أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مكسيم العراقي - مشيخة كاكه عيداني واقليم البصرة الخليجي الايراني -4















المزيد.....


مشيخة كاكه عيداني واقليم البصرة الخليجي الايراني -4


مكسيم العراقي
كاتب وباحث يؤمن بعراق واحد قوي مسالم ديمقراطي علماني بلا عفن ديني طائفي قومي

(Maxim Al-iraqi)


الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 11:36
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


1. تجربة التفكك في السودان
2. دور الاسلام السياسي في تفكك السودان والعراق
3. قبول الاخوان المسلمون بتقسيم السودان
4. ستراتيجية إغراق الدول بالتيارات الراديكالية (دينية أو عرقية) لإجهاض مشاريع الدولة الوطنية القوية على يد الشيوعيين
5. الارتباط التاريخي للإخوان بالقوى الخارجية
6. علاقة الاسلام السياسي الشيعي بالاخوان المسلمين

(1)
تجربة التفكك في السودان

إن تفكك السودان وانشطاره إلى دولتين، وما تلاه من حروب أهلية دامية، لا يمكن اختزاله في سبب واحد، بل هو نتاج تآكل بطيء في بنية الدولة ما بعد الاستعمارية التي فشلت في إيجاد صيغة وطنية تجمع بين تنوعها العرقي والديني والثقافي الهائل.

1. بذور الانقسام في الدولة المركزية الموروثة
بدأت المشكلة منذ لحظة الاستقلال، حيث ورث السودان حدوداً رسمها الاستعمار، لكنه ورث أيضاً نظاماً مركزياً شديداً يركز الثورة والقرار السياسي في الخرطوم ومناطق الشريط النيلي، مهمشاً الأطراف في الجنوب والغرب والشرق. هذا التهميش لم يكن اقتصادياً فحسب، بل كان هوياتياً؛ حيث سعت النخب الحاكمة المتتابعة إلى صبغ الدولة بلون واحد (عروبي إسلامي)، مما أشعر المكونات الأخرى، وخاصة في الجنوب ذي الغالبية المسيحية والأحيائية، بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية.
((معنى الأحيائية (Animism)
الأحيائية ليست ديناً واحداً بكتاب مقدس، بل هي مصطلح يطلقه علماء الاجتماع والأديان على المعتقدات الأفريقية التقليدية. وتعتمد على عدة ركائز:
• روحانية الطبيعة: الاعتقاد بأن كل شيء في الطبيعة (الأشجار، الأنهار، الجبال، الحيوانات) يمتلك روحاً أو قوة حيوية.
• تبجيل الأرواح والأجداد: يعتقد أتباعها أن أرواح الأجداد تظل حاضرة وتؤثر في حياة الأحياء، لذا تُقدم لها القرابين والصلوات لطلب الحماية أو البركة.
• الخالق البعيد: تشترك معظم هذه المعتقدات (مثل معتقدات قبائل الدينكا والنوير) في الإيمان بوجود خالق أسمى للكون، لكنهم يرون أنه بعيد جداً، لذا يتواصلون معه عبر الأرواح الوسيطة أو الطوطم)).

2. إخفاق العقد الاجتماعي وحرب الجنوب
كانت الحرب الأهلية الأولى (1955-1972) ثم الثانية (1983-2005) هي النتيجة الحتمية لهذا الصراع الهوياتي. وعندما قرر نظام الإنقاذ بقيادة عمر البشير تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية ونهج المشروع الحضاري في بلد يتميز بالتعددية، تحول الصراع من خلاف سياسي على الموارد إلى صراع وجودي. أصبح الجنوبيون يطالبون بـ حق تقرير المصير ليس حباً في الانفصال ابتداءً، بل كخيار وحيد هرباً من هيمنة المركز وإقصائه.

3. اتفاقية السلام 2005 والطلاق الحتمي
جاءت اتفاقية السلام الشامل (CPA) عام 2005 لتضع حلاً قانونياً عبر منح الجنوبيين حق التصويت على الاستقلال بعد فترة انتقالية. لكن خلال هذه السنوات، فشلت النخبة السياسية في جعل الوحدة جاذبة، بل استمرت روح الشك والعداء. وفي عام 2011، صوت الجنوبيون بأغلبية ساحقة للانفصال، ليس كفعل بناء لدولة جديدة فحسب، بل كفعل هروب من دولة لم تستوعبهم.

