أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سمير خطيب - على كرسيّ الانتظار -- قصة قصيرة














المزيد.....

على كرسيّ الانتظار -- قصة قصيرة


سمير خطيب

الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 09:45
المحور: القضية الفلسطينية
    


على كرسيّ الانتظار
قصة قصيرة
بقلم: سمير الخطيب

جلس أبو ياسر على ذلك الكرسي الخشبي البائس، المهترئ، الذي جلس عليه قبله آلاف المنتظرين، آلاف التعساء الذين انتظروا أخبارًا عن موت أو حياة، عن خلاص أو هلاك. كان الكرسي نفسه شاهدًا صامتًا على كل هذا اليأس المتراكم، المتكدّس، المتخثّر في زواياه كالدم القديم—دم أبنائهم الذي سال على الحواجز، في الشوارع، وتحت أنقاض البيوت. يداه مشبوكتان بين ركبتيه، يعصرهما حتى ابيضّت مفاصله. كان يحاول أن يصلّي، لكن الكلمات كانت تتبعثر في رأسه كحبّات مسبحة مقطوعة الخيط.
“يا الله… يا رب… اشفِ ياسر… خذني أنا بدلًا منه…”
وهنا، في هذا الممر الضيق النتن برائحة المطهّرات الكيماوية والموت المقنّع، لم تكن هذه الكلمات مجرّد عبارات يقولها الآباء. كانت حقيقة عارية، مؤلمة، صادقة حتى النخاع. نعم… ألف مرة نعم. ليته هو من تلقّى تلك الرصاصة بدلًا من ياسر. ليته هو من كان هناك، عند الحاجز، عندما أطلق ذلك الجندي النار - ذلك الطفل الجبان المدجج بالسلاح والخوف والكراهية - دون سؤال، دون تردّد، دون أي شيء يشبه الرحمة.
لكن ياسر كان هو من ذهب لشراء الخبز. مجرّد خبز. هل هذه جريمة؟ الرصاصة استقرّت في بطنه. رصاصة واحدة، لكنها كانت كافية لتمزيق الأمعاء، لتحويل جسد فتى في السابعة عشرة إلى ساحة معركة داخلية بين الحياة والموت. ثلاث ساعات. ثلاث ساعات والجراحون يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه. العملية كان من المفترض أن تستغرق ساعة واحدة. لكن متى سارت الأمور في فلسطين كما يُفترض؟
مرّت ممرضة، ثم أخرى. وجوه متعبة، لكنها معتادة. اعتادت على رصاص الاحتلال، على الأجساد الممزقة، على الآباء المنتظرين في الممرات. نظر إلى ساعته. الوقت لم يعد له معنى. تحوّل إلى شيء لزج، كثيف، يجري ببطء مؤلم. حتى الوقت صار محتلاً.
في الزاوية المقابلة، كان رجل عجوز يسعل. سعال جاف، متقطّع. امرأة بجانبه تمسك يده وتربت عليها بإيقاع آلي ميؤوس منه. عرفهما أبو ياسر. كان ابنهما قد استُشهد في الانتفاضة الأولى. الآن يحتضر العجوز نفسه من مرض لم يجدوا له علاجًا، لأن الدواء ممنوع من الدخول. كلهم ينتظرون. كل عائلة في هذا الممر، في هذا المستشفى، في هذا الوطن المسحوق—كلهم ينتظرون.
تذكّر ياسر طفلًا. المرة الأولى التي سقط فيها عن الدراجة. كيف ركض نحوه دون تفكير، التقطه، فحص ركبتيه المخدوشتين. كان الدم يسيل، لكن ياسر ضحك وقال: “بابا، أنا بطل، صح؟”. قال له نعم. ولم يكن يكذب. كان ياسر بطلاً لأنه وُلد هنا. بطلاً لأنه استمر في الضحك. بطلاً لأنه ذهب ليشتري الخبز. لكن ما نوع البطولة هذه؟ أن تُقتل وأنت تشتري خبزًا؟
مرّ طبيب شاب في الممر، يتحدث في هاتفه عن موعد عشاء. شعر أبو ياسر بغيرة مؤلمة—ليست كراهية، بل غيرة من إنسان يستطيع أن يفكّر في الغد. نهض، سار بضع خطوات، عاد. الممر يشبه الوطن: ضيّق، محدود، لا يمكنك أن تذهب بعيدًا. في الخارج، كانت الشمس تغرب. خيوطها الأخيرة تتسلل من نافذة الممر، تقسم الأرضية إلى مربعات من نور وظلّ. فكّر: حتى الشمس لا تعرف لمن تنتمي هذه الأرض.
الباب… فُتح. لا. مجرّد ممرضة أخرى تحمل صينية معدنية ملطخة بالدم. كم من الدم يجب أن يُسفك؟ كم من الآباء يجب أن ينتظروا؟ لكن حتى هذه الأسئلة صارت قديمة. سألها الأب، والجد، وسيُعاد طرحها من جديد.
الباب! هذه المرّة… نعم. الطبيب. وقف أبو ياسر. ساقاه ترتجفان. قلبه يخفق بعنف. في تلك الثواني - الثواني التي امتدت إلى أبدية - عاش أبو ياسر كل المصائر الممكنة. رأى نفسه في جنازة، يحمل نعش ابنه، ينهار على القبر. رأى نفسه يعانق ياسر، يبكي من الفرح. رأى ياسر يكبر، يقاوم، يُسجن، يُحرر. رأى ياسر يهاجر، يهرب من هذا الجحيم. رأى كل شيء ولا شيء.
توقف الطبيب أمامه. رفع قناعه الطبي قليلاً.
وقبل أن ينطق بكلمة واحدة، أدرك أبو ياسر حقيقة مدمرة ومضيئة في آن:
مهما كان الخبر - حياة أو موت، نجاة أو شهادة - سيستمر كل شيء.
سيستمر الممر في استقبال الجرحى. ستستمر الرصاصات في الطيران. سيستمر الآباء في الانتظار على كراسي خشبية.
لكننا سنستمر أيضاً في الصمود.
لأن الانتظار نفسه صار شكلاً من أشكال المقاومة. أن تبقى حياً، أن تنتظر، أن ترفض الموت - هذا كان كل ما نملك.
الوطن نفسه كان ممراً طويلاً، ضيقاً، ننتظر فيه خبراً عن مصيرنا. لا نعرف متى سينتهي الانتظار، ولا كيف سيكون الخبر.
لكننا - رغم كل شيء، رغم الرصاص والدم والموت - ما زلنا هنا.
ما زلنا ننتظر.
ما زلنا صامدون.
فتح الطبيب فمه ليتكلم…



