كريم المظفر
(Karim Al- Modhafar)
الحوار المتمدن-العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 15:42
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ينذر قيام الولايات المتحدة باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ، بإحداث هزت في الأسس التي بني عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية ، وأثار الاعتقال صدمة في الأوساط الدبلوماسية والسياسية العالمية، ووصف مراقبون الحدث بأنه "سابقة خطيرة ، قد تعيد تشكيل موازين القوى في القرن الحادي والعشرين"، بل وتنذر باشتعال صراعات إقليمية ودولية لم يسبق لها مثيل في العقود الأخيرة.
ففي تصريحات تبدو اليوم وكأنها نبوءة بمصيره ، فقبل أقل من 24 ساعة من العملية العسكرية الأمريكية التي استهدفته: وصف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ، الديمقراطية الغربية بأنها "في انحدار نهائي" ، وأن المواطن فقد سلطته أمام هيمنة المليارديرات ، وإن الديمقراطية الليبرالية الغربية في حالة انحدار نهائي، لم تعد تمثل الشعب ، وقال "ديمقراطيات بلا شعب يتم التلاعب بها، وتخدم مصالح المليارديرات والشركات، وتخضع للتلاعب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والمواطن لا يملك أي سلطة عندما يتعلق الأمر بالقضايا الجوهرية".
وأعادت عملية إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ، إلى الأذهان آخر تدخل أمريكي أطاح بزعيم في أمريكا اللاتينية عام 1989، عندما ألقت القوات الأمريكية القبض على الجنرال مانويل نورييغا في بنما ، ووُجهت إليه اتهامات في قضايا فيدرالية تتعلق بتهريب المخدرات ، واتهمه المسؤولون الأمريكيون في ذلك الوقت بقبول ملايين الدولارات كرشاوى ، من مهربي المخدرات وتحويل بنما إلى عاصمة دولية لتهريب الكوكايين، حسب مزاعمهم .
وتلك الحادثة تحمل بعض أوجه التشابه الصارخة ، مع عملية القبض على نيكولاس مادورو في فنزويلا السبت، مع وجود بعض الاختلافات الجوهرية ، ففي ديسمبر 1989، أرسل الرئيس جورج بوش الأب قوات أمريكية إلى بنما ، بهدف إلقاء القبض على نورييغا، الذي كان الحاكم العسكري للبلاد ، لمدة ست سنوات تقريبا ، واختبأ نورييغا في سفارة الفاتيكان في مدينة بنما، حيث تم القبض عليه في نهاية المطاف، ونُقل إلى الولايات المتحدة، وحُوكم وسُجن.
أما العملية العسكرية التي وصفها ترامب ، لالقاء القبض على مادورا وزوجته ، بأنها "مثالية" واستغرقت "أقل من 30 دقيقة"، لم تستهدف، وفق التقارير، منشآت تهريب المخدرات كما زعم أولا، بل ركزت على تعطيل الدفاعات الجوية وقصف القواعد العسكرية والمطارات، ما يشير إلى أن الهدف الحقيقي كان إسقاط النظام، لا محاربة الجريمة ، وتنص الاستراتيجية الأمنية الأمريكية الجديدة ، بوضوح:"سنمنع المنافسين من خارج نصف الكرة ، من نشر قوات أو امتلاك أصول استراتيجية في منطقتنا " .
ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ، كشف النوايا الامريكية القادمة ، وأشار الى احتمالية أن تطمح إدارة الرئيس دونالد ترامب ، إلى استهداف كوبا بعد فنزويلا في إطار سعيها لاستعادة النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي ، وقال: "لو كنت أحد المسؤولين في الحكومة الكوبية، لشعرت ببعض القلق" ، وشدّد روبيو، المعروف باهتمامه الطويل بملفَي فنزويلا وكوبا، على أن من يقيم في هافانا ويشغل منصباً حكوميا "لابد أن يكون قلقا ولو قليلا".
وليس كوبا ، التي تواجه حكومتها مخاوف خاصة، إذ تعتمد بشكل كبير على النظام الفنزويلي ، لتوفير الطاقة الرخيصة والدعم السياسي والاقتصادي ، وحدها مهددة بمصير مادورا ، فقد وجّه الرئيس الأمريكي تحذيرا واضحا إلى الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، مؤكدا أن الأخير يمتلك مصانع لإنتاج الكوكايين في بلاده، داعيا إياه إلى ضرورة توخي الحذر ، قال ترامب، ردا على سؤال بشأن بيترو: "إنه ينتج الكوكايين ويُرسل إلى الولايات المتحدة، لذا فعليه أن يكون حذرا حقا" ، وقد استقبل قادة المنطقة الانقلاب بغضب وقلق بالغين ، ولعلّ أبرز مخاوفهم هو احتمال أن يصبحوا هم أيضاً ضحايا للهيمنة الجديدة لواشنطن. بمن فيهم الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، الذي تصادم مع ترامب في الأشهر الأخيرة
تحذيرات ترامب ، دفعت رئيس كولومبيا الى نشر حساباته المصرفية علنا ، في محاولة لإثبات عدم صلته بتهريب المخدرات، وهو ادعاء أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تثبت صحته ، كما وبدأت وحدة المعلومات والتحليل المالي في كولومبيا هذا الأسبوع ، في نشر كشوف حسابات الرئيس المصرفية للصحافة من عام 2022 وحتى يونيو من هذا العام، بعد أن أمر الرئيس بالإفصاح عنها يوم الإثنين ، وكتب بيترو على موقع التواصل الاجتماعي "إكس": "ألا تجدون أنه من اللافت للنظر أن حساباتي ومعاملاتي المصرفية تتعارض مع تقييم الرئيس (دونالد) ترامب لرئيس منتخب ديمقراطيا من جانب الكولومبيين؟" ، ومع ذلك، يشكك المحللون في أن نشر حسابات الرئيس سيحقق هذا الهدف، محذرين من أن الخطوة أثارت بدلا من ذلك نقاشا عاما حول حياته الخاصة.