4. الحرب الأهلية في الجنوب والنزاع المستمر في الشمال
المفارقة المأساوية هي أن الانفصال لم يجلب السلام؛ فدولة جنوب السودان الناشئة سرعان ما غرقت في حرب أهلية (2013) نتيجة انتقال صراع الهيمنة من شمال ضد جنوب إلى صراع قبلي داخلي (الدينكا ضد النوير). أما في السودان الشمالي، فقد أدى الانفصال إلى فقدان 75% من الموارد النفطية، مما خلق أزمة اقتصادية خانقة عمقت النزاعات في دارفور، والنيل الأزرق، وجبال النوبة، وصولاً إلى الحرب الحالية في الخرطوم.
انتهى الشمال الان الى صراع بين الجيش ومليشيات الدعم السريع التي صنعها الاخواني البشير ومازالت الحرب مستعرة!

إن تفكك السودان هو قصة الدولة التي لم تولد، حيث غلبت مصالح النخب الضيقة وصراعات الأيديولوجيا على مفهوم المواطنة المتساوية. لقد كانت القومية في السودان إقصائية وليست جامعة، مما حول حق تقرير المصير من مبدأ ديمقراطي إلى مشرط جراحي بتر جزءاً من جسد الدولة، ليترك الطرفين في دوامة من الحروب التي لا تنتهي حول ما تبقى من أرض وسلطة.
(لاحظ تجربة صراع الحزبيين الكرديين في شمال العراق قبل وبعد اقامة الاقليم الى الحد الذي فشل الاقليم في تشكيل حكومة بعد اكثر من عام على الانتخابات والصراع على النفط والغاز والموارد والمناصب والانقسامات الداخلية العميقة وتهميش الشعب الكردي هناك وحكمه بالحديد والنار وقطع رواتبه مع نهب ثرواته!)

(2)
دور الاسلام السياسي في تفكك السودان والعراق

تحليل دور الأيديولوجيا في تفكك السودان ومقارنتها بالتجربة العراقية يتطلب غوصاً في أعماق هندسة الهوية التي مارستها الحركات الإسلامية السياسية، وكيف أدى ذلك إلى اصطدام مميت مع واقع التعددية القومية والدينية.

1. دور الإخوان المسلمين (نظام الإنقاذ) في تفكك السودان
عندما استولى تنظيم الإخوان المسلمين في السودان (عبر الجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن الترابي وعمر البشير) على السلطة عام 1989، نقلوا الصراع من خلاف سياسي إلى حرب جهادية مقدسة. كان دورهم حاسماً في الانفصال من خلال ثلاثة محاور:
• أسلمة وعروبة الدولة: فرض النظام المشروع الحضاري الذي سعى لصهر السودان المتنوع في قالب واحد. هذا التوجه جعل من المستحيل على الجنوبي (غير المسلم وغير العربي) أن يجد مكاناً له في هيكل الدولة، مما حوّل الاستقلال من خيار إلى ضرورة وجودية.
• تجييش المجتمع: أنشأ الإخوان قوات الدفاع الشعبي وصوروا الحرب في الجنوب كفعل تعبدي، مما قطع خيوط التواصل الاجتماعي والتعايش التي كانت موجودة قبلهم.
• تفتيت النسيج القبلي: اعتمد النظام سياسة فرق تسد لتثبيت سلطته، وهو ما خلق بؤر نزاع في دارفور وجبال النوبة، ممهداً الطريق لتفكك الدولة لاحقاً.

2. من كان وراءهم؟
تاريخياً، كان التنظيم الدولي للإخوان المسلمين يرى في السودان قاعدة انطلاق جغرافية وأيديولوجية. كما استفاد النظام من تقاطعات المصالح مع قوى إقليمية رأت في سودان إسلامي حليفاً استراتيجياً، لكن العزلة الدولية اللاحقة والعقوبات جعلت النظام يضحي بالأرض (الجنوب) مقابل بقاء السلطة الإسلامية في المركز.

