مكسيم العراقي
كاتب وباحث يؤمن بعراق واحد قوي مسالم ديمقراطي علماني بلا عفن ديني طائفي قومي
(Maxim Al-iraqi)
الحوار المتمدن-العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 00:09
المحور:
الارهاب, الحرب والسلام
8. الرعب الذي اجتاح النظام العراقي والايرني
9. عملية كاراكاس وتاثيرها على طغم العتاكة في العراق
10. نافذة بيع الدولار العراقية الفاسدة التي تربط العراق عضويا بالنظام المالي الامريكي
11. هندسة الاستنزاف الامريكي المقنن للعراق وكيف تُنهب الثروة قبل وصولها؟
12. صمت الافاعي والثعالب الغربية
13. رد تنين الشرق ودب الشمال
14. سمعة الولايات المتحدة الامريكية
(8)
الرعب الذي اجتاح النظام العراقي والايرني
يعدّ المشهد العراقي المختبر الأوضح لتطبيق المنطق الترامبي القائم على مقايضة السيادة بالموارد، حيث تظهر الازدواجية الأمريكية في أبهى صورها عند مقارنة التعامل مع فنزويلا بالتعامل مع العراق. فبينما يتم اجتياح كاراكاس واختطاف رئيسها بذريعة محاربة الفساد والمخدرات، تغض واشنطن الطرف عن منظومة فساد وارهاب ومخدرات هيكلية في العراق أهدرت مئات المليارات وأنتجت بيئة خصبة للإرهاب وداعش، والسبب يكمن في لب المعادلة: النفط والاتفاقيات الاستراتيجية التي تضمن تدفق الثروة إلى الشركات الكبرى وبقاء الدولار مهيمناً على مبيعات الطاقة.
إن الصمت الأمريكي عن عربدة بعض الفصائل والمليشيات، رغم استهدافها لمصالحها، ليس ضعفاً عسكرياً بقدر ما هو تغافل نفعي؛ فطالما أن النفط العراقي يتدفق عبر جولات التراخيص في الجنوب وعبر تفاهمات نفط الشمال والاقليم، وطالما أن نافذة بيع العملة في البنك المركزي العراقي تغذي النظام المالي العالمي بالدولار، فإن واشنطن مستعدة لابتلاع بعض الإهانات الأمنية. هذا هو جوهر الرأسمالية في مرحلة التعفن، حيث يتم اختزال الدولة إلى بئر نفط ومصرف، ويُترك الشعب ليعاني من آثار الإرهاب والفساد طالما أن العقود محمية.
في كواليس العقود والفساد المحمي:
• الاستعمار بالوكالة: تدرك أمريكا أن بقاء نظام فاسد وضعيف في العراق هو الضمانة الوحيدة لاستمرار عقود النفط المجحفة؛ فالدولة القوية الوطنية ستراجع جولات التراخيص (خاصة في البصرة وميسان وكركوك والشمال) التي تمنح شركات مثل إكسون موبيل وبريتش بتروليوم امتيازات طويلة الأمد بتكاليف استرداد عالية جداً ترهق ميزانية البلاد.
• نفط الشمال والجنوب كعربون صمت: التحليل يكشف أن العقود المبرمة في إقليم كردستان مع شركات أمريكية وغربية، إلى جانب السيطرة على حقول كركوك، والجنوب خلقت شبكة مصالح عابرة للحدود تجعل من تغيير النظام أو المحاسبة على الفساد خطراً على أرباح المساهمين في نيويورك ولندن، لذا يظل الاستقرار النفطي مقدماً على العدالة السياسية.
• صناعة الفوضى المنضبطة: إنتاج إرهاب مثل داعش لم يكن مجرد صدفة، بل كان نتيجة حتمية لفساد السلطة الذي باركته واشنطن لسنوات؛ فالفوضى تسمح باستمرار العسكرة وزيادة مبيعات السلاح، وتجعل من الوجود الأمريكي ضرورة أمنية لحماية المنشآت النفطية، وهو تطبيق حرفي لاستراتيجية الحرب بأقل تكلفة عبر إدارة الصراعات لا إنهاءها.
