رياض قاسم حسن العلي
الحوار المتمدن-العدد: 8450 - 2025 / 8 / 30 - 14:01
المحور:
قضايا ثقافية
أقوى الصداقات، تلك التي لا تُقاس بعدد السنين ولا تُحدّ بحدود الجغرافيا، هي تلك التي تولد في ميادين تبدو متباعدة ظاهريًا، لكنها متشابهة في جوهرها العميق: مقاعد الجامعة، صفوف الجيش، وزنازين السجن. هذه الميادين مختبرات وجودية عالية الضغط، حيث يُساق الإنسان، طوعًا أو قسرًا، إلى مواجهة ذاته في أكثر صورها عريًا، وإلى الاحتكاك بالآخرين في لحظات تتكثف فيها التجربة الإنسانية حتى تكاد تفيض.
---------------
في الجامعة، يمتد الزمن على أربع أو ست سنوات ليست مجرد فصول دراسية متتابعة، هي مختبر طويل ومعقد لتشكل الذات، وإعادة اكتشاف العالم، وبناء علاقة جديدة مع الحياة. الجامعة ليست جدرانًا وقاعات محاضرات فحسب، هي فضاء متعدد الطبقات، تتقاطع فيه التجارب الفكرية والعاطفية والاجتماعية، وتتشابك فيه مسارات الحلم والخيبة على نحو متواصل.
في هذا العالم الصغير، يلتقي الزملاء أول الأمر في القاعات تحت سقف المعرفة النظامية، حيث النصوص المقررة، والمناهج، والمواعيد الثابتة. لكن سرعان ما يكتشفون أن الجامعة الحقيقية تكمن خارج هذه الجدران: في الساحات التي تحتضن النقاشات العفوية، في نادي الكلية الذي يصبح مضافات يومية، وعلى ارصفة شوارع الجامعة التي تشهد على خطوات مبللة بمطر الشتاء أو متوهجة بحرارة الصيف.
هي سنوات يغمرها مزيج فريد من البراءة والحماسة؛ حيث تُصنع الأحلام وتُختبر لأول مرة. هناك شعور بأن كل شيء ممكن، وأن العالم ينتظر أن نعيد كتابته على طريقتنا. هذا الإحساس بالقدرة على التغيير، حتى وإن كان وهماً في بعض الأحيان، هو ما يمنح هذه السنوات قوتها الساحرة.
خلال هذه الفترة، تنشأ بين الأصدقاء خيوط غير مرئية، تمتد من مواقف تبدو عابرة لكنها تترسخ في الذاكرة: ضحكة جماعية في قلب محاضرة مملة، جدال فلسفي يمتد حتى الفجر حول معنى العدالة أو الحرية، جلسة صامتة على حافة النهر بعد خسارة شخصية أو فشل امتحان، أو دعم غير معلن في لحظة إحراج أمام الجميع. هذه الخيوط، التي تنسجها اللحظات الصغيرة والمشتركة، هي ما يجعل الصداقات الجامعية مختلفة عن أي صداقات أخرى.
الجامعة ليست فقط مكانًا للتعلم الأكاديمي، هي أيضًا حقل تجارب للذات، حيث يكتشف الإنسان أن هويته ليست ثابتة، انما هي عملية جارية، تتشكل مع كل لقاء ومع كل فكرة جديدة. في هذا السياق، تتحول الصداقة من كونها مجرد علاقة اجتماعية إلى كونها فضاءً للتشارك الوجودي، حيث يصبح الآخر مرآة لذواتنا المتعددة، ومرايا لاحتمالاتنا التي لم نجربها بعد.
حتى لو تفرّق الزملاء بعد ذلك في طرق الحياة، فإن ما عاشوه معًا يبقى بمثابة "أرشيف شعوري" مشترك، يمكن استدعاؤه بكلمة أو ابتسامة أو حتى بصمت طويل. فكل لقاء لاحق، مهما كان عابرًا، يكفيه أن يوقظ تلك السنوات بكل ما فيها من أحلام معلقة، واندفاعات طائشة، وحقائق أولى عن الحياة والناس والذات.
