|
|
من التاريخ المصرى ،،
حسن مدبولى
الحوار المتمدن-العدد: 8513 - 2025 / 11 / 1 - 00:04
المحور:
قضايا ثقافية
يروّج بعض المتعصبين من الأقباط، و المتعاطفين معهم في الداخل والخارج، لفكرة مفادها أن الأقباط هم "أصل المصريين" وأصحاب الأرض الشرعيون، في مقابل "الغزاة العرب المسلمين" الذين جاءوا من شبه الجزيرة العربية و"احتلوا" مصر! وهذا الطرح، رغم ما يبدو عليه من دغدغة لعواطف الأقليات، ومحاولة لخلق سردية اسطورية تتشابه مع الأساطير اليهودية فى فلسطين ، إلا أنه أيضا يتجاهل عمدًا حقائق التاريخ، ويشوّه الوقائع، بل ويحاول أن يصادر هوية مصر الحضارية والدينية الممتدة على مدار آلاف السنين.
هل المسيحيين أصل المصريين!؟
الحقيقة التي لا تقبل المزايدة، هي أن المصريين الأصليين هم أبناء الحضارة الفرعونية القديمة، التي امتدت قرابة ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، وآمنت بآلهة متعددة كـ "رع" و"حورس" و"أوزيريس"، وتُعد من أعرق وأغنى الحضارات في التاريخ. ولم تظهر المسيحية في مصر إلا بعد دخولها من الشمال الشرقي، وتحديدًا من فلسطين، عبر الإسكندرية، في النصف الثاني من القرن الأول الميلادي، على يد القديس "مرقس الإنجيلي"، ويُرجّح أن ذلك تم في حدود عام 61م، وليس 66 كما يشيع البعض، ولم تتمكن الدعوة سوى فى القرن الخامس الميلادى بدعم رومانى أجنبى، ثم خلال سنوات قليلة سقط كل ذلك عقب الفتح الاسلامى عام 641 ميلادية فكيف يدعى البعض انهم أصل المصريين!؟
في البداية، انتشرت الدعوة المسيحية بشكل محدود في أوساط الجاليات اليهودية القاطنة بالإسكندرية، ثم بدأت تتوسع ببطء وسط بعض الفئات من المصريين، لكنها بقيت أقلية دينية مضطهدة من قبل الإمبراطورية الرومانية الحاكمة آنذاك، التي كانت تنظر إلى المسيحيين باعتبارهم تهديدًا سياسيًا ودينيًا، فتعرضوا للاضطهاد والتعذيب في عهود الأباطرة مثل "نيرون" و"دقلديانوس"، وكان الأخير الأكثر دموية، حيث شهد عهده (284 – 305م) ما يُعرف بـ عصر الشهداء في المسيحية المصرية، وتم فيه قتل الآلاف من الأقباط.
لكن المثير في تطور الأحداث، أنه مع تحول الإمبراطورية الرومانية إلى المسيحية بعد اعتناق الإمبراطور قسطنطين للدين الجديد عام 313م وإصداره "مرسوم ميلانو" الذي يضمن حرية العبادة، أصبحت المسيحية هي الديانة الرسمية، وبدأ المسيحيون في مصر يحظون بدعم السلطة الرومانية. ومن هنا بدأ التحول من الضحية إلى الجلاد. فقد تحالف الكهنة الأقباط مع الرومان مقابل تثبيت نفوذهم، وقَبِلوا بدفع الجزية للمحتل البيزنطي مقابل السيطرة الدينية على المصريين. وفي هذا الإطار، بدأ قمع المخالفين من أصحاب الديانات الأخرى، خصوصًا من تبقّى على ديانة المصريين القدماء، فهُدمت المعابد الفرعونية (المُعتبرة وثنية)، وتم قمع المتكلمين بالهيروغليفية، ومحاولة طمس اللغة القبطية نفسها لاحقًا لحساب اللغة اليونانية، لغة الكتاب المقدس والدولة الرومانية.
كما تصاعد القمع الطائفي ضد من لم يعتنق المسيحية، أو من اعتنق مذاهب مسيحية مغايرة. ومن أشهر حوادث القمع، ما وقع في القرن الخامس الميلادي حين جرى اغتيال الفيلسوفة والعالِمة الوثنية هيباتيا عام 415م على يد جماعة دينية متشددة محسوبة على الكنيسة في الإسكندرية.
ولعل أبرز شواهد القمع الديني الذي مارسته الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، يتمثل في اضطهادها لعلماء ولاهوتيي المسيحية أنفسهم ممن خالفوها فكريًا، مثل القس آريوس، الذي دعا إلى توحيد مطلق لله ونُفي واعتُبر زنديقًا، رغم أنه من أوائل مفكري الإسكندرية، ثم نسطور الذي اعتُبر "مهرطقًا" لأنه رأى أن للمسيح طبيعتين، فتم خلعه ونفيه إلى صعيد مصر. هذه الوقائع تكشف أن اضطهاد الكنيسة لم يكن حكرًا على الوثنيين أو غير المسيحيين، بل طال حتى المسيحيين الذين اختلفوا معها مذهبيًا.