• ازدواجية مادورو مقابل بغداد: الفرق بين فنزويلا والعراق هو أن الأولى أممت نفطها وطردت الشركات الأمريكية فاستُهدفت بالاحتلال والاختطاف، بينما الثانية شرّعت أبوابها للشركات العالمية وتنازلت عن سيادتها المالية، فكوفئت بصمت دولي عن فساد يزكم الأنوف، مما يثبت أن حقوق الإنسان والقانون الدولي ليسا سوى أدوات ضغط تُشهر وتُغمد حسب مصلحة الخزينة الأمريكية.
إن العراق يمثل النموذج الذي تريده الرأسمالية المحتضرة: دولة رخوة، موارد منهوبة، وفساد محمي.
(9)
عملية كاراكاس وتاثيرها على طغم العتاكة في العراق
أحدثت عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو اليوم (3 كانون الثاني 2026) زلزالاً سياسياً في أروقة المنطقة الخضراء ببغداد، حيث يعيش نظام الحكم العراقي حالة من الذعر غير المسبوق. هذا الارتعاب ليس نابعاً من التضامن الأيديولوجي، بل من إدراك النخبة الحاكمة أن الحماية الأمريكية التي يستندون إليها ليست شيكاً على بياض، وأن واشنطن في عهد الإمبريالية الفجة لم تعد تتردد في تصفية حلفائها أو غض الطرف عنهم ثم الانقضاض عليهم إذا اقتضت مصلحة النفط مقابل البقاء ذلك.
إن الرسالة التي وصلت لبغداد اليوم واضحة: إذا كان مادورو قد اختُطف من حصنه رغم امتلاكه جيشاً وعقيدة سياسية، فإن الأنظمة التي تعتاش على التخادم النفطي مع واشنطن وتبني بقاءها على الفساد المحمي هي أكثر عرضة للانهيار الصاعق. هذا الخوف العراقي يتغذى من حقيقة أن واشنطن تملك ملفات إدانة جاهزة لكل شخوص السلطة في العراق، من غسيل الأموال إلى دعم الإرهاب، وهي ملفات تُشهرها أمريكا كـسيف ديموكليس فوق رقابهم لضمان استمرار تدفق النفط وتنفيذ الأجندات الإقليمية.
ذعر المنطقة الخضراء وتداعياته:
• التحوط القلق: يسود حالياً صمت مطبق في الأوساط الرسمية العراقية، وهو شعور الخائف الذي لا يريد استعداء واشنطن ، ولا يريد إثارة حلفائه الإقليميين بالصمت؛ لكن خلف الكواليس، هناك استنفار لمراجعة ضمانات البقاء والتأكد من أن عقود النفط في الجنوب وكردستان لا تزال تلعب دور صمام الأمان ضد سيناريو مشابه.
• مصير الصكوك المفتوحة: يدرك القادة في العراق أن أمريكا التي صمتت عن فسادهم الذي أنتج داعش، يمكنها في لحظة احتضار رأسمالي أن تقرر تأميم نفوذها بشكل مباشر كما فعلت في فنزويلا، خاصة إذا شعرت أن النظام العراقي لم يعد قادراً على لجم المليشيات التي تعربد ضد مصالحها.
• خديعة الاستقرار النفطي: الارتعاب الحالي نابع من فهم عميق بأن أمريكا لا تحترم الشركاء بل تحترم الموارد؛ فالعراق بالنسبة لواشنطن هو محطة وقود كبيرة، واليوم تأكد للجميع أن أي خلل في أداء هذه المحطة أو محاولة للمناورة مع أقطاب دولية أخرى (الصين وروسيا) قد يُجابه بـعملية إنفاذ قانون تقلع الرؤوس من كراسيها.
