أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض سعد - النقل والرواية بوصفها ساحة للصراع: نقد تمثّلات الخصم والاخر في الكتابة التاريخية والثقافية والفعاليات الاعلامية















المزيد.....

النقل والرواية بوصفها ساحة للصراع: نقد تمثّلات الخصم والاخر في الكتابة التاريخية والثقافية والفعاليات الاعلامية


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8541 - 2025 / 11 / 29 - 09:43
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


مقدمة: إشكالية الرؤية من الخارج
تُعَدّ مسألة تقييم الأفراد والجماعات والمجتمعات من قِبل الخصوم أو الغرباء أو المؤدلجين ... الخ ؛ إحدى القضايا الإشكالية الأكثر تعقيدا و حضوراً في تاريخ الفكر الإنساني... ؛ فهي تكشف عن التوتر البنيوي بين المعرفة والقوة، وبين السردية والهوية، وبين البحث الموضوعي من جهة، وآليات الانحياز والتمثيل والتخييل الأيديولوجي وتأثيرات البيئة والتربية والوراثة من جهة أخرى... ؛ ففي لحظة الصراع، أو التنافس، أو التمايز الثقافي، لا تعود الكتابة مجرّد نقلٍ للواقع، بل تتحوّل – في كثير من الأحيان – إلى أداةٍ لإنتاج معنى يخدم موقع الكاتب ومصالح جماعته ورؤيته للعالم... ؛ فالناظر من موقع العداء أو الاختلاف الجذري لا يرى موضوعه إلا من خلال مرآة مشوِّهة، تُعيد إنتاج صورته وفقاً لرغباته ومخاوفه وأيديولوجيته، لا وفقاً لما هو كائن في الواقع .
وقد عبّرت هذه المقولة الشهيرة عن هذه الظاهرة بعبارة موجزة وعميقة الدلالة :«كُلُّ الدجاجاتِ ماكِرةٌ، إذا كانَ كاتبُ الرِّوايةِ ثعلباً »؛ في إشارة إلى أن الحقيقة ليست فقط ما يحدث، بل ما يُروى ويُكتب ويُدوَّن ويظهر للناس، وأن هذه الرواية كثيراً ما تتأثر بمن يكتبها وبالأسس والرؤى والجذور التي ينطلق منها... ؛ فهذه الكلمات ليست مجرد استعارة أدبية، بل هي خلاصة رؤية نقدية لآلية إنتاج المعرفة عندما تُحتكر من قبل طرف مُتحيِّز.
أولاً: البعد السياسي–التاريخي في تمثيل الآخر
من منظور التاريخ السياسي، لم تكن الكتابة عن الآخر يوماً عملاً بريئاً... ؛ فالحكومات الظالمة والحكام الطغاة والدول الاستعمارية – في حقب مختلفة – اعتمدت على خطابٍ معرفي يُبرّر الهيمنة والظلم والجور والتعسف ، ويُنتج صوراً نمطية عن “الشعوب المستعمَرة والمظلومة والجماعات المضطهدة والمسحوقة والمهمشة والمكونات المقهورة ”... ؛ كان الحاكم والمستعمِر يوظّف وعاظ السلاطين و المؤرخين والرحّالة والحاشية ... الخ ؛ لإنتاج سرديات تُظهره بوصفه “المتحضّر والعادل وظل الله في الارض والمحرر ” في مقابل “المتخلّف والخارجي والهمجي والمجرم ... الخ ”، بغية إضفاء الشرعية على مشروع السيطرة والتسلط ... ؛ وفي هذه الحالات لا ينتظر الإنسان إنصافاً من بنيةٍ معرفية وُلدت لخدمة القوة أصلاً.
ولذلك يُصبح السؤال بديهياً:
ماذا ينتظر المرء من الحاكم الظالم أو المستعمِر الغاشم، أو من الكتّاب المتحيّزين في خدمته، عندما يكتبون عن المجتمعات التي يحتلونها أو تلك التي يسومونها سوء العذاب ؟
الجواب – تاريخياً – أن الإنصاف كان استثناءً نادراً، يتطلّب جهداً نقدياً شاقاً وموقعاً مستقلاً عن منظومة السلطة.
