أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يحي عباسي بن أحمد - مقاومة التغريب عند مالك بن نبي: بين فرنسا والهوية














المزيد.....

مقاومة التغريب عند مالك بن نبي: بين فرنسا والهوية


يحي عباسي بن أحمد
كاتب

(Abassi Yahia Ben Ahmed)


الحوار المتمدن-العدد: 8541 - 2025 / 11 / 29 - 21:48
المحور: قضايا ثقافية
    


لقد شكلت حياة مالك بن نبي في فرنسا تحت وطأة الاستعمار الفرنسي تجربة فريدة للتوازن بين الانفتاح على الفكر الغربي والحفاظ على الهوية العربية الإسلامية. هذه المقاومة لم تكن مجرد موقف شعوري أو انفعالي، بل إستراتيجية فكرية واعية تقوم على وعيه العميق بالاستعمار والتغريب وآليات تأثيره على المجتمعات.
الوعي بالاستعمار والتغريب
مالك بن نبي لم ير فرنسا فقط كمكان للدراسة أو مصدرًا للعلم، بل كـ"حقل تجارب حضارية" يعكس قوة الغرب وثقافته، لكنه كان أيضًا مسرحًا للاستعمار الفكري والثقافي. فقد فهم أن الغزو لم يكن يقتصر على الأرض والاقتصاد، بل شمل العقل والوعي، وأن التخلف ليس نتيجة نقص في الموارد أو الجغرافيا، بل نتيجة اختلال في الوعي الجمعي والقيمي. هذا الوعي المبكر شكّل خط الدفاع الأول أمام التغريب، حيث لم يكتف بن نبي بالمشاهدة، بل بدأ تحليل الصراع الحضاري بين الشرق والغرب.
التمييز النقدي بين المعرفة المفيدة والقيم الغربية
رغم دراسته في فرنسا، لم يغفل مالك بن نبي عن تمييز المعرفة العلمية عن القيم الثقافية الغربية. فالعلوم والفكر الغربي كانت بالنسبة له أدوات لفهم العالم وتحليل المشكلات الحضارية، لكنها لم تكن معيارًا لتقييم الإنسان والمجتمع. ففي كتابه شروط النهضة، يشدد على أن استيعاب العلوم الغربية يجب أن يكون خاضعًا لوعي الفرد بقيمه وهويته، وليس تسليمًا أعمىً لمعايير الغرب.
التمسك بالمرجعية الذاتية والثقافة الجذرية
أحد أهم آليات مقاومته للتغريب كان التمسك بالتراث الإسلامي والعربي. بن نبي لم يعتبر الثقافة الغربية معيارًا أو نموذجًا، بل مرجعية تتكامل مع جذوره الثقافية. هذا التمسك لم يكن سكونًا أو رفضًا للتغيير، بل قدرة على الانفتاح بطريقة مدروسة، تمكنه من الاستفادة من التجربة الغربية دون أن يفرط في هويته. فهو يرى أن الأمة تحتاج إلى وعي ذاتي لفهم أسباب تخلفها قبل محاكاة الغرب.
الاستقلالية الفكرية والقدرة على الحوار مع الآخر
مالك بن نبي طور استقلالية فكرية حقيقية، تتيح له تحليل الأفكار الغربية ونقدها بدل التلقي الأعمى. هذا ما مكنه من فهم الغرب بشكل موضوعي، دون الانبهار بمظهره الخارجي أو معتقداته الثقافية. فهو كان يرى أن كل فكرة غربية يجب أن تمر بفلتر الوعي والمرجعية الذاتية قبل تبنيها. وقد انعكس ذلك في كتاباته، التي تجمع بين التفسير الواقعي للأحداث الغربية وفهم جذور التخلف في المجتمعات الإسلامية.
التركيز على الإنسان والمجتمع كأولوية
الجانب الأخير في مقاومة بن نبي للتغريب يتمثل في تركيزه على الإنسان والمجتمع. فهو لم ير التحدي الحضاري كمجرد صراع بين ثقافتين، بل كقضية وعي وفعل. هذا التركيز جعله محميًا من الانبهار بالمظاهر الغربية، لأنه كان يرى القضية أعمق من مجرد التكنولوجيا أو الفكر الغربي، ويركز على تحرير العقل الجمعي من التبعية الفكرية. لقد استطاع أن يجعل تجربته في فرنسا مصدر قوة معرفية وليس انصهارًا ثقافيًا.
خلاصة
إن تجربة مالك بن نبي في فرنسا تظهر أن حماية النفس من التغريب ليست بالهروب من الغرب، بل بالوعي النقدي، والتمسك بالمرجعية، والاستقلالية الفكرية، وتحويل المعرفة إلى أداة لفهم الواقع. لقد علمنا أن الانفتاح على الآخر لا يعني الانصهار فيه، وأن الحفاظ على الهوية يتطلب وعيًا دائمًا وفعلًا متعمدًا. هذه التجربة تشكل نموذجًا لكل من يسعى للحفاظ على ثقافته وهويته في مواجهة تيارات التغريب والإغراء الحضاري



