي يطرحه الراوي يكشف محاولة عقلنة السعر، لكن الجواب "ريش نعام طبيعي" يعيد إنتاج منطق لا عقلاني، يقوم على الفخامة والندرة، لا على الحاجة الفعلية. حتى استدعاء الذاكرة، حين ينتقل الراوي بخياله إلى بيت علي عدنان ومخدته الإسمنتية، لا يعمل بوصفه حنينا بريئا، بل بوصفه مقارنة ضمنية بين عالمين. عالم القسوة الصادقة، وعالم النعومة المصطنعة. غير أن النص لا يمجّد الأول ولا يدين الثاني بشكل مباشر، بل يترك المفارقة تعمل بنفسها، وهو ما يمنحه قوة دلالية مضاعفة.
سادسا، السخرية هنا، وفق قراءة غولدمانية، ليست تعبيرا عن وعي متعال أو ساخر من الخارج، بل عن وعي مأزوم من الداخل. الراوي يسخر من نفسه قبل أن يسخر من الآخرين. يعترف بمحاولته "هجر التواضع"، وكأن التواضع صار قيمة أخلاقية موروثة، لا خيارا حرا. هذه السخرية الذاتية تكشف انكسارا عميقا في علاقة الفرد بقيمه، حيث تتحول القيم إلى أثقال، ويغدو التخلي عنها شرطا وهميا للراحة. النهاية، حين يكتشف الراوي أنه صار "مريشا"، تختصر هذه الرؤية للعالم. الوصف الشعبي الذي يُطلق عادة على من يبدو مرتاحا أو مرفها، يتحول إلى وصف حرفي، جسدي، يكاد يكون مسخيا. هنا تتجلى عبقرية السخرية، لأنها تحوّل المجاز الاجتماعي إلى واقع بيولوجي، فتفضح سخافته وقسوته في آن واحد.
سابعا، من حيث الوظيفة التوليدية للنص، يمكن القول إن الحكاية لا تنتج معناها من داخل اللغة فقط، بل من علاقتها بشروط إنتاجها الاجتماعية. إنها نص ابن مدينة، وابن طبقة، وابن مرحلة تاريخية تتسم بالاختلال بين الرغبة والقدرة. ولذلك فإن قابليتها للتأويل لا تنبع من غموضها، بل من كثافة إشاراتها اليومية، التي تبدو مألوفة، لكنها محمّلة بدلالات تتجاوزها. وبهذا المعنى، فإن مفيد عباس لا يكتب حكاية عن وسادة، بل عن وهم الراحة في مجتمع متعب. لا يكتب عن ريش النعام، بل عن ثقل الرموز الطبقية حين تُحمل أكثر مما تحتمل. ولا يكتب عن شخص بعينه، بل عن ذات جمعية تحاول أن تنام قليلا، فتستيقظ على مفارقة أشد إيلاما. في الختام، يمكن القول إن هذه الحكاية الساخرة تشكل نموذجا دالا على ما قصده غولدمان بالبنية الدالة المتولدة من رؤية للعالم. فهي نص قصير، لكنه مشبع بعلاقات اجتماعية ورمزية معقدة، نص ينجح في تحويل تجربة فردية بسيطة إلى تمثيل ساخر لبنية طبقية مختلة. ومن خلال السخرية، لا يقدّم مفيد عباس حلا أو خطابا مباشرا، بل يقدّم مرآة مشوهة قليلا، لكنها صادقة بما يكفي، ليرى القارئ فيها ريشه الخاص، إن وجد.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مساحات مؤقتة للمعنى في رواية إعدام رسام لسلام إبراهيم
- الطبري والحكاية المتقنة: هندسة السرد في التاريخ العربي عند س ...
- مرايا الصمت والعمى: خصائص الخطاب الأدبي لرواية -قارض الأيام- ...
- هل تصدقون أنني لا أعرف اسم الرئيس؟ عن هوس العراقيين بالسلطة ...
- بين ذاتٍ تتأمل وأخرى تسخر: جدلية الوعي الداخلي في فكر صالح ا ...
- جنة السلطة وجنة اللغة: قراءة شعرية في مفارقات كريم جخيور
- حين تتحول زلة اللسان إلى محكمة: بلقيس شرارة والسياب وغضب الف ...
- جدلية التحوّل ورؤية التاريخ في قصيدة المؤرخ والشاعر خالد الس ...
- كريم شغيدل: حين يتحول السؤال إلى معرفة
- القصيدة بوصفها تميمة لغوية ضد وهم الاكتمال؛ قراءة في قصيدة ب ...
- مالك المطلبي ومحمد خضير: قراءة معرفية في سرد المدينة والحلم
- الضوء الذي يعيد كتابة القصيدة؛ قراءة في قصيدة إيمان بلبلي
- أين يقف اليسار العراقي في لحظة العراق الراهنة؟
- سردية الزمن الجميل: قراءة في مقولة نازك الأعرجي
- الهوس بالسلالة: كيف تحوّل الماضي إلى خرافة هوية معاصرة؟
- إجلال في الوجدان أكثر من المساندة في الصناديق
- الاقتصادي الدولي نوزاد الهيتي؛ قراءة في سيرة اقتصادي مؤثر
- التاريخ والتأويل
- العالم رهن النظرية
- العرب وتفاعلات السلطة والمجتمع


المزيد.....




- “فيلة وسناجب”: فيلم يكشف صعوبة استرداد الكنوز الأثرية المنهو ...
- غوينيث بالترو تكشف عن فقدانها لدور سينمائي بعد إعلان انفصاله ...
- تطورات الحالة الصحية للفنان المغربي عبد الهادي بلخياط
- وزير الإعلام اللبنانى ينعى نجل الفنانة فيروز
- الممثلة المصرية لقاء سويدان تكشف إصابتها بالعصب السابع على ا ...
- -Paname-.. معرض الفنان التشكيلي الجزائري بلال حمداد يدخل با ...
- بعد صدور كتابه - أبو الهول حارس السر المجهول - ؛ اختيار عمرو ...
- سارايكتش للجزيرة نت: الاستشراق الصربي تحول إلى أداة لتبرير إ ...
- قصة الحب وراء تاج محل.. لماذا تتعدّد الروايات حول من شيّده؟ ...
- كيف تشكّل اللغة إدراكنا البصري؟


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - وسادة ريش النعام؛ الوسادة والتوّسد والمتموسدين قراءة بنيوية توليدية في السخرية الطبقية عند مفيد عباس