3. هل كان نظام علماني قادراً على حفظ الوحدة؟
نظرياً، نعم. العلمانية في السياق السوداني لم تكن تعني معاداة الدين، بل حياد الدولة تجاه الأديان والأعراق. لو تبنى السودان نظاماً علمانياً ديمقراطياً:
• لأصبح المواطنة هو المعيار الوحيد للحقوق، وليس الانتماء الديني.
• لما وجدت الحركة الشعبية لتحرير السودان (بقيادة جون قرنق) مبرراً للمطالبة بتقرير المصير، حيث كان قرنق ينادي بـ سودان جديد علماني وموحد.
• لكن العقبة كانت: أن النخب المركزية (سواء كانت إسلامية أو قومية عروبية) كانت تخشى أن العلمانية ستسحب البساط من تحت هيمنتها الثقافية والتاريخية.

4. مقارنة مع النظام في العراق (الاعتراف الفعلي بكردستان)
هنا نجد مفارقة مثيرة للاهتمام عند المقارنة بين الإسلام السياسي السوداني والنظام الاسلامي التوافقي في العراق:
• في السودان: أصر الإسلاميون على المركزية الأيديولوجية. رفضوا منح الجنوب وضعاً خاصاً حقيقياً داخل الدولة الموحدة إلا بعد فوات الأوان، فكانت النتيجة بتر الجزء (الطلاق البائن).
• في العراق: النظام الذي تشكل بعد 2003 (والذي تهيمن عليه أحزاب إسلامية شيعية وسنية) قبل مبكراً -بضغط الواقع والتدخل الدولي وضعف النخب والدولة والتدخل الامريكي وغيره- أنه لا يمكن حكم العراق بالقوة في المرحلة الاولى. لذا، اعترف الدستور العراقي عام 2005 بـ إقليم كردستان ككيان فيدرالي شبه مستقل بتوافق كردي شيعي ايراني, له برلمانه وجيشه (البيشمركة). وقد ادى ذلك لمشاكل خطيرة للعراق ومطالبة اجزاء اخرى بان يكون وضعها وضع كردستان العراق وتلك احجار دومينو ستستمر بالسقوط!
المقارنة
• العراق: نجح في الحفاظ على وحدة الأراضي اسمياً وقانونياً من خلال التنازل عن السيادة المطلقة لصالح الإقليم. الإسلاميون في العراق قبلوا بـ دولة منقوصة المركزية مقابل بقاء الدولة موحدة ظاهريا. ولكنها دولة ضعيفة مفككة فاسدة منخورة تتلاعب بها الدول الاقليمية وقابلة للسقوط في اي لحظة! وقابلة للتشرذم باستمرار.
• السودان: رفض الإسلاميون التنازل عن أي جزء من سيادتهم الأيديولوجية في المركز ثم قبلوا بمبدا الانفصال!!، فخسروا السيادة الجغرافية على كامل الجنوب.

(3)
قبول الاخوان المسلمون بتقسيم السودان
هناك نقطة جوهرية ومثيرة للجدل في التاريخ السياسي الحديث، وهي الفرق بين النظرية الأيديولوجية وبين البراغماتية السياسية التي يمارسها قادة الحركات الإسلامية عند اصطدامهم بالواقع أو بضغوط البقاء في السلطة.
ان أسباب قبول عمر البشير (كواجهة لنظام الإخوان المسلمين) بتقسيم السودان، والظروف التي أحاطت بهذا القرار:

1. البقاء مقابل الأرض, استراتيجية البشير
لم يكن قبول البشير بتقسيم السودان نابعاً من إيمان بحق تقرير المصير، بل كان صفقة اضطرارية للبقاء في الحكم. بعد عقود من الحرب والاستنزاف، وصل نظام الإخوان إلى طريق مسدود:
• العزلة الدولية: كان النظام تحت وطأة عقوبات اقتصادية خانقة وملاحقات من المحكمة الجنائية الدولية. اعتقد البشير أن التضحية بالجنوب ستؤدي إلى رفع العقوبات عنه وتبييض صفحته أمام المجتمع الدولي.
• استنزاف الموارد: الحرب كانت تلتهم ميزانية الدولة، وكان الانفصال يبدو لبعض منظري الإخوان في الخرطوم كـ تخلص من ثقل بشري وجغرافي لا ينسجم مع مشروعهم الإسلامي، للتركيز على بناء دولة إسلامية خالصة في الشمال.