و بحلول القرن السابع الميلادي، كانت مصر ترزح تحت وطأة الحكم البيزنطي الذي أعاد اضطهاد الأقباط أنفسهم بسبب تمسكهم بالمذهب "القبطي الأرثوذكسي" الرافض لقرارات مجمع خلقيدونية عام 451م، والتي فرضت المذهب الملكاني الموالي لروما. فكان الأقباط الأرثوذكس محرومين من كثير من المناصب، ومُعرضين لبطش سلطة دينية غريبة عنهم. وحين دخل عمرو بن العاص مصر عام 641م على رأس جيش الفتح الإسلامي، لم يلق مقاومة تُذكر من عامة الشعب، بل استقبله المصريون (ومن بينهم عدد من الأقباط) بوصفه محرِّرًا لا غازيًا، وقد كان ذلك ضمن ما يعرف بـ العهدة العمرية التي ضمنت حرية العقيدة للأقباط وحقوقهم الدينية والاجتماعية، مقابل دفع جزية رمزية.
وتشير الوثائق التاريخية أن الجزية التي فرضها المسلمون على الأقباط لم تكن سوى دينارين سنويًا للفرد القادر، وهي مبلغ ضئيل جدًا مقارنة بما كانت تفرضه الإمبراطورية البيزنطية، والتي وصلت في بعض الأحيان إلى أربعين ضعفًا، بحسب ما أورده المقريزي وغيره من المؤرخين المسلمين والمسيحيين على السواء.
خلاصة القول:
الأقباط ليسوا "أصل مصر"، بل هم أحد مكونات الشعب المصري الذين اعتنقوا المسيحية في حقبة متأخرة.
لا يملك أحد الحق في احتكار الهوية المصرية أو نفي الآخر منها.
الفتح الإسلامي لم يكن غزوًا، بل جاء لإنهاء احتلال روماني دام لقرون، وحرر الأقباط من بطشه، وضمن لهم حرية عقيدتهم لأول مرة.
الحديث عن "عودة العرب إلى الجزيرة" ليس سوى خطاب عنصري مريض، يتجاهل أن العرب والمسلمين أصبحوا المكون الأكبر والأهم من مكونات النسيج المصرى منذ ما يزيد على أربعة عشر قرنًا. #حسن_مدبولى
#حسن_مدبولى (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
التاريخ والاستثناء
-
روسيا والصين، قطبان بلا روح
-
التطرف بمحافظة المنيا ،،
-
كرامة المصريين فى الخليج !!
-
المجالس العرفية !!
-
مع من نتعاطف فى السودان!؟
-
الخلل فى التعاطف الطائفى !!
-
مش قوى كده!
-
ساركوزى ونتانياهو،والإسطورة المصرية !؟
-
رأس الذئب الطائر !!
-
العقد الماضى، قراءة شديدة الحياد،والتحسب،،
-
ذكرى الإطاحة بالقذافى !!
-
يومكم قادم لامحالة ،،
-
عقيدة القتل والارهاب !!
-
رسالة أحمد حسن الزيات
-
مصر تكتب الوصية ،،
-
عماد الدين أديب ،وأفرايم الزيات
-
عمران خان، وباكستان ،،،
-
العدالة الإنتقائية من الدوحة إلى أبوظبي
-
وإنت مال أمك !؟
المزيد.....
-
لصوص بزي روبن هود ينهبون متجرًا في كندا.. شاهد ما فعلوه بالم
...
-
أمريكا تتهم الصين بإجراء تجربة نووية سرية.. ماذا نعلم؟
-
هل يجب غسل الدجاج قبل الطهي؟ الإجابة ليست بهذه البساطة
-
هجوم روسي يقطع الكهرباء بأوكرانيا وترمب يشيد بالمفاوضات
-
في النسخة الـ17.. فلسطين وتحولات العالم على طاولة حوار منتدى
...
-
آمي بيك للجزيرة نت: -الحوسبة المكانية- تعيد تشكيل العوالم ال
...
-
مثالية لأشهر الشتاء الباردة.. إليك أشهى أنواع الحساء التي يج
...
-
حصري: وزير البحرية الأمريكي مدرج كراكب على متن طائرة جيفري إ
...
-
بطة تصارع للبقاء بمنقار مغلق بطُعم صيد.. شاهد ما فعله رجل لإ
...
-
مصر.. -تصويب عاجل- لوزارة الأوقاف عن منع إذاعة صلاتي الفجر و
...
المزيد.....
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
-
المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين
...
/ أمين أحمد ثابت
-
في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي
/ د. خالد زغريت
-
الحفر على أمواج العاصي
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|