• الانهيار المعنوي لغطاء السيادة: عملية اليوم أطلقت رصاصة الرحمة على مفهوم السيادة الذي يتشدق به نظام الحكم في العراق؛ فإذا كان القانون الدولي لم يحمِ رئيس دولة مستقلة في قارته، فإنه لن يحمي نظاماً أُسس بقرار أمريكي وما زال بنكه المركزي يخضع لرقابة الفيدرالي في نيويورك، مما يجعل السلطة في العراق تعيش شعور الرهينة التي تنتظر دورها.
إن النظام العراقي يقف اليوم أمام مرآة فنزويلا، حيث يرى أن عقود النفط التي ظن أنها تحميه، قد تكون هي ذاتها السبب في نهايته إذا ما قرر المالك تغيير المدير.
لقد عرض ماداورو التفاوض ووسط دول ولكن النتيجة كانت صادمة!
كانت امريكا تريد ان تلقن العالم درسا في البلطجة والعدوان!
(10)
نافذة بيع الدولار العراقية الفاسدة التي تربط العراق عضويا بالنظام المالي الامريكي
تُعد نافذة بيع العملة في العراق واحدة من أكثر الأدوات المالية تعقيداً وإثارة للجدل، فهي ليست مجرد وسيلة لتنظيم سعر الصرف المحلي، بل هي صمام أمان جيوسياسي يربط الاقتصاد العراقي عضوياً بالنظام المالي الأمريكي. من خلال إيداع عائدات النفط العراقي في حسابات لدى البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، تضمن واشنطن أن كل دولار يدخل العراق يمر عبر بوابتها الرقابية، مما يحول النافذة إلى أداة مزدوجة: تمويل غير مباشر لاستقرار النظام المالي الأمريكي عبر إيداعات ضخمة، ومنصة استخباراتية مالية لمراقبة حركة الأموال في عمق المنطقة.
إن السياسة الأمريكية التي نراها اليوم (كانون الثاني 2026) تعتمد على تحويل الشفافية المالية إلى سلاح؛ فمن خلال المنصات الإلكترونية التي فرضتها واشنطن على البنك المركزي العراقي، أصبح لدى الخزانة الأمريكية القدرة على تعقب الرحلة النهائية لكل دولار، ومعرفة من يشتريه ولأي غرض. هذا لا يحمي فقط النظام المالي الأمريكي من غسيل الأموال، بل يمنحه قدرة فائقة على خنق أي تحركات مالية تخدم خصومها في المنطقة، مما يجعل من الفساد العراقي فساداً مُهندساً يُغض الطرف عنه طالما أنه لا يهدد المصالح الأمريكية العليا أو يخرج عن مسارات الرقابة المحددة.
في هندسة التبعية المالية والرقابة:
• الرهينة المالية: وضع أموال النفط العراقي في نيويورك يعني أن العراق يمنح أمريكا قرضاً مفتوحاً من السيولة الضخمة التي تعزز قوة الدولار، وفي المقابل، تملك واشنطن حق الفيتو على تسليم هذه الأموال لبغداد، مما يجعل أي قرار سيادي عراقي مرهوناً بمدى الرضا الأمريكي عن سلوك الحكومة.
• المنصة كأداة تجسس: التحول إلى الأنظمة الإلكترونية في بيع العملة ليس تقنياً فحسب، بل هو رادار مالي يكشف شبكات التمويل الإقليمية؛ فالذكاء الأمريكي يكمن في السماح بمرور بعض الأموال لتمويل نظام الفساد لضمان ولائه، بينما يتم قطع الإمداد فوراً عن أي جهة تحاول كسر الحصار على إيران أو فنزويلا.
