مكسيم العراقي
كاتب وباحث يؤمن بعراق واحد قوي مسالم ديمقراطي علماني بلا عفن ديني طائفي قومي
(Maxim Al-iraqi)
الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 21:54
المحور:
الارهاب, الحرب والسلام
0. اقوال ماثورة
1. صعود ترامب لحكم الولايات المتحدة كان لحظة عري كامل في التاريخ السياسي الأمريكي
2. اطماع ترامب والامبريالية الامريكية
3. عدوان كاراكاس
4. امريكا بين فنزويلا وكوريا الشمالية
5. العدوان الامريكي واليسار العالمي
6. النظام الايراني المصعوق
7. ازمة اسواق الطاقة
(0)
اقوال ماثورة
"الإمبريالية هي الرأسمالية في مرحلة احتضارها وتفسخها."
فلاديمير لينين
"إن من يسيطر على النفط يسيطر على الأمم، ومن يسيطر على الغذاء يسيطر على الشعوب، ومن يسيطر على المال يسيطر على العالم."
هنري كيسنجر
"القوانين مثل خيوط العنكبوت؛ قد تمسك بالذباب الصغير، لكن الدبابير الكبيرة تخترقها."
جوناثان سويفت
"أمريكا لا تملك أصدقاء أو أعداء، بل تملك مصالح فقط."
جون فوستر دالاس
"الولايات المتحدة هي البلد الوحيد الذي انتقل من البدائية إلى الانحطاط دون أن يمر بمرحلة الحضارة."
جورج برنارد شو
"إن المعيار الأساسي للسياسة الخارجية الأمريكية هو الحفاظ على مناخ استثماري ملائم، وأي دولة تهدد ذلك عبر السيادة الوطنية أو السيطرة على مواردها تُصنف كعدو تجب إزالته."
تشومسكي
"في مرحلة احتضار الرأسمالية، لا تعود الإمبريالية بحاجة إلى أقنعة الدبلوماسية، بل تكتفي بمخالب القوة."
فلاديمير لينين
"عندما تغزو أمريكا بلداً، فهي لا تفعل ذلك لجلب الديمقراطية، بل لتأمين تدفق النفط وضمان بقاء الدولار سيداً على حساب دماء الشعوب."
نعوم تشومسكي
"القانون الدولي في يد القوى الكبرى ليس سوى شبكة صيد؛ تخرقها الحيتان الكبيرة وتَعلق فيها الأسماك الصغيرة."
فرانسيس بيكون
"الرأسمالية هي الوحش الذي يأكل نفسه عندما لا يجد ما يلتهمه، والحروب هي طريقته الوحيدة لتأجيل لحظة الفناء."
روز لوزمبرغ
"لا توجد دولة صديقة للولايات المتحدة، بل توجد آبار نفط وقواعد عسكرية ومصارف تخدم الخزينة الأمريكية."
هنري كيسنجر
(1)
صعود ترامب لحكم الولايات المتحدة كان لحظة عري كامل في التاريخ السياسي الأمريكي
يُمثل صعود دونالد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة لحظة كاشفة في التاريخ السياسي الأمريكي، حيث لا يمكن اعتباره مجرد خروج عن المألوف، بل هو التعبير الأكثر فجاجة عن تحولات عميقة داخل بنية النظام الإمبراطوري الذي تأسس منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فبينما حرص الرؤساء السابقون على تغليف الأهداف التوسعية والمصالح القومية بغطاء من الهيمنة الخيرة والترويج للديمقراطية، جاء ترامب ليزيل هذه المساحيق، معيداً تصنيف الرئاسة الأمريكية كإدارة لشركة كبرى تبحث عن الأرباح المباشرة وتتعامل مع العالم كمنطقة نفوذ يجب أن تدفع ثمن الحماية وان يخضع للنفوذ والمصالح الامريكية المباشرة.