نعم , منذ بدايات تشكّل الدولة الحديثة وتوسّعها خارج حدودها الجغرافية، احتلّ الخطاب المعرفي موقعاً مركزياً في تبرير السلطة... ؛ ففي التجارب الاستعمارية الكلاسيكية، كان إنتاج المعرفة عن الشعوب المستعمَرة جزءاً لا يتجزأ من ممارسة السيطرة ذاتها... ؛ وقد لجأت الإمبراطوريات إلى تجنيد المؤرخين، والمستشرقين، والرحّالة، والصحفيين، والباحثين الاجتماعيين لكتابة روايات تُظهر المستعمِر بوصفه حاملاً لـ«رسالة تحضّر» بينما تُقزِّم الآخر، وتُنزله من مرتبة الندّية إلى مرتبة «موضوع المعرفة» أو «مادة البحث»... الخ .
وهكذا تصبح الكتابة ذاتها امتداداً للهيمنة، لا نشاطاً معرفياً خالصاً... ؛ ومن هنا يكتسب السؤال مشروعيته التاريخية: ماذا ينتظر المرء من المستعمِر الغاشم أو من منظومته الإعلامية والبحثية عندما تكتب عن المجتمع الخاضع لسلطته كما اسلفنا ؟
غالباً ما يكون الجواب أن الإنصاف استثناء، وأن الرواية تُبنى لخدمة مشروع سياسي أو سردية فوقية تُعيد ترتيب العالم وفق مصالح القوة.
نعم , تاريخياً، لم تكن كتابات المستعمر عن المُستعمَر، أو كتابات القوة المسيطرة عن الجماعات المقهورة، مجرد سجلات محايدة، بل كانت أدوات لتبرير الهيمنة وإدامتها.... ؛ فالصورة التي رسمها المستشرقون – بعضهم وليس كلهم – عن "الشرق الكسول"، أو "المسلم المتعصب"، أو "العربي غير العقلاني"، لم تكن محض صدفة، بل كانت جزءاً من البنية الأيديولوجية التي تبرر الاحتلال والاستعمار تحت شعار "عبء الرجل الأبيض" لتحضير "الهمجي"... ؛ وهنا يندرج المثل تماماً: فالثعلب (المستعمر) لن يصور الدجاجات (المستعمَرين) إلا على أنها ماكرة، لأن ذلك يبرر افتراسه لها ويحولها من ضحية إلى شريك في جريمة افتراسها... !
وينطبق هذا المنطق ذاته على الصراعات المذهبية والطائفية... ؛ فعندما يكتب السني المتعصب عن الشيعة، أو الشيعي المتعصب عن السنة، أو العلماني المتشدد عن الإسلاموي، أو العكس، فإن الناتج لا يكون تاريخاً ولا علماً، بل هو "فولكلور كراهية" يُعيد إنتاج الأساطير والصور النمطية... ؛ فالكتابة هنا لا تنقل واقعاً، بل تُنتج "واقعاً موازياً" يخدم الاستقطاب ويُعمّق الشرخ... ؛ إنّ الإنصاف – في مثل هذه السياقات المأسورة بالصراع – يصبح استثناءً نادراً... ؛ كما اسلفنا .
ثانياً: البعد الأنثروبولوجي والثقافي والديني : الهوية كعدسة لتشويه الآخر
في البنى الثقافية التقليدية والمعاصرة على حدّ سواء، تلعب الهوية دوراً محورياً في تشكيل نظرة الجماعة إلى ذاتها وإلى غيرها... ؛ فالكتابة عن الآخر ليست فعلاً معرفياً فقط، بل هي أيضاً فعل وجودي يعيد رسم حدود الهوية الجماعية.