• تمويل النظام الأمريكي بأموال العراق: عبر نافذة العملة، تُجبر المصارف العراقية على الاحتفاظ بآلاف المعاملات قيد المراجعة في المصارف المراسلة الأمريكية (مثل جي بي مورغان وسيتي بنك)، مما يمنح هذه المصارف سيولة مجانية هائلة تُستخدم في استثمارات عالمية، بينما ينتظر التاجر العراقي أساييع لتنفيذ حوالته وهو تاجر مرتبط بالمليشيات والاحزاب الحاكمة من اجل تحقيق ارباح طائلة على حساب مال الشعب العراقي.
• لعبة الفساد المنضبط: الصمت عن نظام المحاصصة والفساد في العراق هو جزء من عقد التخادم؛ واشنطن تدرك أن الفاسدين هم الأحرص على بقاء النظام المالي الحالي لأن أموالهم المهربة تمر عبر ذات القنوات الأمريكية، مما يخلق طبقة سياسية عراقية هي في الحقيقة حارس أمن للمصالح المالية الأمريكية.
لقد تحول العراق إلى رئة مالية يتنفس منها النظام الأمريكي في المنطقة، مع ضمان أن هذه الرئة تعمل فقط بالأكسجين الذي تسمح به واشنطن.
رغم كل ذلك الاستغلال فان الاموال العراقية والثروات الطائلة تتدفق على ايران وتمنع نشوء صناعة او زراعة او جمع للغاز المصاحب حقيقي من اجل ان يكون العراق رئة لنظام الملالي والموامنة المحتضر حتى تقرر امريكا غير هذا!
(11)
هندسة الاستنزاف المقنن للعراق وكيف تُنهب الثروة قبل وصولها؟
تتم عملية السيطرة على أموال النفط العراقي عبر دورة مالية تبدأ من مياه الخليج وتنتهي في حسابات دي جي بي مورغان والاحتياطي الفيدرالي، وهذه الأرقام والآليات توضح حجم التبعية:
• عمولات المصارف المراسلة: كل دولار يخرج من العراق عبر نافذة بيع العملة يمر بمصارف وسيطة (غالباً أمريكية). هذه المصارف تفرض رسوماً تتراوح بين 0.5% إلى 1% على كل حوالة. في بلد يستورد سلعاً بقيمة تقارب 50-80 مليار دولار سنوياً، تذهب مئات الملايين من الدولارات كعمولات صرفة لهذه المصارف مقابل خدمة هي في الحقيقة رقابة أمنية.
• فوائد الإيداع الإجباري: تودع أموال النفط العراقي في حساب DFI (صندوق تنمية العراق سابقاً) في نيويورك. هذه المبالغ التي تتراوح أحياناً بين 80 إلى 100 مليار دولار كاحتياطي، تستفيد منها البنوك الأمريكية كسيولة للاستثمار والإقراض بفائدة مرتفعة، بينما يحصل العراق على فوائد ضئيلة جداً، ما يعني أن العراق يمول النشاط البنكي الأمريكي بأمواله الخاصة.
• فوارق سعر الصرف (الضريبة المخفية): الفرق بين سعر الصرف الذي تبيعه نافذة العملة والسعر في السوق الموازي يخلق فجوة مالية تُقدر بـ مليارات الدنانير يومياً. هذه الأموال لا تذهب للتنمية، بل تتقاسمها مصارف الظل التابعة لأحزاب السلطة، والتي تعمل بعلم واشنطن طالما أنها تضمن بقاء النظام المالي مرتبطاً بالدولار.
سلاسل التبعية المالية:
• الخنق الإلكتروني: فرض المنصة الإلكترونية مؤخراً لم يكن لمحاربة الفساد فقط، بل هو رقابة لضمان أن كل دولار عراقي يُنفق يجب أن يساهم في دورة رأس المال الغربي. أي تاجر عراقي يريد الاستيراد من دول لا تدور في الفلك الأمريكي يُرفض طلبه، مما يجبر الاقتصاد العراقي على البقاء مستهلكاً للمنتجات التي ترضى عنها واشنطن.