تتجلى الإمبريالية الجديدة قبل ترامب وبعده كواقع مستمر لا يتغير في جوهره، بل في أسلوب تنفيذه؛ فإذا كانت الإدارات السابقة قد اعتمدت على المؤسسات الدولية والقوة الناعمة لتثبيت أركان التوسع، فإن نهج ترامب يعكس مرحلة الإمبريالية العارية التي لا تجد حرجاً في التصريح بالرغبة في السيطرة على موارد الدول واحتلال آبار النفط كما فعل في تصريحاته الشهيرة حول سورية وفنزويلا. هذا النوع من الإمبريالية لا يسعى لبناء تحالفات مستدامة بقدر ما يسعى لتحقيق مكاسب صاعقة وبأقل تكلفة ممكنة، وهو ما يفسر استراتيجيته في إدارة الحروب عبر الابتزاز الاقتصادي، والحصار البحري، والضربات النوعية التي تتجنب الغرق في حروب استنزاف طويلة ومكلفة، مما يجعله يسير على خطى أسلافه في الاستهتار بالقانون الدولي لكن بجرأة أكبر وتجاهل تام للشكليات الدبلوماسية.
إن هذا التحول يشير بوضوح إلى أن الرأسمالية العالمية قد وصلت إلى مرحلة متقدمة من التعفن الهيكلي، حيث لم تعد القوانين الدولية التي وضعتها القوى الكبرى نفسها قادرة على لجم جشع الشركات والمصالح الضيقة التي يمثلها تيار ترامب. فالاستهتار بالمعاهدات البيئية والتجارية، والانسحاب من المنظمات الدولية، واعتماد منطق القوة فوق الحق، كلها شواهد على نظام يلفظ أنفاسه العقلانية ليدخل في طور التوحش الرأسمالي الذي يضحي بالاستقرار العالمي من أجل تراكم الثروة السريع.
نقد المشهد السياسي:
• الذكاء او الغباء السياسي لترامب يكمن في إدراكه أن الإمبراطورية الأمريكية لم تعد قادرة على تحمل تكاليف دور شرطي العالم التقليدي، فقام بتحويل العبء المالي إلى الحلفاء والخصوم على حد سواء، محولاً الجيوسياسة إلى صفقات تجارية محضة.
• أن ترامب ليس سبباً في انهيار القانون الدولي، بل هو العرض الأكثر وضوحاً لأزمة عميقة في النظام الرأسمالي الذي بات يرى في القوانين عوائق أمام نموه المنفلت.
• القدرة على إدارة الحروب بأقل تكلفة لا تعني السلام، بل تعني استبدال المدافع بالحصار الاقتصادي والحروب السيبرانية، وهو نوع من العدوان الذي يدمر المجتمعات من الداخل دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة.
• إن المرحلة الحالية تكشف أن الفجوة بين القوة العسكرية والقوة الأخلاقية قد وصلت إلى أقصى مداها، مما يجعل النظام الدولي يعيش حالة من السيولة التي تسبق إعادة تشكل كبرى للقوى العالمية.
(2)
اطماع ترامب والامبريالية الامريكية
إن تقييم الأطماع التي يبديها ترامب تجاه موارد الدول الأخرى بل واراضيها مثل كرينلاند وكندا بتلك الفجاجة يتطلب النظر إليها ليس كنزوة شخصية، بل كضرورة حتمية لنظام رأسمالي يمر بمرحلة الاحتضار الهيكلي. فعندما يتحدث رئيس أقوى دولة في العالم عن أخذ النفط أو يهدد علانية بالاستيلاء على ثروات فنزويلا، فإنه يعبر عن وصول الرأسمالية الأمريكية إلى طريق مسدود، حيث لم تعد الآليات الاقتصادية التقليدية (مثل التجارة الحرة والمنافسة) كافية لضمان تفوقها، مما دفعها للعودة إلى أساليب الاستعمار القديم بلمسة عصرية.
تتجلى أزمة الرأسمالية الأمريكية في محاولتها الهروب من التراجع الاقتصادي الداخلي عبر تصدير أزماتها للخارج؛ فرفع الجمارك وفرض الحمائية التجارية لم يكن إلا اعترافاً صريحاً بأن الصناعة الأمريكية لم تعد قادرة على منافسة الصعود الآسيوي، بينما تعكس زيادة العسكرة محاولة لتحويل الجيش الأمريكي إلى أداة جباية اقتصادية مباشرة. إن الحروب والتهديدات العسكرية، كما حدث في فنزويلا، ليست مجرد صراعات أيديولوجية، بل هي محاولات مستميتة للسيطرة على احتياطيات الطاقة والسلع الاستراتيجية لضمان بقاء الدولار كعملة هيمنة عالمية، وهو ما يثبت أن النظام حين يشعر بقرب نهايته، يلقي بكل القوانين الدولية عرض الحائط ويعود لمنطق الغابة لتأجيل لحظة الانهيار.