وعندما تتقاطع الهوية الدينية أو المذهبية أو العرقية مع عملية التأريخ أو التقييم، تشتدّ احتمالات الانحياز... ؛ إذ ينزع الكاتب – بوعي أو بغير وعي – إلى قراءة تاريخ الآخرين عبر مرآة جماعته أو بيئته أو ثقافته ، لا عبر أدوات البحث الموضوعي ومناهج البحث العلمي فحسب ... ؛ ومن ثمّ يصبح من الصعب توقُّع الحياد من شخصٍ متعصّب، أيّاً كان انتماؤه، عندما يتناول حياة جماعة تختلف عنه عقيدةً أو ثقافةً... الخ ؛ فكاتبٌ مشبعٌ برؤية لاهوتية أو أيديولوجية مغلقة سيجد نفسه – بوعي أو دون وعي – يميل إلى تفسير تاريخ الآخر من خلال تصوّرات جماعته وثقافته وتربيته ، لا من خلال أدوات البحث الموضوعي .
وبهذا تتكرّر الأسئلة المشروعة: هل يُنتظر الحياد من كاتبٍ ينطلق من خلفية مذهبية متشددة عندما يكتب عن جماعة أخرى داخل الدين نفسه؟
وهل يمكن لخطابٍ أيديولوجي صلب – علمانياً كان أم أصولياً – أن يُنصف خصمه الفكري في عرضه وتحليله ؟
و هل ينتظر المرء حياداً من فردٍ متعصّب – من أي خلفيةٍ كان – عندما يكتب عن جماعةٍ أخرى تختلف معه عقيدةً أو ثقافةً أو طقساً ؟
الخبرة الإنسانية عبر القرون تشير إلى أن الإجابة في معظم الحالات هي النفي، لأن الهوية حين تُغلق على ذاتها تُحوّل الكتابة إلى أداة لإعادة إنتاج الحدود لا لكشف الحقيقة.
والسوابق التاريخية تشير إلى أن التعصّب يجعل “الآخر” مادة لإثبات الذات لا شريكاً في التاريخ، فتتحوّل الكتابة إلى ساحة إسقاطات نفسية وثقافية ... ؛ والمثال ذاته ينطبق على التوترات داخل الدين الواحد أو المجتمع الواحد: فما يُنتجه كاتبٌ سنّي متعصّب عن الشيعة، أو كاتبٌ شيعي متعصّب عن السنّة، أو كاتبٌ علماني عن الأصوليين، أو أصولي عن العلمانيين، غالباً ما يتّسم بالانتقائية، ويعكس رؤية جماعةٍ تقوّي هويتها عبر تشويه صورة الجماعة الأخرى... ؛ وهنا تصير الكتابة نفسها امتداداً للصراع، لا وسيلةً لفهم الواقع .
نعم , تزداد الإشكالية تعقيداً عندما تكون خلفية الكاتب الدينية أو الثقافية أو المذهبية أو الايدلوجية ذات حضور ضاغط على وعيه ... ؛ فالمؤرخ أو الباحث الذي ينطلق من تعصبٍ ديني أو انحياز عقائدي لا يرى الجماعة الأخرى كما هي، بل كما تسمح له رؤيته الضيقة أن يراها كما اسلفنا .
ولذلك يُسأل الإنسان بحق:
هل ينتظر المرء إنصافاً وحياداً من كاتبٍ متعصّب حين يؤرخ لحياة جماعةٍ تختلف عنه دينياً أو مذهبياً أو ثقافياً؟
ومهما اختلفت الأمثلة—سواء كاتب مسيحي متشدد يدوّن عن المسلمين، أو باحث يهودي متحيّز يكتب عن العرب، أو كاتبٌ سنّي متعصّب يتناول تاريخ الشيعة، أو سلفي تكفيري يصف طقوسهم، أو علماني يكتب عن الأصوليين أو العكس—فإن الظاهرة واحدة: الاختلاف الهوياتي حين يقترن بالتعصب ينتج سردياتٍ مشوهة، لا معرفة محايدة ... ؛ فالكتابة هنا ليست عملاً معرفياً بل فعلاً هوياتياً يسعى إلى تثبيت صورة الذات عبر تشويه صورة الآخر.