• أجور الحماية المبطنة: إن القبول بفساد النظام المالي العراقي هو ثمن باهظ تدفعه أمريكا سياسياً، لكنها تقبضه اقتصادياً؛ فبقاء العراق كدولة ريع وحيد (نفط فقط) دون زراعة أو صناعة يضمن بقاءه سوقاً مفتوحة للدولار الأمريكي، وهذا هو قمة الاستهتار بالسيادة الذي تمارسه الرأسمالية في مرحلة تعفنها.
• النفط كرهينة قانونية: استخدام أمريكا لقوانين الحصانة أو التهديد برفعها عن الأموال العراقية في نيويورك يجعل أي تفكير عراقي بالخروج عن الوصاية المالية انتحاراً اقتصادياً، حيث تملك واشنطن القدرة على تجميد ميزانية الدولة بضغطة زر واحدة، وهو ما يفسر ارتعاب النظام الحاكم من أي تحول في السياسة الأمريكية.
• تمويل العجز الأمريكي بأموال الفقراء: من خلال شراء العراق للسندات الأمريكية (التي تُعد جزءاً من احتياطياته)، يتحول العراق فعلياً إلى مقرض للحكومة الأمريكية لتمويل عجز ميزانيتها وعملياتها العسكرية، في مفارقة تاريخية حيث تمول الضحية آلة الحرب التي قد تُستخدم ضدها يوماً ما (كما رأينا في سيناريو فنزويلا).
بهذا نكون قد أكملنا لوحة التحليل التي تربط بين الإمبريالية العارية التي يمثلها ترامب، والتعفن الرأسمالي، وصولاً إلى أدوات السيطرة المالية في العراق وفنزويلا.
(12)
صمت الافاعي والثعالب الغربية
بينما كانت الطائرات المروحية الأمريكية تحلق فوق كاراكاس في هذا اليوم (3 يناير 2026)، لم يكن صمت العواصم الغربية إلا صمتاً مدروساً يعكس طبيعة الأدوار التي تتقاسمها أفاعي وذئاب وثعالب المنظومة الرأسمالية العالمية. إن رد الفعل الغربي تجاه هذا الاستهتار المنفلت بالقانون الدولي يكشف عن وحدة المصير في مواجهة احتضار نظامهم المالي، حيث تلاشت دعوات حقوق الإنسان والديمقراطية أمام نشوة الانقضاض على أكبر بئر نفط في العالم، في مشهد يعيد للأذهان تقاسم الغنائم الاستعمارية في القرون الخالية.
تجلت أفاعي النظام المالي العالمي في المؤسسات البنكية والشركات العابرة للقارات التي بدأت فوراً في نفث سمومها عبر إصدار تقارير تتحدث عن فرص استثمارية واعدة في فنزويلا المحتلة، متجاهلة دماء المدنيين وسيادة الدولة. هذه الأفاعي التي تتحرك بهدوء في كواليس البورصات، بدأت بتجميد الحسابات المتبقية للشعب الفنزويلي وتحويلها لخدمة الإدارة الجديدة، وهو ما ينسجم تماماً مع دورها في العراق حين امتصت ثرواته عبر عقود التراخيص ونافذة العملة، منتظرة لحظة انقضاض الذئب لتشرع في عملية الامتصاص الطفيلي للموارد.
أما ذئاب العسكرة في أوروبا (حلف الناتو)، فقد أظهرت رد فعل يتسم بالتبعية الشرسة، حيث سارعت بإصدار بيانات تفهم للدوافع الأمريكية، بل وبدأت في تحريك قطع بحرية تحت ذريعة تأمين طرق الملاحة في الكاريبي. هؤلاء الذئاب الذين يعانون من أزمات طاقة طاحنة، وجدوا في العدوان الأمريكي فرصة للحصول على حصة من الفريسة الفنزويلية لتعويض النقص الناتج عن توترات شرق أوروبا، مثبتين أن الأخلاق السياسية الغربية تنتهي عند حدود برميل النفط، وأنهم شركاء أصيلون في جريمة العدوان طالما أن الغنيمة ستوزع على مائدتهم الإمبريالية.