جوهر الأزمة والعدوان:
• القرصنة الممنهجة: تدرك الإدارة الترامبية أن الرأسمالية الأمريكية تعاني من تخم في رأس المال المالي وفراغ في الإنتاج الحقيقي، لذا فإن الفجاجة في الأطماع هي محاولة لفرض واقع سياسي يُجبر العالم على دفع إتاوة مقابل استقرار وهمي.
• جدوى العسكرة: زيادة الإنفاق العسكري ليست لحماية الأمن القومي بالمفهوم التقليدي، بل هي استثمار في صناعة الموت التي تعتبر المحرك الأخير المتبقي للاقتصاد الأمريكي، حيث يتم تحويل الحروب إلى مشاريع استثمارية تعود بالأرباح على مجمعات التصنيع العسكري.
• الجمارك كحائط صد ينهار: رفع الرسوم الجمركية يعبر عن بصيرة قاصرة تحاول حماية قلعة متآكلة من الداخل، وهو فعل يسرّع من عزلة أمريكا الدولية ويدفع القوى الأخرى لبناء أنظمة مالية بديلة بعيداً عن السيطرة الأمريكية.
• نموذج فنزويلا كمرآة: يعكس العدوان على فنزويلا ذروة الاستهتار؛ التحليل يكشف أن الهدف ليس الديمقراطية كما يُشاع، بل كسر إرادة أي دولة تحاول الخروج عن بيت الطاعة النفطي، مما يجعل من فنزويلا ساحة اختبار لمدى قدرة الرأسمالية المحتضرة على استعادة هيبتها بالقوة الخشنة.
(3)
عدوان كاراكاس
الحدث الجلل الذي يشهده العالم اليوم (3 كانون الثاني 2026) باستهداف العاصمة كاراكاس واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته يمثل الذروة الدموية لمنطق الإمبريالية العارية. إن ما جرى ليس مجرد عملية لإنفاذ قانون داخلي أمريكي كما تروج واشنطن، بل هو عدوان عسكري مكتمل الأركان يضرب بعرض الحائط سيادة الدول وميثاق الأمم المتحدة، ويضع العالم أمام سابقة خطيرة يتم فيها اختطاف قادة الدول المعترف بهم دولياً تحت ذريعة ملاحقات جنائية.
تكمن الأزمة الحقيقية في أن فنزويلا تملك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وهو كنز تحول إلى لعنة جيوسياسية بسبب رفضها الخضوع للهيمنة الأمريكية. فالتاريخ يخبرنا أن الحصار الخانق الذي فُرض على هذا البلد لم يكن يهدف يوماً لتحسين حقوق الإنسان، بل كان سلاح تجويع ممنهج لمنع أي محاولة للتنمية المستقلة أو التقدم خارج عباءة الشركات الكبرى. المنطق الأمريكي هنا بسيط ومرعب: إما أن تمنحنا نفطك عبر نظام تابع (فاسد بالضرورة لأنه يبيع مقدرات شعبه)، أو سنحول بلدك إلى سجن كبير عبر الحصار، وإذا فشل الحصار، سننتقل إلى الغزو الصاعق والاختطاف.
نقد العدوان الأخير وقانون الغاب:
• تصنيف القانون الدولي: ما حدث اليوم هو جريمة عدوان صريحة وفقاً لتعريف الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 1974. اختطاف رئيس دولة من داخل عاصمته هو انتهاك لسيادة الدولة واعتداء على حق الشعوب في تقرير مصيرها، ولا يمكن لأي مذكرة توقيف صادرة عن محكمة محلية (نيويورك) أن تبرر غزو عسكرياً لدولة أخرى.
