أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أنس قاسم المرفوع - التسامح كفعل ثوري: قراءة في أخلاقيات المقاومة














المزيد.....

التسامح كفعل ثوري: قراءة في أخلاقيات المقاومة


أنس قاسم المرفوع
أكاديمي وكاتب وسياسي سوري باحث في مركز دراسات الشرق للسلام

(Anas Qasem Al-marfua)


الحوار المتمدن-العدد: 8541 - 2025 / 11 / 29 - 15:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


التسامح ليس مجرد ضعف أو استسلام بل يمكن أن يكون في جوهره أسمى أشكال المقاومة. فهذه الحقيقة التي تجلت في تجربة نيلسون مانديلا حين دعا إلى مائدته الحارس الذي كان يعذبه في السجن لا تقرأ فقط كدرس أخلاقي فردي بل ايضا كتعبير عن فلسفة سياسية عميقة تتقاطع رؤية اعتبار أن الثورة أخلاقية قبل أن تكون ثورة سلطة أو أسلحة فحقيقة في سجون الجلادين حيث يراد للمعتقل أن يفقد إنسانيته قبل أن يفقد حريته بحيث يصبح التمسك بالكرامة الفردية والجماعية شكلا من أشكال الحرب النفسية المضادة ولكن الأمر الذي يجب علينا تجاوزه هو منطق الثأر والرد والعنيف وبدلا من ذلك أن نعمل على بناء مجتمع ديمقراطي حر من رحم المعاناة ذاتها فكما أن مانديلا رفض أن يتحول إلى نسخة من جلاده كذلك علينا نحن أن نرفض أن تبنى حريتنا وديمقراطيتنا على أنقاض الآخر حتى ولو كان ذلك الآخر ظالما.

الثورة الأخلاقية: تفكيك الهيمنة من الداخل

حقيقة ان أخطر أشكال الاستبداد ليس ذلك الذي يمارس من خارج المجتمع بل الذي يتجذر في وعي الناس أنفسهم ولذلك فإن الثورة الحقيقية ليست في الإطاحة بالأنظمة فحسب بل أيضا في التحرر من عقلية الأنتقام والعقلية السلطوية والتي تولد الاستبداد حتى داخل صفوف الثوار أنفسهم فحقيقة إن الهدف من أي ثورة ليس امتلاك السلطة بل تفكيكها لأن السلطة المركزية حتى لو كانت بيد المناضلين تميل دوما إلى إعادة إنتاج علاقات القمع السابقة وفي هذا السياق يكتسب التسامح بعدا استراتيجيا أخلاقيا فهو ليس تنازلا عن العدالة،ط بل تأسيس لعدالة جديدة لا تعيد إنتاج حلقة الانتقام بل تقطعها نهائيا فحقيقة ان العدالة الحقيقية لا تتحقق بالعقاب بل بإعادة بناء العلاقات الاجتماعية على أسس متساوية وديمقراطية فحقيقة إن التسامح يرتبط بشكل أساسي بالحياة الديمقراطية لأن المجتمع الذي لا يحتمل تنوعه ولا يغفر أخطاءه هو مجتمع عقيم عاجز عن الابتكار أو التقدم فالتسامح ليس ترفا أخلاقيا بل شرط وجودي لبقاء المجتمعات المتنوعة.

حين يصنع الضحايا سلاما لا ينتصر عليه

حقيقة ليس موقف مانديلا استثناء منعزلا بل هو جزء من نسيج بشري عالمي تكرر في لحظات حرجة من تاريخ البشرية حيث اختار الضحايا أن يفتحوا صفحة جديدة لا تمحى فيها الذكريات بل تتحول عبرها إلى حكمة جماعية.
فحقيقة في رواندا بعد الإبادة الجماعية عام 1994 التي راح ضحيتها نحو 800 ألف شخص في مئة يوم لم تكتف الدولة بإعادة بناء المؤسسات بل اعتمدت على نظام الغاكاكا أي المحاكم الشعبية التقليدية التي حولت العدالة من منطق العقاب إلى منطق الاعتراف وإعادة الإدماج فحقيقة لم يكن الهدف سجن الجناة فحسب بل جعلهم يعترفون بأفعالهم أمام مجتمعاتهم ويعيدوا بناء العلاقات التي دمروها لم يكن ذلك تسامحا سهلا بل وعيا جماعيا بأن العدالة التي لا تعيد ربط النسيج الاجتماعي ستولد كراهية جديدة.
أما في البوسنة والهرسك فما تزال مبادرات مثل الأمهات من سريبرينيتسا تدعو مرتكبي المذبحة إلى الاعتراف لا لمحاسبتهم بل ليعرفوا أننا لا نكرههم رغم كل ما فعلوه
لأن العدو الحقيقي ليس الإنسان بل النظام الذي يصنع منه جلادا

