أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة لحن القول .














المزيد.....

مقامة لحن القول .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8460 - 2025 / 9 / 9 - 14:57
المحور: الادب والفن
    


مقامة لحن القول :

يشير (( لحن القول)) إلى المعنى الخفي للكلام , وفحواه الذي يفهمه المستمع من وراء ظاهره , إنه التعبير عن المقصد الحقيقي , وما فيه من تعريض أو تورية لا يصرح به المتكلم , وصدق القرآن حين قال : (( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْل )) فالكلمات هنا ليست مجرد حروف , بل هي مرآة تكشف ما في القلب من خير أو شر , وفي هذا الزمان يسود نفاق الإعلام وتلون المواقف , يتجلى النفاق سيدًا لمنمق الكلام , وكأن ناظم السماوي اختصر استحقاق بعض الناس بجملة واحدة : (( ولك لو تسوى العتب چا عاتبيتك )) , وفي حين كانت المقاهي تثقّف , أصبحت الجامعات تخرّج لنا جهلاء , وتستعيد الذاكرة أحداثًا تبيّن كيف يلحن القول ليخفي نفاقًا , عندما سقط نابليون بونابرت , وصفته الصحف التي كانت تسبح بحمده بأقذر الكلمات , ولما استطاع الفرار من منفاه , قالت : (( الوحش هرب )) , وحين نزل إلى ساحل فرنسا , قالت : (( الكلب يريد أن يدنس أرضنا )) , ولكن عندما انضمت قوات الجيش إليه وثبت أنه في طريقه إلى باريس , تبدّل لحن القول تمامًا , قالت الصحف : (( إن جلالة الإمبراطور في الطريق )) , وحين دخل باريس , قالت : (( أشرقت الدنيا بعودة الإمبراطور إلى عرشه العظيم )) , هذه القصة تظهر بوضوح كيف أن لحن القول في الإعلام يكشف عن عدم ثبات المواقف.

هناك اللحن في الفن والحياة اليومية , فإن الكلمات مادة لينة في يد الشاعر يعيد تشكيلها حتى تنبض بالحياة , وكما يعكس الماء وجه الشاعر , تعكس القصيدة روحه , ويتجلى لحن القول في الفن أيضاً , ففي مشهد شهير من فيلم (( العار )) 1983 , سأل محمود عبد العزيز نور الشريف : (( الحشيش حلال ولا حرام؟ )) , فرد عليه نور الشريف بفهلوة وسرعة بديهة : (( إذا كان حلال أدينا بنشربه , وإذا كان حرام أدينا بنحرقه )) , هذا الحوار يلخص ثقافة شعبية تميل إلى التبرير واللعب بالألفاظ لتجنب إعمال العقل , مما يجعلها هدفًا لكل من يريد إثارة الجدل .

وعندما يكون القول صادقًا , يكشف عن عمق صاحبه , فقد جاء الشاعر ابن الرومي إلى الفقيه ابن داوود الظاهري وكتب له : (( يا ابن داوود يا فقيه العراقِ أفتِنــا في قواتــل الأحــداقِ هل عليهن في الجروح قِصاصٌ أم مُباحٌ لها دم العشّـــــاقِ ؟ )) , فأجابه الفقيه على ظهر الورقة : (( كيف يُفتيكم قتيلٌ صريع بسهام الفراق والاشتياقِ؟ وقتيل التلاقِ أحسنُ حالاً عند داوود من قتيل الفراقِ )) , لقد أظهر الفقيه بحكمته أن (( لحن القول )) لا يُفهم بالعقل فقط , بل بالقلب أيضاً.

بين الإيمان والنفاق تتجلى حكمة القاضي في بغداد عام 1966 , قرر (( حنّا المسيحي )) أن يفتح محلًا للخمور قرب مسجد خليل باشا الجركسي , اعترض الملالي , وأصبحوا يدعون على حنّا في صلواتهم , فجأة , حدثت عاصفة ترابية أغلقت المحل , احتفل الملالي بانتصار السماء , لكن حنّا لم يستسلم , فرفع دعوى قضائية يطالب فيها بتعويض مئة دينار , مدعيًا أن دعاءهم هو من سبب العاصفة , أنكر الملالي ذلك , وأكدوا أنه لا تأثير للدعاء على مجريات الحياة , فنظر القاضي حسين أبو طبيخ في الأمر وقال بحكمة : (( لا أعرف كيف سأحكم في هذه القضية , ولكن يبدو من الأوراق أن لدينا خمّارًا يؤمن بقوة الصلاة والدعاء ولدينا ملالي لا يؤمنون بها )) , هنا يتجلى لحن القول بوضوح , فالأفعال تكذب الكلمات , والحكمة تقول: إياك ومرافقة المنافق المتلوّن , فهو يأكل مع الذئب , وينبح مع الكلب , ويبكي مع الراعي .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة في مسار التاريخ ومآلاته .
- مقامة محضرون .
- مقامة الثلاجين .
- مقامة ألأكتظاظ .
- مقامة العراق: مهد الأديان واللغات المنسي؟
- مقامة مرّة ومرّة .
- مقامة الغيرة .
- مقامة دروب المعنى .
- مقامة العثرات .
- مقامة إدارة الفئران: استعارة لحال العراق بعد 2003.
- مقامة وشالة العمر .
- مقامة ياريحان .
- مقامة الحر العراقي .
- مقامة البجعة السوداء .
- مقامة يسار جديد ؟
- مقامة الأنتاج .
- مقامة الأغتراب .
- مقامة المجال الحيوي .
- مقامة الهايكو و الهايبون : رحلة الأدب الياباني إلى العالم ال ...
- مقامة المراجعة .


المزيد.....




- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...
- اعتقال كوميدي تركي بتهمة إهانة الإسلام وأردوغان
- وشم باللغة الروسية.. مشجعة مكسيكية تخطف الأنظار في كأس العال ...
- ورشة في دمشق ترسم ملامح مرحلة جديدة للدراما السورية
- افتتاح متحف تفاعلي للرسوم المتحركة في استوديو -سويوزمولتفيلم ...
- اكتشاف أكثر من 140 ألف قطعة أثرية في موسكو خلال 15 عاما
- نيكيتا ميخالكوف ينتقد عرض فيلم -المترجم- لغاي ريتشي في روسيا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة لحن القول .