نعم , اظهرت لنا الدراسات الأنثروبولوجية ؛ أن الجماعات عبر التاريخ طالما خافت من «الآخر»، فأنتجت عنه سرديات تُعيد ترسيم الحدود الثقافية... ؛ وعندما يأتي التقييم من خارج الجماعة—سواء من الغرباء أو المختلفين حضارياً—تطغى القراءة من منظور «المراقب الخارجي» الذي يفتقر إلى فهم البنى الرمزية والطقوس والعادات في سياقها الطبيعي، ما يؤدي إلى سوء تفسير أو إسقاط ثقافي أو قراءة تنطلق من مركزية الذات.
وهذه الظاهرة تتضاعف حين يتحدث المختلف من موقع قوة أو استعلاء معرفي، إذ يغدو وصفه للجماعة الأخرى امتداداً لسلطته، لا سعياً للفهم كما اسلفنا وذكرنا ذلك مرارا وتكرارا .
ثالثاً: البعد النفسي والاجتماعي: آليات الإدراك في زمن الخصومة
تشير دراسات علم النفس الاجتماعي إلى أن الإنسان لا يكتفي بوصف خصمه، بل يعيد تشكيل صورته وفق حاجاته النفسية وسياق صراعه معه... ؛ فالتصنيف، والتجريد، والانتقاء، والتعميم السلبي، وآلية «نحن/هم» جميعها استراتيجيات دفاعية تُستخدم لحماية الهوية وتعزيز تماسك الجماعة ... ؛ وفي هذا السياق، لا يعود الخصم كائناً حقيقياً له تجاربه وطبقاته الاجتماعية وتعقيداته الثقافية، بل يتحول إلى رمز أو صورة ذهنية تُخدم سردية الجماعة المسيطرة أو المتوترة أو الغريبة أو الاخرى ... الخ ؛ وهكذا تصبح الكتابة نفسها عملية نفسية قبل أن تكون عملية معرفية، عملية تُلوّنها الانفعالات والولاءات أكثر مما يوجّهها العقل النقدي.
نعم , علم النفس الاجتماعي يُظهر أن الإنسان لا يرى خصمه كما هو، بل كما يحتاجه أن يكون ضمن “سرديته الخاصة”... ؛ فالتصنيف، والتنقيص، والانتقاء، وثنائية “نحن/هم”، كلها آليات دفاعية لإثبات التفوّق أو حماية الهوية الجمعية كما اسلفنا ... ؛ وتحت ضغط هذه الآليات، تتحوّل الكتابة إلى نوع من “الهندسة النفسية” للعدوّ... ؛ ولذلك نجد أن الإنصاف يصبح صعباً حين يكون الكاتب طرفاً في النزاع، لأن الانفعال يسبق الفكرة، والولاء يسبق التحليل، والتحيّز الإدراكي يسبق الحقيقة.
وتُظهر الدراسات النفسية أن الإنسان في لحظة الخصومة أو الاختلاف أو التفوق قد يتبنّى تلقائياً آليات إدراكية تُعيد ترتيب الواقع بما يخدم جماعته وأيدولوجيته ... ؛ ومن أبرز هذه الآليات:
*الانتقاء: التركيز على السلوكيات السلبية وإهمال الإيجابية.
*التعميم: تعميم سلوك فرد على الجماعة بأكملها.
*الاستقطاب: تقسيم العالم إلى «نحن» مقابل «هم».
*التشييء: نزع الإنسانية عن الآخر واختزاله في نمط واحد.
وبسبب هذه العمليات النفسية، تتحوّل رواية الخصم والاخر المختلف إلى بناءٍ رمزي يهدف إلى تثبيت صورة ذهنية لا علاقة لها بالواقع المركّب... ؛ وبذلك يغدو النص جزءاً من الصراع، لا محاولةً لفهم الحقيقة.