#سمير_خطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اشتقت_لك
- العلامة -- قصة قصيرة
- الطبيب_الجائع
- الحكمة والإرادة-- قصة قصيرة
- ما بين الميعاد والميلاد: ماتت العدالة
- لن تقاوموا⁉️
- أنشودة الشوق
- مُسافِرونَ في الحافِلةِ 480
- بين الكود والروح
- قارئة الفنجان
- على شفير الانفجار: هل بدأ العدّ التنازلي للحرب العالمية الثا ...
- في مأدبة الكاميرات‼️
- #رغيف_الخبز_في_غزة
- فلسطين… بوصلة التموضع في العالم المتعدد الأقطاب: هل تستطيع ا ...
- ))العقل بين الحصار والتحرر(( قراءة فلسطينية ماركسية لمشروع د ...
- اليوم الثامن - قصة تأملية فلسفية
- طائِرُ الفِينِيق الأَسِير... نَسْلُ الأَبَدِيَّة
- أيّوبُ القرنِ الواحدِ والعشرين
- لحن الحياة- قصة قصيرة
- قناع الليبرالية وذراع الصهيونية: بين دم الحقيقة , خجل الخطاب ...


المزيد.....




- -من غرفة نومهما-.. مصادر تكشف لـCNN كواليس القبض على مادورو ...
- نسخة -محسنّة- بواسطة الـAI من مسلسل دريد لحام الشهير -صح الن ...
- ترامب يكشف كواليس الليلة المظلمة في كراكاس.. ويعلن إدارة أمر ...
- اليمن .. ثنائية الوحدة والانفصال بين الماضي والحاضر
- من غواتيمالا إلى فنزويلا...سجل تدخلات الولايات المتحدة في أم ...
- التحديات التي تواجه السودان في بناء دولة المواطنة والقانون
- حطام طائرة بدون طيار في أفغانستان.. عطل فني أم مؤشر أمني؟
- إسرائيل تشيد بالعملية الأميركية في فنزويلا
- -جاسوس أميركي- بحكومة فنزويلا.. ماذا فعل في الأيام الماضية؟ ...
- ترامب ينشر صورة مهينة لمادورو -المعتقل-


المزيد.....

- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سمير خطيب - على كرسيّ الانتظار -- قصة قصيرة