وفي الزوايا المظلمة، تحركت ثعالب الدبلوماسية الغربية لتمارس دورها التقليدي في تبرير القبح؛ فبدأت بفتح نقاشات قانونية عقيمة حول شرعية التدخل وملاحقة تجار المخدرات، في محاولة لغسل يد واشنطن من دماء العدوان العسكري. هذه الثعالب هي التي صمتت عن فساد النظام في العراق لأنه يمنحها النفط، وهي التي تبرر اليوم اختطاف مادورو لأنه تجرأ على تأميم ثروات بلاده. إن مكر هذه القوى يكمن في قدرتها على تحويل البلطجة إلى ضرورة أمنية، مما يثبت أن الرأسمالية في مرحلة تعفنها فقدت حتى القدرة على الخجل، واستبدلت القانون الدولي بشريعة الغابة التي لا تحترم إلا الناب والمخلب.
في تحالف الكواسر الغربية:
• ذكاء توزيع الأدوار: تدرك القوى الغربية أن سقوط فنزويلا اليوم هو طوق نجاة مؤقت لنظامها المالي المتهاوي، لذا فإن صمتها هو استثمار في الفوضى التي تخدم تدفق الثروة من الجنوب المنهوب إلى الشمال المترف.
• سقوط الأقنعة: إن رد الفعل الغربي اليوم ينهي أسطورة المجتمع الدولي؛ فالعالم بات يرى بوضوح أن الغرب ليس إلا كتلة نهب منظمة، تستخدم القانون حين يكون سلاحاً ضد الضعفاء، وتدوس عليه حين يصبح عائقاً أمام أطماع الذئاب.
• رعب الثعالب من البدائل: يرتعب الغرب من بروز أي نظام مالي بديل (صيني أو روسي) يحرر النفط من قبضة الدولار، لذا فإن دعمهم للعدوان هو محاولة بائسة لإغلاق النافذة الفنزويلية التي كانت تلوح كبديل للمتمردين على الهيمنة.
• الاستهتار كنهج وجودي: إن تحالف الأفاعي والذعاب والثعالب اليوم يثبت أن الرأسمالية لا يمكنها البقاء دون عدوان مستمر؛ فالتنمية والتقدم في دول مثل فنزويلا أو العراق هي تهديد وجودي لرفاهية الغرب التي تقوم أساساً على امتصاص دماء الآخرين.
لقد اجتمعت كواسر الغرب اليوم على مأدبة فنزويلا، لكن التاريخ يعلمنا أن الوحوش التي تتغذى على جثث الشعوب تنتهي بالتهام بعضها البعض حين تنضب الغنائم.
(13)
رد تنين الشرق ودب الشمال
يُراقب تنين الشرق ودب الشمال المشهد في كاراكاس اليوم (3 كانون الثاني 2026) بعيون لا تغفل عن حقيقة أن ما جرى لمادورو هو تمرين عملياتي قد يُستنسخ في مناطق نفوذهم إذا لم يوضع له حد استراتيجي. فبالنسبة لموسكو وبكين، لا يمثل اختطاف الرئيس الفنزويلي مجرد سقوط حليف سياسي، بل هو هدم صريح لقواعد تعدد الأقطاب التي نادوا بها لسنوات، وإعادة فرض قسرية لمنطق القطب الواحد الذي يستخدم القوة الخشنة والاختطاف لتجاوز العجز الاقتصادي. إن رد الفعل القادم من الشرق لن يكون منفعلاً أو عاطفياً، بل سيتركز على تحويل القرصنة الأمريكية إلى فرصة لتعميق عزلة واشنطن الدولية وبناء جدران صد مالية وعسكرية تمنع تكرار هذا السيناريو.