نعم ، تُعدُّ عملية "تمثيل الآخر" من قبل الغرباء أو الخصوم نشاطاً ثقافياً تتدخل فيه "المركزية الإثنية" (Ethnocentrism) بشكل فجّ، حيث تُقاس ثقافة الآخر وقيمه وسلوكه بمعايير الذات، فتُرفض وتُشوه لكونها مختلفة فحسب... ؛ وتتحول الاختلافات الثقافية – في هذه الحالة – من مجرد تباينات طبيعية إلى علامات على "التخلّف" أو "الهمجية" أو "اللاعقلانية"... ؛ ويُفسر علم النفس هذا الانزياح من خلال "النظرية الاستدلالية" (Attribution Theory)، حيث يُفسر الفعل السلبي للخصم على أنه نابع من طبائع ثابتة وشر متأصل ("هم أشرار بالطبع")، بينما يُفسر الفعل السلبي للذات على أنه رد فعل ظرفي مضطر له ("اضطررنا لفعل ذلك").
رابعا : التحليل الاجتماعي: بناء صورة العدو ووظيفته الاجتماعية
تُظهر سوسيولوجيا الصراع أن "صورة العدو" ضرورية لتكوين الهوية الجماعية للجماعة، فـ "نحن" لا تُعرّف إلا بوجود "هم"... ؛ ولكي تكون هذه الهوية متماسكة، يجب أن يكون "الهم" مُختلفاً جذرياً، ويمثل تهديداً وجودياً، وذا صفات سلبية ثابتة... ؛ ومن هنا، فإن التقييم الصادر عن الخصم يتحول إلى نوع من "الخطاب التبريري" الذي يُجيز استبعاد الآخر أو محاربته أو إباحته دمه أو ماله أو كرامته... ؛ فالكاتب المنتمي لجماعة، حين يكتب عن جماعة معادية أو مغايرة أو مختلفة ، غالباً ما يكتب خطاباً موجهاً لأبناء جماعته لتأكيد تفوقهم وشرعية قضيتهم، وليس بحثاً عن الحقيقة.
*التحيّز السردي وإعادة إنتاج الواقع
نعم , عندما يكون الكاتب طرفاً في النزاع، يتشكّل سرد الواقع وفق منطق «التأويل الموجَّه»، حيث تُنتقى الأدلة بما يتوافق مع الرواية المطلوبة، ويُغضّ الطرف عن المعطيات المخالفة... ؛ وهذا ما يجعل الرواية التي يكتبها الخصم عرضةً للتشويه البنيوي، لا لخطأ عابر في التقدير والتقييم والنقل والتوصيف الواقعي ... ؛ إذ يغدو النص حينها وسيلة لإنتاج «حقيقة مشوهة» تخدم الهوية الجماعية، وليس أداةً لتفكيك الواقع بوصفه مجموعة من الوقائع المعقَّدة والمتشابكة.
خامساً: نحو كتابة محايدة: شروط المنهج وأخلاقيات المعرفة
إن الحياد في الكتابة التاريخية والسوسيولوجية ليس فضيلة أخلاقية فحسب، بل هو شرط منهجي ضروري... ؛ ومهمة المؤرخ أو الباحث أو المقيم تقتضي التحرّر – قدر الإمكان – من : الأحكام المسبقة ... ؛ و الانحيازات الدينية والمذهبية ... ؛ و الضغائن القومية والعرقية ... ؛ و الأيديولوجيات الصلبة ... ؛ والعواطف الانفعالية التي تغلّف الوقائع بالقيم الذاتية ... الخ ؛ فالكتابة التي تُبنى على التعصّب والتحيز لا تشوّه الحقائق فحسب، بل تجرّد المعرفة من وظيفتها الأساسية: فهم الإنسان كما هو، لا كما نريده أن يكون... ؛ ولا يمكن للتاريخ أن يُكتب بصدق، ولا للواقع أن يُنقل بأمانة، إذا كان القلم في يد خصمٍ يرى في الآخر مادة لإثبات تفوقه أو لخدمة روايته.