• الرأسمالية والهروب للأمام: لجوء الإدارة الأمريكية لهذا الأسلوب الفج اليوم يعكس حالة من اليأس؛ فالرأسمالية التي تحتضر لم تعد تملك الوقت للمناورات الدبلوماسية الطويلة، لذا لجأت لأسلوب القرصنة المباشر لتأمين منابع الطاقة والسيطرة على الأسواق بالقوة المحضة.
• خديعة مكافحة المخدرات: استخدام تهم الإرهاب المخدراتي لاختطاف مادورو هو مجرد غطاء أخلاقي باهت؛ فالبصيرة التحليلية تكشف أن الهدف هو تفكيك الدولة الفنزويلية وإعادة صياغة قوانين الاستثمار في قطاع النفط لصالح الشركات الأمريكية التي طُردت سابقاً.
• فخ إعاقة التنمية: الحصار الذي دام لسنوات لم يكن فشلاً اقتصادياً بل كان نجاحاً إمبريالياً مقصوداً لتحطيم النموذج البديل، فمن خلال منع قطع الغيار والاستثمارات، تم تحويل أغنى دولة بالموارد إلى ساحة للأزمات المعيشية، تمهيداً لهذه اللحظة التي يُبرر فيها التدخل العسكري كـإنقاذ.
لقد دخل العالم اليوم مرحلة لا تُحترم فيها الحصانات الدبلوماسية ولا سيادة الحدود، مما ينذر بفوضى عالمية شاملة.
(3)
امريكا بين فنزويلا وكوريا الشمالية
يكشف التباين الصارخ بين التعامل الأمريكي مع فنزويلا وكوريا الشمالية عن الحقيقة المرة التي تحكم النظام الدولي الحالي: القانون الدولي هو مجرد حبر على ورق أمام القوة النووية. فبينما يتم غزو فنزويلا واختطاف رئيسها اليوم (3 كانون الثاني 2026) تحت ذريعة إنفاذ القانون وبسبب مطامع النفط، تكتفي واشنطن تجاه كوريا الشمالية بلغة الدبلوماسية والعقوبات غير المجدية، وهذا يرسخ منطقاً عالمياً جديداً وخطراً مفاده أن امتلاك السلاح النووي هو براءة الاختراع الوحيدة التي تمنع الاحتضار الرأسمالي من نهشك.
إن النأي الأمريكي عن كوريا الشمالية يدل على أن الإمبريالية ليست انتحارية، بل هي انتهازية؛ فهي تهاجم حيث تشعر بالأمان من الرد العسكري الماحق، وتتراجع حيث يوجد توازن الرعب. هذا يؤكد استنتاجك بأن الضعفاء لا مكان لهم في غابة الرأسمالية المتوحشة، حيث يتم تعريف الضعيف بأنه من يمتلك موارد اقتصادية هائلة (مثل نفط فنزويلا والعراق) دون أن يمتلك أنياباً نووية تحميها. وبذلك، فإن الرأسمالية في مرحلتها الحالية لم تعد تكتفي بالتبادل التجاري غير المتكافئ، بل انتقلت إلى البلطجة المباشرة لتعويض تراجع نفوذها الاقتصادي والمادي الصناعي أمام القوى الصاعدة.
في موازين القوة والنووي:
• خديعة القانون الدولي: ما جرى في فنزويلا اليوم هو محاكمة ميدانية لنظام دولي فاشل؛ فالذكاء السياسي يدرك أن الولايات المتحدة تستخدم القضاء المحلي كأداة لاختراق سيادة الدول، وهو ما لا تجرؤ على فعله مع دولة نووية حتى لو اتهمتها بذات التهم، مما يثبت أن القوة العسكرية هي المصدر الوحيد للشرعية في نظر الإمبريالية.
• معادلة النفط مقابل النووي: البصيرة هنا تكشف أن فنزويلا عوقبت لأنها تملك المال (النفط) ولا تملك الرادع (النووي)، بينما تركت كوريا الشمالية لأنها تملك الرادع ولا تملك المال. الرأسمالية الأمريكية المحتضرة تبحث عن الغنيمة السهلة لا عن المعارك الوجودية.