#يحي_عباسي_بن_أحمد (هاشتاغ)       Abassi_Yahia_Ben_Ahmed#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبادة الزعيم وخيانة الوعي: قراءة في أثر زعماء العاطفة على ال ...
- تيه المثقف بين إرادة السلطة وإرادة الجمهور قراءة في الانحياز ...
- السياسي المثقف والمثقف السياسي: بين الفكر والسلطة والوعي
- فلسطين: المشكلة أم المرآة؟ إعادة التفكير في مركزية القضية دا ...
- المسألة اليهودية عند مالك بن نبي: قراءة تحليلية أكاديمية
- العفن كآلية داخلية لتراجع المجتمعات – قراءة تحليلية في فكر م ...
- الخلاف الفكري بين مالك بن نبي وجمعية العلماء المسلمين الجزائ ...
- سيد قطب ومالك بن نبي: مقارنة موسعة بين الفكر والإيديولوجيا و ...
- العلمانية والتطرف: جدلية الردود المتبادلة ونقاط الالتقاء مع ...
- التوتر بين المطلق والتأويل قراءة في جدلية النص الإلهي والعقل ...
- الأسس المحورية في فكر مالك بن نبي وإعادة توجيه العقل العربي ...
- من الثورة إلى التوريث: الشرعية التاريخية في الجزائر بين الذا ...
- التأويل بين مالك بن نبي ومحمد أركون
- من الدين إلى الوعي: إعادة بناء الخطاب الإيماني المعاصر
- الدين والسياسة في الجزائر: من التقديس إلى التوظيف
- المثقف الجزائري بين الإيمان والنقد
- سلطة الدولة وسلطة المجتمع: من احتواء الفكر إلى تسطيحه
- العقل الجزائري بين التوجيه والحرية: سؤال البداية
- أزمة المفكّر لا العقل: تأملٌ في وعينا الحضاري
- هل يجب أن أكون تحت وصاية أحد؟


المزيد.....




- بعد استقالة ثاني أقوى رجل.. من يرأس وفد أوكرانيا بمفاوضات ال ...
- الأردن: الحكومة تطلق رسميًا مشروع -المدينة الجديدة- بعد سنوا ...
- قلعة حلب.. حصن منيع تصارعت عليه الحضارات ولم يخضع إلا بالحيل ...
- مشاهد من احتضان أهالي الشمال السوداني لنازحي الفاشر
- كيف تتحدث مع ابنك عن وزنه بطريقة داعمة بدون تجريح؟
- البابا في لبنان.. حدث روحي يفتح الباب لأسئلة سياسية
- -أحلى شعب بالعالم-.. فيديو للشرع من قلعة حلب
- جنوب غزة.. إسرائيل تعلن تصفية -عابري الخط الأصفر-
- السودان.. تحرك عاجل مطلوب قبل انفجار الأزمة
- شرطة هونغ كونغ تكشف عدد المفقودين جراء حريق أبراج سكنية


المزيد.....

- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت
- التجربة الجمالية / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يحي عباسي بن أحمد - مقاومة التغريب عند مالك بن نبي: بين فرنسا والهوية