فالكتابة التي تُنتجها هذه العناصر السلبية انفة الذكر لا تنقل الواقع، بل تعيد خلقه بصورة مزيّفة... ؛ والتعصّب – كما يقول العديد من المفكرين – لا يزوّر التاريخ فحسب، بل يزوّر الوعي نفسه.
إن الحياد ليس فضيلة أخلاقية فقط، بل شرطٌ منهجي في كل علم يتعامل مع الإنسان... ؛ وأي سردية تُكتب من موقع الكراهية أو التحيّز ستبقى محدودة ومشوَّهة، مهما بدت متماسكة.
إن شروط العمل العلمي تفرض على المؤرخ والباحث والمقيم أن يلتزموا بالحياد والتجرد والمنهجية، وأن يتساموا فوق الأحقاد الطائفية والضغائن العنصرية والأيديولوجيات المتخشبة والأحكام المسبقة... ؛ فالتعصب—أياً كان مصدره—يُشوّه معالم الحقيقة، ويُزيّف التاريخ، ولا ينقل الواقع بصدق... ؛ والمعرفة التي تنطلق من العداء ليست معرفة، بل خطاب صراع يرتدي ثوب الموضوعية.
إن كتابة التاريخ أو وصف المجتمعات ليست فعلاً تزيينياً، بل مسؤولية أخلاقية ومنهجية تتطلب صدقاً ونزاهة، وتستلزم من الكاتب أن يرى الآخر بوصفه شريكاً في الإنسانية لا خصماً يجب إدانته.
***خاتمة
تكشف المقولة: «كلّ الدجاجات ماكرةٌ، إذا كان كاتب الرواية ثعلباً» عن جوهر الصراع بين الرواية والحقيقة، بين المعرفة والسلطة، بين الموضوعية والانحياز... ؛ وهي تذكّرنا بأن ما يُكتب عن الجماعات والشعوب والتجارب الإنسانية ليس بريئاً دائماً، وأن الإنصاف في الكتابة عملٌ شاق يحتاج إلى وعي منهجي، ونزاهة فكرية، وقدرة على تجاوز ضغوط الهوية والصراع والسلطة .
إن كتابة التاريخ، أو تحليل المجتمعات، أو تقييم الثقافات الأخرى، لا يمكن أن تكون ممارسة عادلة إلا إذا انطلق صاحبها من رغبة حقيقية في فهم الإنسان، لا في انتصاره عليه... ؛ وحيثما يختفي هذا الشرط، تتحول الرواية إلى أداة للصراع، ويتحوّل القلم إلى سلاحٍ رمزي يصوغ العالم وفق ما يشتهي الكاتب، لا وفق ما هو عليه في الواقع.
لذا يظلّ الشرط الأول للكتابة العادلة هو التحرّر من العصبيات والأيدولوجيات المؤثرة سلبا ، والقدرة على النظر إلى الإنسان بوصفه كائناً جديراً بالفهم قبل الحكم، وبالمعرفة قبل الإدانة، وبالإنصاف قبل الهوى.
و تؤكد هذه الظاهرة السلبية على حقيقة منهجية وأخلاقية جوهرية: التعطش للمعرفة الحقيقية يتطلب التحرر من أسر الخصومة و تأثيرات العقيدة والقومية والعنصرية والايدلوجية ... ؛ اذ لا يمكن للمؤرخ، ولا للباحث الاجتماعي، ولا للإعلامي أن يدّعي الموضوعية ما لم يتسامَ عن الأحقاد الطائفية، والضغائن العنصرية، والأحكام المسبقة، والأيديولوجيات المتصلبة... .
إن الحياد ليس مجرد موقف أخلاقي، بل هو شرط منهجي لإنتاج معرفة صادقة ونقل حقائق واقعية... ؛ إنه التسامي الذي يسمح للباحث بأن يرى في "الآخر" إنساناً له منطقه وسياقه وتعقيداته، لا مجرد رقم في معادلة صراع، أو صورة نمطية في خطاب كراهية.