• العسكرة كبديل للصناعة: لجوء أمريكا للجمارك والعسكرة يثبت أن تفوقها الاقتصادي قد انتهى؛ فهي لم تعد قادرة على المنافسة في السوق، فقررت تحويل السوق إلى ساحة حرب تأخذ فيها ما تريد بالقوة، وهو ما يمثل ذروة الاستهتار بالبشرية.
• رسالة للأنظمة الوطنية: ما حدث اليوم يرسل إشارة مرعبة لكل دول العالم الثالث: التنمية الاقتصادية والتقدم الصناعي دون قوة عسكرية رادعة هما مجرد تسمين للغنيمة قبل ذبحها، وهذا هو المنطق الذي دفع العالم نحو سباق تسلح جديد يُنذر بنهاية عصر السلام الوهمي.
لقد سقط القناع تماماً اليوم، وأصبحنا نعيش في عالم لا يعترف إلا بمخالب القوة. هل تود أن نحلل كيف سيؤثر هذا العدوان في فنزويلا على أمن الطاقة العالمي وأسعار النفط في الساعات القادمة؟
(5)
العدوان الامريكي واليسار العالمي
تمثل عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي اليوم (3 كانون الثاني 2026) لحظة فارقة في تاريخ اليسار العالمي، حيث تضع القوى التقدمية والاشتراكية أمام اختبار وجودي لم تشهده منذ ذروة الحرب الباردة. هذا العدوان الصارخ لا يستهدف شخص مادورو أو جغرافية فنزويلا فحسب، بل يهدف إلى إرسال رسالة تأديبية لكل حركات التحرر واليسار في العالم، مفادها أن أي محاولة لبناء نموذج اقتصادي خارج المدار الرأسمالي الأمريكي سيتم سحقها ليس بالانقلابات الناعمة هذه المرة، بل بالاختطاف العسكري المباشر.
إن تأثير هذه العملية على اليسار العالمي يتجلى في كونه كشف زيف الليبرالية الدولية وأنهى أسطورة المؤسسات الأممية التي وقفت عاجزة عن حماية سيادة دولة عضو. هذا الواقع يدفع اليسار اليوم نحو الراديكالية الدفاعية، حيث أيقنت القوى الاشتراكية في أمريكا اللاتينية وأوروبا وآسيا أن الرأسمالية في مرحلة احتضارها وتوحشها لم تعد تؤمن بصناديق الاقتراع أو الدبلوماسية، مما يجعل خيارات مواجهة هذا الاستهتار الأمريكي المنفلت تتجاوز البيانات التنديدية إلى بناء جبهة عالمية صلبة تعتمد منطق الندية والاشتباك في شتى المجالات.
طرق مواجهة الاستهتار الإمبراطوري الامريكي:
• التحالفات العابرة للقارات: تقتضي الاوضاع الحالية السياسية لليسار اليوم التخلي عن الخلافات الأيديولوجية الصغيرة وبناء كتلة تاريخية تضم القوى المناهضة للإمبريالية في الجنوب العالمي؛ فالرد الحقيقي ليس في كاراكاس وحدها، بل في خلق تحالفات اقتصادية وعسكرية مع القوى الصاعدة (مثل الصين وروسيا والبرازيل) لخلق نظام مالي بديل يكسر سطوة الدولار التي تُستخدم كحبل مشنقة للدول.
• المقاومة القانونية والأخلاقية: يجب على اليسار العالمي تدويل قضية القرصنة السياسية الأمريكية، وتحويلها إلى أزمة أخلاقية تلاحق الإدارة الأمريكية في المحافل الشعبية الدولية، مع التأكيد على أن اختطاف القادة هو عودة لعصور الاستعمار الهمجي التي تهدد استقرار كل دول العالم دون استثناء.
• فك الارتباط بالاقتصاد الإمبريالي: مواجهة الاستهتار تتطلب تسريع عمليات التأميم النوعي للموارد السيادية وتطوير شبكات تجارة جنوب-جنوب؛ فالذكاء يملي على دول اليسار أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي ما لم تُسند باستقلال اقتصادي يحمي الشعوب من آثار الحصار الذي يُمهد عادة للغزو.