2. دور الحركة الإسلامية (الإخوان) وتفتيت الدولة
يرى الكثير من المحللين أن الحركة الإسلامية السودانية برئاسة حسن الترابي (ثم انشقاق البشير عنه) هي من مهدت للتقسيم فعلياً قبل وقوعه قانونياً:
• تغليب الولاء التنظيمي: قدم الإخوان مصلحة التنظيم على مصلحة الوطن. كان الحفاظ على نظام الإنقاذ في الخرطوم أهم من الحفاظ على وحدة حدود السودان.
• الاستعلاء الأيديولوجي: خطاب الجهاد الذي تبناه الإخوان ضد الجنوبيين جعل الوحدة مستحيلة وجدانياً، فصار التقسيم طلاقاً بائناً بين هويتين لم يعد يجمعهما سوى التاريخ المرير.

3. مقارنة مع الإسلام الشيعي في العراق
مقارنة العراق بالسودان يفتح باباً للمقارنة حول فشل الدولة الهوياتية:
• في السودان (إسلام سني/إخواني): أدى الإصرار على صبغ الدولة بلون أيديولوجي واحد إلى انفصال جغرافي كامل. النظام ضحى بالتراب الوطني ليحمي مركزه الأيديولوجي.
• في العراق (إسلام شيعي/توافقي): لم يحدث انفصال جغرافي رسمي حتى الآن ولكنه شبه واقع وسيشمل اجزاء اخرى من البلاد بفعل الدستور والحاكمين، ان فساد وإرهاب النظام هو نتاج لنظام المحاصصة. هنا، لم يضحِ الإسلاميون بالأرض فقط، بل ضحوا بـ مفهوم الدولة وبنيتها المؤسسية لصالح المكونات والولاءات الخارجية.
• النتيجة المشتركة: في الحالتين، أدى تصدر الحركات الإسلامية للمشهد إلى إضعاف الجامع الوطني. في السودان تمزقت الخريطة، وفي العراق تمزقت الخريطة والمؤسسات والهوية الوطنية لصالح الولاءات الفرعية، وهو ما أدى لبروز الفساد كوسيلة لتمويل هذه الولاءات والارهاب كطريق للحكم.

4. من كان وراء البشير في قرار التقسيم؟
بالإضافة إلى التنظيم الدولي للإخوان، كانت هناك ضغوط وقوى خارجية لعبت دوراً في دفع البشير لهذا القرار:
• الولايات المتحدة (إدارة بوش وأوباما): مارست سياسة الجزرة والسكين؛ وعدت برفع العقوبات مقابل الاستفتاء، وهددت بإسقاط النظام في حال عرقلته.
• القوى الإقليمية: بعض الدول رأت في انفصال الجنوب إضعافاً لدولة كانت تطمح لأن تكون سلة غذاء العرب وقوة إقليمية كبرى، وفضلت رؤيتها مقسمة ومنشغلة بحروبها الداخلية.

لقد أثبتت تجربة البشير أن الأيديولوجيا الدينية عندما تمسك بزمام السلطة، قد تتحول إلى أداة لتقطيع أوصال الوطن إذا كان ذلك يضمن استمرار النخبة الحاكمة.

(4)
ستراتيجية إغراق الدول بالتيارات الراديكالية (سواء كانت دينية أو عرقية) لإجهاض مشاريع الدولة الوطنية القوية على يد الشيوعيين