تتجه بكين، بهدوئها المعهود وذكائها الاقتصادي، نحو تسريع عملية إلغاء الدولار في تعاملات الطاقة العالمية، حيث ترى أن الهجوم على فنزويلا هو تهديد مباشر لأمنها القومي الطاقي. الرد الصيني الاستراتيجي سيتمثل في عرض مظلة حماية مالية للدول التي تخشى مصير فنزويلا، عبر تحفيزها على الانضمام لمنظومات دفع بديلة (مثل CIPS) بعيداً عن الرقابة الأمريكية المباشرة التي تمارس عبر نافذة العملة. هذا الرد يهدف إلى إفراغ سلاح العقوبات من محتواه، وتحويل الاقتصاد الأمريكي المنكفئ إلى جزيرة معزولة لا تملك سوى القوة العسكرية للتعامل مع عالم يرفض التعامل بعملتها.
الرد الاستراتيجي المتوقع لمحور موسكو-بكين:
• تتجه موسكو نحو الرد الهجين الذي يستهدف استنزاف المصالح الأمريكية في نقاط تماس أخرى؛ التحليل يشير إلى أن روسيا قد ترد على تجاوز الحدود في كاراكاس عبر تصعيد نوعي في أوكرانيا أو تعزيز الوجود العسكري في مناطق حساسة قريبة من القواعد الأمريكية، لإرسال رسالة مفادها أن العربدة في الحوش الخلفي ستقابلها ضغوط مضاعفة في مناطق النفوذ الحيوية.
• الرد المشترك سيكون عبر الأممية القانونية الجديدة ربما؛ حيث ستعمل موسكو وبكين على حشد دول الجنوب العالمي داخل تكتلات (مثل بريكس ومنظمة شنغهاي) لتبني ميثاق جديد يجرّم العدوان القانوني والاختطاف السياسي، مما يجعل من أي تحرك أمريكي مستقبلي عملاً منبوذاً دولياً يفتقد لأي غطاء سياسي حتى من الحلفاء المترددين.
• اقتصادياً، سيعمل هذا المحور على تأمين منابع البدائل؛ فإذا كانت أمريكا قد سيطرت على نفط فنزويلا، فإن الرد سيكون بتعميق الشراكات النفطية مع إيران (عبر استثمارات بديلة للشركات الغربية) لخلق سوق موازية لا تخضع للابتزاز الأمريكي، وهو ما سيعزز من أزمة التعفن الرأسمالي عبر حرمان واشنطن من أدوات التحكم في الأسعار العالمية.
• عسكرياً، قد نشهد تحولاً من الدعم الدبلوماسي إلى الردع التقني؛ حيث ستقوم موسكو وبكين بتزويد الدول الرافضة للهيمنة بأنظمة دفاع جوي وصواريخ رادعة تجعل من الحرب الصاعقة أو عمليات الاختطاف مغامرة باهظة التكلفة لا تستطيع الميزانية الأمريكية المحتضرة تحملها.
• الهدف النهائي للرد الشرقي هو الصبر الاستراتيجي الذي يراهن على أن توحش الرأسمالية الأمريكية هو علامة نهايتها؛ فكلما زادت فجاجة الأطماع والاعتداءات، كلما تسارع تشكل جبهة عالمية موحدة ترى في أمريكا خطراً على الاستقرار البشري وليس مجرد منافس سياسي.
إن الصدام القادم ليس عسكرياً بالضرورة، بل هو صدام بين إمبراطورية تحتضر تحاول النهب بالقوة، وقوى صاعدة تبني عالماً يتجاوز سلطة الدولار والقرصنة.