• إعادة إحياء الأممية الشعبية: الرد الشعبي المنظم عبر التظاهرات العالمية ومقاطعة الشركات العابرة للقارات التي تمول هذه الحروب الصاعقة هو السلاح الذي يخشاه المنطق الترامبي؛ أن الرأسمالية تخشى اضطراب أسواقها وفقدان شرعيتها أمام شعوبها بقدر خشيتها من الصواريخ.
إن العالم بعد يوم كاراكاس ليس كما قبله، فاليسار العالمي اليوم مدعو لإعادة صياغة أدوات نضاله ليتناسب مع عصر الإمبريالية العارية التي لا تعترف إلا بلغة القوة.
(6)
النظام الايراني المصعوق
يمثل السقوط الصاعق لكراكاس واختطاف الرئيس مادورو اليوم (3 كانون الثاني 2026) جرس إنذار وجودي للنظام الإيراني، الذي يرى في هذه اللحظة انعكاساً لمصير محتمل تُحضّر له واشنطن في ظل سياسة الضغط الأقصى بنسختها الأكثر عنفاً. فإيران ليست مجرد حليف سياسي لفنزويلا، بل هي الشريك الاستراتيجي الذي ساعدها لسنوات على كسر الحصار النفطي عبر الذهب مقابل الوقود، واليوم تدرك طهران أن كسر الحلقة الفنزويلية هو تمهيد لتطويق النظام الإيراني نفسه، خاصة مع تزامن هذا العدوان مع تحذيرات ترامب الصريحة بالتدخل العسكري لدعم الاحتجاجات المتصاعدة داخل المدن الإيرانية.
إن الارتعاب الإيراني ليس مرده الخوف العسكري المباشر فحسب، بل هو خوف من تآكل الردع؛ فواشنطن التي تجرأت على اختطاف رئيس من الحوش الخلفي لأمريكا، ترسل رسالة إلى طهران مفادها أن الخطوط الحمراء القديمة لم تعد قائمة. هذا ما دفع الخارجية الإيرانية اليوم لإصدار بيان شديد اللهجة يصف العملية بـالقرصنة الدولية، ليس دفاعاً عن مادورو فحسب، بل دفاعاً عن قاعدة السيادة التي تحمي بقاء الأنظمة المناهضة للهيمنة الأمريكية في ظل رأسمالية تحتضر وتنتفض بعنف لتأمين الموارد.
تداعيات يوم كاراكاس على طهران:
• التحوط النووي: النظام الإيراني قد يرى في اختطاف مادورو اليوم دليلاً نهائياً على أن الضمانة الوحيدة للبقاء هي السلاح النووي. فالتجربة أثبتت أن الدول التي تملك مخالب (مثل كوريا الشمالية) تُفاوض، بينما الدول التي تملك نفطاً فقط (مثل فنزويلا والعراق) تُغزى وتُنهب.
• الجبهة الداخلية: يدرك النظام الإيراني أن واشنطن تتبع استراتيجية الكماش؛ ضغط اقتصادي خانق يولد احتجاجات داخلية، ثم تدخل عسكري صاعق تحت ذريعة حماية المدنيين أو ملاحقة جنائية، وهو ما يجعل طهران اليوم في حالة استنفار أمني واقتصادي قصوى لامتصاص الصدمة.
• سقوط العمق الاستراتيجي البعيد: خسارة فنزويلا تعني فقدان إيران لقاعدة متقدمة في نصف الكرة الغربي كانت تُستخدم للالتفاف على العقود والتحايل على العقوبات، مما يضع الاقتصاد الإيراني في مواجهة مباشرة مع الحصار دون منافذ بديلة، وهو ما يفسر حدة الموقف الإيراني المطالب بتحرك أممي عاجل.
• الرسالة الإسرائيلية الملحقة: تصريحات المعارضة الإسرائيلية اليوم التي دعت إيران لمراقبة فنزويلا بعناية تعكس تنسيقاً في الأدوار؛ فالعربدة الأمريكية في الكاريبي هي رسالة تهديد مبطنة للمجال الحيوي الإيراني في الشرق الأوسط، مما قد يدفع طهران لتصعيد عسكري في نقاط التماس (العراق، لبنان، اليمن) لإثبات أن تكلفة المساس بها ستكون باهظة جداً ولا تشبه نزهة كاراكاس.