نحو سلام لا يبنى على النسيان بل على الوعي

حقيقة ان السلام المستدام لا يبنى على إلغاء الماضي بل على تفكيك آلياته لأنه لا يكفي أن يتوقف القتال بل يجب أن يتوقف التفكير الذي ينتج القتال وهنا يصبح التسامح فعلا سياسيا ثوريا لأنه يعيد تعريف العلاقة بين الضحية والجلاد ليس كعلاقة ثنائية من الأنا والآخر بل كعلاقة مشتركة في نسيج واحد من المسؤولية التاريخية. فحقيقة ان دعوة مانديلا لحارس السجن ليست دعوة للنسيان بل للاعتراف المتبادل اي الاعتراف بالألم من جهة وبالإنسانية من جهة أخرى وهي الدعوة ذاتها التي نريد طرحها أي الديمقراطية التشاركية التي لا تقصي أحدا حتى من خان أو قتل طالما هو مستعد للعودة إلى مفهوم الإنسان ، ولكن في الحقيقة في عالم ما زال يدار بالثأر وبالعدو المطلق تبقى هذه الرؤية نادرة وخطيرة نادرة لأنها تطلب من الإنسان أن يتحمل عبء الحرية وخطيرة لأنها تهدد كل من يستفيد من استمرار الكراهية لكنها في النهاية قد تكون السبيل الوحيد لبناء وطن لا يبنى على جماجم الآخرين بل على أحلامهم المشتركة.



#أنس_قاسم_المرفوع (هاشتاغ)       Anas_Qasem_Al-marfua#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حقيقة القيادة: قراءة في فلسفة عبد الله أوجلان الوجودية والجم ...
- معضلة التبعية وأمل التحرر الحقيقي
- الإسلام بين التراث والتحرير: نحو مشروع حضاري قائم على العدال ...
- سوريا من ركام الطغيان إلى وطن التعددية: معضلة البناء وآفاق ا ...
- الديمقراطية كأخلاقيات: من مقاومة الدولة إلى بناء المجتمع
- نحو ثورة ذهنية: بناء مجتمع ديمقراطي قائم على العدالة والاعتر ...
- الانسحاب الكردي من تركيا: بين رؤية المفكر أوجلان للسلام ومأز ...
- تأسيس الكيانات القومية في الشرق الأوسط: من الأدوات الاستعمار ...
- الديمقراطية من منظور تحرري: نحو -أمة ديمقراطية- في قلب الشرق ...
- مشروع الشرق الأوسط الكبير: من الفوضى المُنظمة إلى أمة ديمقرا ...
- أخلاقيات النضال في فلسفة المفكر عبدالله أوجلان : حين تتحول ت ...
- أخلاقيات النضال: حين تتحول تضحيات الشهداء إلى مؤسسات خالدة
- الدولة المركزية: القمع والدمار وبدائل التحرر
- لاعدالة دون اعتراف : ذاكرة المظلومين أساس بناء الدول :
- إعادة تشكيل سوريا الجديدة: نحو مشروع ديمقراطي تشاركي من خلال ...
- سوريا المستقبل من نموذج الاستعمار إلى أمة التحرر: المرأة أسا ...
- سوريا ما بعد الأسد: من دولة الهيمنة إلى مجتمع التعاقد - نحو ...
- الأخلاق كبنية تحتية للأمة الديمقراطية: قراءة في فكر أوجلان ح ...
- الضربات الأمريكية على إيران هل تفتح الباب لثورة داخلية أم حر ...
- من التشرذم إلى الثورة: كيف تصنع شعوب الشرق الاوسط مصيرها في ...


المزيد.....




- حريق هونغ كونغ.. وفاة أكثر من 100 شخص و200 ما زالوا مفقودين ...
- روسيا تشن أكبر هجوم بطائرات مسيرة وصواريخ على أوكرانيا منذ ش ...
- ليست في اليابان أو الهند.. أين تقع أكبر مدينة في العالم؟
- هجوم روسي يهزّ أوكرانيا.. قتلى وانقطاع الكهرباء عن أكثر من 6 ...
- خرافة أم حقيقة؟ تأثير غذاء الأم على لون بشرة المولود
- قتلى وجرحى في هجوم روسي ليلي كبير على أوكرانيا قبل مفاوضات س ...
- جيروزاليم بوست: رئيسة أيرلندا الجديدة حليف لحماس وخطر على إس ...
- -أطلقوا سراح مروان-.. حملة عالمية للإفراج عن البرغوثي
- غابات أفريقيا تتحول من خزان للكربون إلى مصدر له
- تعرف على تفاصيل اتفاق فصل القوات بين إسرائيل وسوريا لعام 197 ...


المزيد.....

- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو
- حكمة الشاعر عندما يصير حوذي الريح دراسات في شعر محمود درويش / د. خالد زغريت
- التاريخ يكتبنا بسبابته / د. خالد زغريت
- التاريخ يكتبنا بسبابته / د. خالد زغريت
- جسد الطوائف / رانية مرجية
- الحجز الإلكتروني المسبق لموسم الحنطة المحلية للعام 2025 / كمال الموسوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أنس قاسم المرفوع - التسامح كفعل ثوري: قراءة في أخلاقيات المقاومة