هناك نظرية سياسية عميقة ترى أن إغراق الدول بالتيارات الراديكالية (سواء كانت دينية أو عرقية) ليس صدفة، بل هو استراتيجية لإجهاض مشاريع الدولة الوطنية القوية، خاصة تلك التي تمتلك ثروات هائلة أو ميولاً يسارية تهدد المصالح الغربية.
لتفصيل هذه النقاط ومقارنتها بالحالة العراقية:
1. البعبع الماركسي في السودان والعراق
كان السودان يمتلك في الستينيات والسبعينيات أكبر وأقوى حزب شيوعي في الشرق الأوسط وأفريقيا. كان هذا الحزب منظماً، مثقفاً، وله قاعدة نقابية وعمالية صلبة.
• في السودان: كادت القوى اليسارية أن تحكم فعلياً بعد ثورة 1964 ودعمها لانقلاب جعفر النميري في 1969.
• في العراق: كان الحزب الشيوعي العراقي قوة ضاربة في الخمسينيات والستينيات، وكان يمثل تهديداً مباشراً لنفوذ شركات النفط الغربية.
في كلا البلدين، تم استخدام الإسلام السياسي (الإخوان في السودان، والتيارات الدينية والقومية في العراق) كأداة لتحطيم المد الماركسي. في السودان، شجع النميري -بإيعاز خارجي- الجبهة الإسلامية (الترابي) لضرب الحزب الشيوعي، وهو ما انتهى لاحقاً بسيطرة الإخوان تماماً على مفاصل الدولة في 1989.
انتهى الامر الى ابادة الحزبين الشيوعيين بتوجيه وقبول وتخطيط خارجي!

2. العقوبات كأداة للتركيع (السودان vs العراق)
السودان عوقب لدرجة تماثل العراق، ولكن بأساليب مختلفة:
• العراق: عوقب بحصار شامل (النفط مقابل الغذاء) لتفكيك قوته العسكرية والمركزية التي كانت تهدد التوازنات الإقليمية.
• السودان: وُضع في قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ 1993، وعُزل مالياً وتقنياً. والهدف كان منع السودان من استغلال ثرواته الهائلة (النفط، الذهب، والأراضي الزراعية) بشكل مستقل، ولإجباره على تقديم تنازلات جيوسياسية، أهمها تقسيم الجنوب.

3. إغراق الدولة بالإسلام السياسي
تتفق العديد من القراءات التاريخية مع فكرة أن تمكين الإسلام السياسي في السودان (البشير/الترابي) كان يخدم أهدافاً دولية غير معلنة:
• تدمير الهوية الوطنية: الإسلام السياسي يميل لتغليب الهوية الدينية على الهوية الوطنية، مما يسهل عملية التفتيت القومي. في السودان، أدى ذلك لانفصال الجنوب، وفي العراق، أدى الإسلام السياسي الشيعي والسني بعد 2003 إلى تكريس المحاصصة الطائفية التي عطلت الدولة.
• الفساد والتبعية: الأنظمة الأيديولوجية غالباً ما تشرعن الفساد تحت مسميات التمكين أو المظلومية، مما يؤدي لإفراغ خزائن الدولة وجعلها مديونة وخاضعة للبنك الدولي والقوى الخارجية.

4. هل كانت الثروة هي السبب؟
السودان يُلقب بـ سلة غذاء العالم، ويمتلك احتياطيات ضخمة من الذهب ونفطاً لم يُستخرج معظمه بعد.
• المعادلة الدولية: دولة ذات خلفية ماركسية (تؤمن بتأميم الثروات) + موارد ضخمة = خطر أحمر.
• الحل: استبدالها بنظام أيديولوجي (إسلام سياسي) ينشغل بالحروب الأهلية والقضايا الهوياتية، بينما يتم استنزاف الثروات عبر صفقات مشبوهة أو تهريب (كما يحدث في ذهب السودان ونفط العراق حالياً).

5. السودان والعراق تعرضا لذات المختبر السياسي:
• ضرب القوى اليسارية والمدنية الوطنية.
• تمكين قوى دينية (إخوانية في السودان، وطائفية في العراق).
• فرض عقوبات لشل الدولة ومنعها من التطور.
• الانتهاء بتقسيم الأرض (السودان) أو تقسيم المجتمع والمؤسسات والارض(العراق).
• في الحالتين، كان الإسلام السياسي هو الجسر الذي عبرت فوقه خطط التفكيك، سواء بقصد من هؤلاء الحكام أو لضيق أفقهم السياسي.