(14)
سمعة الولايات المتحدة الامريكية
أدى العدوان الصاعق على فنزويلا واختطاف رئيسها في هذا اليوم (3 يناير 2026) إلى وضع سمعة الولايات المتحدة واقتصادها المديون على شفا هاوية سحيقة. فبينما تحاول واشنطن إظهار القوة، يرى العالم في هذا السلوك مؤشراً على إفلاس أخلاقي وسياسي يرافق الاحتضار الاقتصادي؛ حيث لم تعد الإمبراطورية قادرة على الحفاظ على نفوذها عبر الجذب أو التحالف، بل عبر القرصنة العلنية التي تضرب بجذورها في أعماق أزمة الديون الأمريكية التي تجاوزت 36 تريليون دولار.
إن سمعة أمريكا اليوم تهوي إلى مستويات تاريخية من التدني، حيث لم يعد يُنظر إليها كـ حامية للنظام الدولي بل كـ أكبر مهدد للاستقرار العالمي. هذا السلوك الهجومي الفج أدى إلى نفور حتى أقرب الحلفاء في أوروبا الذين بدأوا يتحدثون علانية عن ضرورة الاستقلال الاستراتيجي والابتعاد عن المغامرات الترامبية التي قد تجر العالم إلى حرب طاقة شاملة لا يستطيع الاقتصاد الغربي المنهك تحمل تبعاتها.
تداعيات البلطجة الدولية على الاقتصاد والسمعة:
• تآكل الثقة في السندات الأمريكية: مع كل رصاصة تُطلق في كاراكاس، تزداد مخاوف المستثمرين الدوليين من استمرار الاستثمار في أدوات الدين الأمريكية. فالدول التي ترى واشنطن وهي تختطف الرؤساء وتجمد الأصول بقرار فردي، تبدأ فوراً في التخلص من سندات الخزانة، مما يرفع تكلفة خدمة الدين الأمريكي ويزيد من احتمالية انفجار فقاعة الديون في عام 2026.
• الهروب من الدولار النفطي: العدوان على فنزويلا سرّع من وتيرة البحث عن بدائل للدولار في تجارة النفط. الصين وروسيا والعديد من دول الجنوب العالمي باتت ترى في الدولار سلاحاً سياسياً وليس عملة تجارية، مما يدفع نحو نظام مالي متعدد الأقطاب يُنهي الامتياز الباهظ الذي تمتعت به أمريكا لعقود.
• تحول أمريكا إلى شريك غير موثوق: الارتعاب الذي يسود الأنظمة المرتبطة بواشنطن اليوم نابع من إدراكها أن الحماية الأمريكية هي وهم يتبدد أمام أول مصلحة نفطية أو صفقة تجارية، مما يحطم السمعة الدبلوماسية التي بُنيت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ويستبدلها بصورة القرصان الذي يلتهم شركاءه.
• ارتباط العسكرة بالتضخم الداخلي: إدارة الحروب الصاعقة وزيادة الإنفاق العسكري لتأمين الموارد يصبان الزيت على نار التضخم داخل الولايات المتحدة نفسها. فبدلاً من معالجة العجز التجاري عبر الإنتاج، تلجأ الإدارة إلى عسكرة الاقتصاد، مما يرفع أسعار السلع والوقود ويضع المواطن الأمريكي في مواجهة مباشرة مع نتائج الإمبريالية العارية.
• سقوط القوة الناعمة: لم تعد الشعوب تنظر للنموذج الأمريكي كمنارة للديمقراطية، بل كآلة عدوان لا تحترم القانون الدولي. هذا السقوط في القوة الناعمة يجعل من الصعب على واشنطن حشد تحالفات دولية مستقبلاً، ويتركها في مواجهة تنين صيني ودب روسي يمتصان نفوذها المفقود عبر شراكات تقوم على المصالح المتبادلة لا على الاختطاف والتهديد.
إن أمريكا اليوم تضحي بسمعتها ومستقبل عملتها من أجل غنائم آنية، وهو فعل يعكس حالة اليأس التي يعيشها نظام رأسمالي يرى في القوة الخشنة وسيلته الوحيدة لتأجيل لحظة السقوط الحتمي.
#مكسيم_العراقي (هاشتاغ)
Maxim_Al-iraqi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