وبإعلانه النصر من منتجع مارالاغو، يكون ترامب قد وضع حجر الأساس ، لتطبيق نسخة محدثة من "مبدأ مونرو"، يطلق عليها البعض الآن تسمية "مبدأ دونرو"(نسبة إلى ترامب)، والذي ينص على أن "نصف الكرة الغربي هو الحديقة الخلفية الحصرية للولايات المتحدة"، مع رفض أي نفوذ عسكري أو استراتيجي لقوى خارجية ، وأعلن ترامب أن المبدأ التاريخي للسياسة الخارجية ، المعروف باسم "مبدأ مونرو" (مبدأ مونرو هو برنامج للسياسة الخارجية الأمريكية ، أعلنه الرئيس جيمس مونرو في ديسمبر 1823، ودعا فيه القوى الأوروبية إلى الامتناع ، عن مزيد من الاستعمار أو التدخل السياسي في شؤون دول نصف الكرة الغربي ، ومع مرور الوقت، أصبح هذا المبدأ يُفسر على أنه تأكيد للهيمنة الجغراسياسية الأمريكية على المنطقة ) ، قد تم تجاوزه وتحويل اسمه إلى "مبدأ دونرو" نسبة إليه كدونالد.
ورغم تجنب الاتحاد الأوروبي الإدانة الصريحة ، لكنه دعا إلى "ضبط النفس"، في موقف يعكس الانقسام الداخلي بين رغبة بعض الأعضاء في رحيل مادورو، ورفضهم المطلق لوسيلة الإطاحة به ، الا إن انقلاب ترامب ، يثير قلقًا بالغًا أيضا لدى بريطانيا والاتحاد الأوروبي والديمقراطيات الغربية ، وينبغي عليهم، كما قالت صحيفة " ذا غارديان" بل يجب عليهم، إدانته بشكل قاطع ، فهو يُشكّل تحديًا مباشرًا لقواعد ومبادئ النظام الدولي التي يعتزون بها ، فقد تجاهلت الولايات المتحدة مرة أخرى الأمم المتحدة والأساليب التقليدية لمعالجة المظالم بين الدول ، ويبدو أنها تتصرف دون أدنى اعتبار أو تفكير فيما سيحدث لاحقاً في فنزويلا ، كما وينبغي أن يضع تصرف ترامب المتهور ، حداً نهائياً لتصويره لنفسه دائماً بأنه "صانع سلام عالمي" ، وقد آن الأوان لكي يعترف كير ستارمر وغيره من القادة الأوروبيين علناً بحقيقته، فهو مُشعل حروب عالمية، وخطر شامل.
وتوحدت ردود الفعال الدولية بالتعبير عن قلقها الشديد إزاء اختطاف الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ، ومطالبة واشنطن بضمان سلامتهما وإطلاق سراحهما فورا ، ففي الوقت الذي اعتبرت فيه روسيا العملية "عدوانا مسلحا"، ووصفت وزارة خارجيتها ، الذرائع الأمريكية بأنها "كاذبة"، معتبرة أن التدخل يعكس "العداء الأيديولوجي لا البراغماتية " ، كما دعت موسكو إلى عقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن، محذرة من أن الوضع يهدد "السلم الإقليمي والدولي ، ففي أمريكا اللاتينية، وصف الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا الحدث بأنه "سابقة خطيرة للغاية للمجتمع الدولي بأسره"، بينما اعتبره الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل "إرهاب دولة" ، وأدانت المكسيك العملية باعتبارها "انتهاكا صريحا للمادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة"، التي تحظر استخدام القوة ، وحتى في الحلف الغربي، عبرت سويسرا والنمسا عن قلقهما، مطالبتين واشنطن باحترام "مبدأ السيادة وحظر استخدام القوة" ، في حين أكدت الصين ، أن هذا الإجراء يُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ، وللأعراف الأساسية التي تحكم العلاقات الدولية، ويتعارض مع أهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
إن الانقلاب الذي نفذته القوات الأمريكية على نيكولاس مادورو، الرئيس الاشتراكي المتشدد لفنزويلا، واعتقاله، سيثير حتما موجة من الخوف والذعر في جميع أنحاء العالم ، فالانقلاب غير شرعي وغير مبرر ويزعزع الاستقرار على الصعيدين الإقليمي والعالمي ، وهو يخالف الأعراف الدولية ويتجاهل الحقوق السيادية للأراضي ، ويُحتمل أن يؤدي إلى حالة من الفوضى داخل فنزويلا نفسها ، والعالم الذي نعيش فيه الآن هو عبارة عن فوضى مقنّعة بالسياسة.
احتجاز مادورو من وجهة نظر المراقبين ، يمثل خطرا مضاعفا بالنسبة لدول الخليج النفطية، فإلى جانب احتمال تكرار سيناريو فنزويلا عبر المؤامرات والانقلابات، يساورها القلق من سيطرة الولايات المتحدة ، على ما يقارب نصف نفط العالم ، فقد بات المعسكر الأمريكي الآن يضمن إمدادات النفط في حال نشوب حرب مع الصين ، ويتعين على ترامب الآن قطع مصادر النفط البديلة للصين ، روسيا وإيران والدول العربية بالخليج ، وأمام ترامب وقت ضيق للغاية، ففي الأشهر المقبلة، سيضاعف جهوده في هذا المسار.
#كريم_المظفر (هاشتاغ)
Karim_Al-_Modhafar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