(5)
الارتباط التاريخي للإخوان بالقوى الخارجية

يكشف تتبع خيوط الأزمات في السودان والعراق عن شبكة معقدة من المصالح، حيث تلتقي الأيديولوجيا العابرة للحدود مع الأجندات الجيوسياسية للدول الكبرى والإقليمية، مما يحول هذه البلدان إلى ساحات تجارب لمشاريع التفتيت.

1. الارتباط التاريخي للإخوان والقوى الخارجية
يرتبط تنظيم الإخوان المسلمين بجذور تاريخية مع أجهزة استخبارات دولية، وتحديداً المخابرات البريطانية منذ ثلاثينيات القرن الماضي، حيث تم النظر إليهم كقوة موازنة للمد القومي واليساري. في السودان، تم دعم وصول الجبهة الإسلامية للسلطة لضمان عزل السودان عن محيطه العربي القومي، وتحويله إلى منطاد اختبار للإسلام السياسي. القوى الخارجية المؤكدة تشمل:
• بريطانيا والولايات المتحدة: اللتان استعملتا ملف حقوق الإنسان والإرهاب ضد نظام الإخوان في السودان لابتزازه سياسياً حتى وصل لمرحلة التنازل عن الجنوب.
• التنظيم الدولي للإخوان: الذي كان يرى في السودان خزنة مالية وقاعدة تدريب، مما جعل القرار الوطني السوداني رهيناً لأجندة الجماعة العالمية وليس مصلحة المواطن السوداني.
2. الدور الخليجي في تحول السودان والعراق
لعبت الدول الخليجية أدواراً مزدوجة ومتباينة في صياغة واقع السودان والعراق، مدفوعة بهاجسين: محاربة الإخوان من جهة، ومواجهة النفوذ الإيراني من جهة أخرى.
• في السودان: ساهمت بعض الدول الخليجية (مثل السعودية والإمارات) في مراحل متأخرة في دعم إزاحة البشير لتقويض نفوذ الإخوان، لكن الصراع على النفوذ بين هذه القوى أدى لاحقاً إلى دعم أطراف عسكرية متنافسة (الجيش مقابل الدعم السريع)، مما أغرق البلاد في الحرب الحالية.
• في العراق: بعد 2003، كان الموقف الخليجي يتسم بالارتباك؛ فمن جهة تم دعم قوى سياسية معينة لمواجهة النفوذ الإيراني، ومن جهة أخرى، ساهم التمويل غير المنضبط في سنوات سابقة بظهور قوى متطرفة (داعش وأخواتها) مما أعطى ذريعة للقوى الطائفية الموالية لإيران لتعزيز قبضتها تحت مسمى حماية الدولة.

3. مشروع الأقلمة في العراق: كردستان والبصرة
تتحرك الآن قوى خفية لدفع العراق نحو الكونفيدرالية أو الفدرالية اي التقسيم الناعم، وهو مشروع يُعرف أحياناً بـ بايدن-ليسل القديم لتفسيم العراق لثلاثة أقاليم:
• إقليم كردستان: يمثل النموذج الناجح للانفصال الفعلي. القوى الخارجية (خاصة الغربية) تدعم بقاء الإقليم كياناً مستقلاً لاستخدامه كقاعدة نفوذ ومراقبة إقليمية، بينما تلعب إسرائيل دوراً تاريخياً (حسب تقارير استخباراتية عديدة) في دعم استقلال الإقليم لإضعاف الدولة العراقية المركزية.
• إقليم البصرة: الحراك هنا يدار تحت الكواليس من قبل شركات نفطية عملاقة وقوى إقليمية تريد تحويل البصرة إلى إمارة نفطية معزولة عن القرار في بغداد. الهدف هو السيطرة على خطوط إمداد الطاقة في الخليج وضمان عدم وقوع ثروة البصرة تحت السيطرة الإيرانية المطلقة أو المركزية العراقية القوية.