فإذا كان كاتب الرواية ثعلباً، فستظل كل الدجاجات ماكرة في سجلات التاريخ... ؛ ولكن مهمة العقل النقدي هي كشف هذه الآلية، واقتراح طريقة أخرى لكتابة الرواية، حيث يكون الكاتب إنساناً يبحث عن الحقيقة، لا ثعلباً يبرر افتراسه واعتداءه على الدجاج ... ؛ ومن هنا، فإن الإنصاف في الكتابة ليس أمراً يتأتّى تلقائياً، بل هو ثمرةُ نقدٍ ذاتيّ عميق، وتدرّبٍ منهجي على رؤية الواقع كما هو، لا كما تريد الهويات المتنازعة والسلطات أن يكون.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اشكاليات مفهوم الأمة العراقية / 10 / ازدواجية المعايير وإشكا ...
- الهجرة بوصفها فعلًا اجتماعيًّا معقّدًا: بين الاستبداد السياس ...
- نحو تأسيس وعي وطني جديد: مقاربة فلسفية-سياسية في مفهوم الأمة ...
- جشع محطات الوقود الأهليّة… حين يتحوّل «القليل» إلى منظومة فس ...
- الضياع… حين تغترب النفس عن ذاتها وتصبح الحياة بلا بوصلة
- العوامل الصانعة للوعي الجمعي والثقافة العامة : بين القيادة و ...
- حين يتحول المجرم إلى وجيه .. والمجتمع إلى شريك في الجريمة..! ...
- ما بعد الفناء النووي: الإنسان حين يحترق بعقله
- سرقات في ظلال القانون — حين تتخفّى اللصوصية بثياب الفضيلة
- مقاربة سياسية لما بعد الانتخابات العراقية 2025: بين توازن ال ...
- العراق بين مطر السياسة وجفاف الرافدين ... قراءة في العقل الت ...
- سقوط القيم في الصراع السياسي والانتخابي : قراءة في التحلل ال ...
- جمر التوازن تحت مطر الفوضى والتشويش: محاولة للوجود والاتزان ...
- زعامة الفقاعات وساسة الاعلانات واللقاءات : حين يتحوّل الترشّ ...
- تداعيات المرحلة الانتقالية: استغلال الطفولة وتقويض الديمقراط ...
- العراق وسوريا بعد سقوط دمشق: تشريح التوترات الأمنية والطائفي ...
- المسافة الآمنة: فنّ وضع الحدود في العلاقات الإنسانية
- مقولة وتعليق/ 62/ الحرية ثمرة العقل المستنير
- مقولة وتعليق / 61 / التعليم والذكاء: ثنائية الزيف والحقيقة ف ...
- دور الصداقة ومنازل القلوب


المزيد.....




- سلسلة طائرات إيرباص A320 تحتاج لإصلاح فوري لتجنب فقدان الطيا ...
- -قريبًا جدًا-.. ترامب يلمّح لتحرك بري في فنزويلا ضد شبكات ال ...
- مصادر تكشف لـCNN ما قالته عائلة رحمن الله لاكانوال بتحقيقات ...
- مصر.. فيديو تحرش بفتاة داخل بناية والداخلية ترد
- نيويورك تايمز: ترامب تحدث إلى مادورو في اتصال بحث إمكانية عق ...
- دعهم يتحاربون واجلس وراقب
- إدارة ترامب توقف جميع قرارات اللجوء بعد هجوم البيت الأبيض
- بعد قصف إسرائيلي.. دمشق تطالب مجلس الأمن بالتدخل وهدوء حذر ف ...
- نيويورك تايمز: مكالمة بين ترامب ومادورو وسط التحشيد العسكري ...
- مصادر لـCNN: الجيش الأميركي نفذ ضربة ثانية وقتل ناجين بقارب ...


المزيد.....

- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ
- حوار مع صديقي الشات (ج ب ت) / أحمد التاوتي
- قتل الأب عند دوستويفسكي / محمود الصباغ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض سعد - النقل والرواية بوصفها ساحة للصراع: نقد تمثّلات الخصم والاخر في الكتابة التاريخية والثقافية والفعاليات الاعلامية