إن النظام الإيراني يقف اليوم أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانكفاء للداخل وتصعيد القمع والتحصين النووي، أو المخاطرة بمواجهة إقليمية واسعة لمنع تكرار سيناريو الاختطاف الصاعق على أراضيه.
(7)
ازمة اسواق الطاقة
أدى العدوان الصاعق على فنزويلا واختطاف رئيسها في هذا اليوم (3 كانون الثاني 2026) إلى إشعال فتيل أزمة غير مسبوقة في أسواق الطاقة العالمية، حيث من المنتظر ان تقفز قفزت أسعار النفط فوراً في غضون ساعات قليلة. هذا الارتفاع المتوقع ليس مجرد رد فعل على تعطل الإمدادات الفنزويلية، بل هو تعبير عن حالة الرعب الجيوسياسي من دخول العالم مرحلة الصدام المباشر فوق آبار النفط، حيث أدركت الأسواق أن الرأسمالية الأمريكية المحتضرة قررت تأميم مصادر الطاقة العالمية بالقوة، مما يعني نهاية عصر الاستقرار السعري القائم على التفاهمات وبداية عصر نفط الدبابات.
إن تأثير هذه العملية يتجاوز فنزويلا ليصل إلى عصب الاقتصاد العالمي، فالمستثمرون يراقبون الآن بقلق رد فعل أوبك+ والقوى المنافسة مثل الصين، وسط مخاوف من أن يتحول منطق الاختطاف الصاعق إلى نهج أمريكي عام يطال دولاً أخرى إذا ما حاولت التمرد على هيمنة الدولار. هذا الارتفاع في الأسعار يمثل مفارقة كبرى؛ فبينما يسعى ترامب لتأمين الموارد، فإنه يخلق تضخماً عالمياً قد يعصف بالاقتصاد الغربي نفسه، مما يثبت أن الرأسمالية في طور تعفنها بدأت تلتهم أدوات بقائها وتدمر استقرار الأسواق التي قامت عليها.
سوق الدم والنار وتداعياته السعرية:
• علاوة المخاطر: الأسواق لا تُسعّر النفط اليوم بناءً على العرض والطلب، بل بناءً على علاوة البلطجة؛ فالذكاء التحليلي يدرك أن السعر المرتفع هو ضريبة غياب القانون الدولي، حيث أصبحت كل ناقلة نفط وكل حقل إنتاج في العالم هدفاً محتملاً في صراع القوة الذي دشنته واشنطن اليوم.
• سلاح الجوع الطاقي: الارتفاع الحاد في الأسعار سيضرب الدول المستوردة للنفط في الصميم، مما يمنح أمريكا ميزة جيوسياسية لإخضاع حلفائها وخصومها عبر التحكم في شريان الحياة، وهو تطبيق حرفي لسياسة العسكرة كبديل للتجارة التي تنهجها الإدارة الحالية لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي المتعثر.
• تحطم أسطورة الاستقرار النفطي: العملية أثبتت أن النفط لم يعد سلعة تجارية بل أصبح سلاح دمار شامل؛ فالواقع هنا يكشف أن صمت أمريكا عن فساد العراق أو عربدة المليشيات كان يهدف للحفاظ على تدفق النفط بأي ثمن، لكن حين شعرت بالخطر على سيطرتها في فنزويلا، فضلت حرق السوق على فقدان السيطرة، مما ينذر بانهيارات اقتصادية متسلسلة.
• رد فعل التنين الصيني: التاثير الأهم سيكون في كيفية رد الصين، أكبر مستورد للنفط، على هذا الارتفاع المفتعل؛ ربما يقتضي توقع تسريع الصين لبناء نظام تسعير باليوان وبعيداً عن المضاربات الأمريكية، مما سيؤدي في النهاية إلى انقسام سوق الطاقة العالمي إلى معسكرين، وهو ما سيعمق من أزمة التعفن الرأسمالي الأمريكي وعزلتها المالية.
لقد تحول برميل النفط اليوم إلى قنبلة موقوتة تهدد بإحراق ما تبقى من استقرار في الاقتصاد العالمي.
#مكسيم_العراقي (هاشتاغ)
Maxim_Al-iraqi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