4. الربط بين السودان والعراق في مشروع التفتيت
ما يجمع الحالة السودانية بالعراقية هو استراتيجية إدارة الفوضى. فكما تم استخدام الإسلام السني الإخواني في السودان لتمرير انفصال الجنوب، يتم استخدام الإسلام السياسي الشيعي والفساد المؤسسي في العراق لتهيئة الظروف النفسية والسياسية لدى العراقيين للقبول بـ الأقلمة كحل أخير للهروب من الدولة الفاشلة.
القوى الخفية (مراكز أبحاث دولية وشركات طاقة) ترى أن الدول القومية الكبرى في المنطقة (العراق، السودان، سوريا) يجب أن تتحول إلى فسيفساء من الكيانات الصغيرة المتناحرة، مما يسهل إدارة مواردها وضمان عدم بروز أي قوة إقليمية تهدد أمن الطاقة أو المصالح الغربية.

(6)
علاقة الاسلام السياسي الشيعي بالاخوان المسلمين

تُشكل العلاقة بين حزب الدعوة الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين، ومن ثم اختلافه مع المدرسة الخمينية، واحدة من أهم حلقات الوصل في تاريخ الإسلام السياسي المعاصر. هي علاقة بدأت بالتأثر الفكري العميق، وانتهت بالتباعد الأيديولوجي والسياسي نتيجة الاصطدام بخصوصية الواقع العراقي والتحول نحو ولاية الفقيه.
وانتهى حزب الدعوة بمؤسسيه الايرانيون الاربعة الى عشيرة بائسة كما قال القيادي عزت الشابندر الى الة طيعة للمشروع الخميني في العراق وخصوصا على يد مختار العصر نوري المالكي الذي اختارته المخابرات الامريكية ليكون رئيس وزراء العراق عام 2006 حسب نزار حيدر.

1. الجذور الإخوانية في الدعوة
عندما تأسس حزب الدعوة في أواخر الخمسينيات (1957)، كان المؤسسون، وعلى رأسهم السيد محمد باقر الصدر، متأثرين بشكل واضح بالهيكل التنظيمي والمنهج الحركي للإخوان المسلمين.
• التنظيم السري: استعار الحزب نظام الخلايا والحلقات من أدبيات الإخوان، وهي الوسيلة التي رأوا أنها الأنسب لمواجهة المد الشيوعي والقومي آنذاك.
• المنهج الفكري: كان كتاب معالم في الطريق لـ سيد قطب حاضراً بقوة في جلسات التثقيف الحزبي. لقد وجد منظرو الدعوة في أفكار قطب حول الحاكمية والجاهلية الحديثة أدوات فكرية قوية لتعبئة الشباب الشيعي نحو العمل السياسي الإسلامي.

2. ترجمة كتب سيد قطب والارتباط بـ الخامنئي
هنا تظهر حلقة وصل مثيرة للاهتمام؛ فالمرشد الإيراني الحالي علي الخامنئي كان من أوائل الذين ترجموا كتب سيد قطب (مثل "المستقبل لهذا الدين") إلى اللغة الفارسية في الستينيات.
• هذا الإعجاب بقطب لم يكن محصوراً في السنة، بل كان جسراً فكرياً عبره قادة حزب الدعوة والثورة الإيرانية لاحقاً.
• كان الحزب يرى في أدبيات قطب (رغم سنيتها) إسلاماً حركياً يتجاوز التقليد الحوزوي الساكن، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لقبول فكرة الثورة التي نادى بها الخميني.

3. التحول نحو الخميني والخامنئي
بعد نجاح الثورة في إيران عام 1979، بدأت علاقة الدعوة بالإخوان تبرد تدريجياً لصالح الارتباط العضوي بـ الخميني.
• من الحركية إلى الولاية: انتقل الحزب من فكرة شورى الفقهاء أو قيادة الحزب للمجتمع (المتأثرة بتنظيم الإخوان) إلى تبني فكرة ولاية الفقيه كمرجعية عليا، خاصة بعد لجوء قادة الحزب إلى إيران خلال الثمانينيات.
• الخلاف مع الإخوان: وقع الشرخ الكبير خلال الحرب العراقية الإيرانية؛ حيث انحاز الإخوان (في الغالب) للعراق أو اتخذوا موقفاً محايداً، بينما كان حزب الدعوة يقاتل في خندق الجمهورية الإسلامية!، معتبراً الخميني إماماً للمسلمين كافة.

4. العلاقة الحالية (براغماتية السلطة)
في مرحلة ما بعد 2003، تحول حزب الدعوة من حزب معارض إلى حزب السلطة. هنا، أصبحت العلاقة مع الخامنئي علاقة استراتيجية ومصيرية، حيث يمثل المرشد الغطاء الشرعي والسياسي للحكم في العراق. أما العلاقة مع الإخوان، فقد تحولت إلى علاقة دبلوماسية حذرة تحكمها المصالح الإقليمية، مع بقاء الاحترام التاريخي لرموز مثل سيد قطب وحسن البنا كمنظرين أوائل للنهضة الإسلامية.
لقد بدأ حزب الدعوة كـ نسخة شيعية من الإخوان المسلمين في التنظيم والفكر القطبي، لكنه انتهى كـ ذراع سياسي مرتبط بمركزية القرار في طهران (ولاية الفقيه). لقد كانت كتب سيد قطب هي المعبر الذي عبر من خلاله قادة الدعوة والخامنئي نحو تأسيس الدولة الإسلامية التي يحكمونها اليوم.



#مكسيم_العراقي (هاشتاغ)       Maxim_Al-iraqi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مشيخة كاكه عيداني واقليم البصرة الخليجي الايراني -3
- مشيخة كاكه عيداني واقليم البصرة الخليجي الايراني -2
- مشيخة كاكه عيداني واقليم البصرة الخليجي الايراني -1
- نحو ميثاق دولي شامل لتصفية الميليشيات وسد الفجوات القانونية ...
- دور أجهزة الاستخبارات الغربية والإسرائيلية في تحقيق السيادة ...
- هندسة القضاء العراقي من إرث مدحت المحمود إلى النفوذ الإيراني ...
- 4 سنوات كارثية قادمة بتامر ايراني امريكي بعد سيطرة امة الجبن ...
- تشيع ايران وتفريس العراق؟
- هندسة الذرائع والخداع الاستخباراتي الغربي قبل وبعد الحرب الا ...
- العلاقة بين مستوى السعادة ومستوى التدين في العالم!
- تفكيك اللامساواة في العالم لاسباب دينية في ضوء نظرية رأس الم ...
- أزمة الهوية الأطلسية بين صعود اليمين المسيحي الأمريكي وحزب ا ...
- الفلسفة الألمانية المعاصرة والارث الثقيل وتحليل مفهوم التحول ...
- نحو معاهدة ويستفاليا شرق اوسطية مضمونة دوليا ...اليات واهداف ...
- مسارات الفلسفة الالمانية واتجاهاتها من التنوير الى النقد الم ...
- اليسار الألماني بين حصار المؤسسات وصعود اليمين المتطرف في ظل ...
- نحو تقييم الدول بشرعية الانجاز فقط لا بالانظمة او الدساتير ا ...
- العراق واقتصاده من البلوتونومي الى خزانات البلوتونيوم واقتصا ...
- 4 سنوات كارثية قادمة بتامر ايراني امريكي بعد سيطرة امة الجبن ...
- الانكفاء العلماني وصعود الثيوقراطية الفاشية الفاسدة في الشرق ...


المزيد.....




- فيصل بن فرحان يطمئن واشنطن: الخلافات مع الإمارات تكتيكية ولا ...
- مفرح: خطاب الإقصاء يغذي استهداف المسيحيين في حرب السودان
- كيف تفككت السردية الإسرائيلية داخل الكنائس والمؤسسات الأميرك ...
- آلاف النازحين يحتمون بالمساجد والكنائس مع تصاعد وتيرة الاشتب ...
- مسيحيو السودان.. بين الإيمان و-الكيزان-
- سلطات الاحتلال تستولي على 694 دونما من أراضي قلقيلية وسلفيت ...
- الإسلام والسيف
- احتجاجات لليهود الحريديم ضد قانون التجنيد تنتهى بمقتل مراهق ...
- مقتل فتى بعد صدم حافلة لحشد من اليهود المتشددين في القدس
- مستوطنون صهاينة يقتحمون المسجد الأقصى المبارك بحماية من قوات ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مكسيم العراقي - مشيخة كاكه عيداني واقليم البصرة الخليجي الايراني -4