ما زلت أحتفظ بذكرى إحسان ورعد وعلاء حيّة في قلبي، حين كنا مجتمعين في شقة الكواز، نسكر، نغني، ونغوص في صفحات سارتر وأرجون، ونستكشف عوالم نجيب محفوظ. كانت تلك الليالي امتزاجًا بين الفرح والفكر، لحظات يختلط فيها الضحك بالجدية، والحياة بالمعرفة.
كنتُ أحدثهم عن سارتر وعبث كامو، وعن هيام هيفاء، وصفحات نجيب محفوظ، وسناء التي كانت تشبه فصلًا لم يكتمل، وعبد الرحمن منيف وخرائط مدنه، وعوض دوخي حين يسكب صوته في ليل بعيد، وابتسام وحكاياتها، وحسن بريسم حين يلاحق المعنى في القصيدة، وعن علي الوردي وهو يفتح نوافذ العقل على وجع المجتمع.
حين سمعنا أن علاء مات في سجن أمن البصرة حيث رفسه لواء مهدي في بطنه اجتاحنا شعور بالغصة، ومع ذلك، سكرنا مرة أخرى، ربما هربًا من وقع الخبر أو محاولة لتخفيف ثقل الفقد. في تلك اللحظة، غنيت لهم، بينما كان صوتي لا يزال صالحًا للغناء، محاولةً أن أُدخل بعض الدفء إلى قلب الفقد، وأن أستعيد معهم جزءًا من الحياة التي أخذها الموت مبكرًا ، فكيف يمكن أن نزفّه بصمتٍ بلا موال ؟
غنّيتُ لهم حتى انشقاق الفجر، وحين أفقت من نشوة الحزن، لم أجد سوى الدموع أثرًا باقياً.
وكتبتُ عن شقّة الكوّاز نصوصًا كثيرة، تلك التي لا تزال عالقة في ذاكرة من يتذكّر، كأن الجدران هناك كانت تحفظ همسنا وتعيده كلما مرّت بها العيون.
-----------------------
أما في الجيش، فالأمر يتجاوز الرفقة المعتادة ليغدو اختبارًا مكثفًا للمعنى الإنساني. هنا، يصبح الزمن أثقل وأسرع في آن واحد؛ أثقل لأنه محمّل باحتمال الموت في كل لحظة، وأسرع لأن كل يوم قد يكون الأخير، وكل وداع قد يكون نهائيًا. في هذا الفضاء المزدوج بين الحياة والعدم، يتقلص العالم ليقتصر على الخندق، والبندقية، ورفيق السلاح.
في الجيش، الموت لا يختبئ في الخيال أو في نشرات الأخبار، لكنه يسير بجانبك، يتنفس معك، ويجلس إلى مائدتك. المسافة بينك وبينه قد لا تزيد عن نبضة قلب أو خطأ صغير في التوقيت. هذا القرب من النهاية يجعل الحياة أكثر كثافة، وأكثر صدقًا، وكأن كل لحظة تُعاش هناك تحمل وزن حياة كاملة.
هنا، تسقط الأقنعة بسرعة. ترى زميلك في أقصى ضعفه وأقصى قوته في الوقت نفسه: من يتقاسم معك آخر جرعة ماء وكأنه يمنحك عمرًا، من يضع سترته فوقك في ليل بارد رغم أنه يرتجف، من يضحك بصوت عالٍ في قلب الرعب ليكسر صمته، ومن يصمت إلى جوارك أمام مشهد لا تستطيع الكلمات احتواءه — جثة صديق، أو انفجار مفاجئ، أو صرخة ألم لا تتكرر.
في هذا السياق، الصداقة ليست ترفًا اجتماعيًا، ولا حتى علاقة اختيارية؛ إنها غريزة نجاة، واتفاق ضمني على حماية الآخر كما تحمي نفسك، لأن مصيركما مشترك، والعدو الذي يواجهكما واحد. هي أيضًا ذاكرة مشتركة تُكتب في لحظات الخطر، وتُحفر في الروح بعمق أكبر من أي دفتر يوميات.
وعندما ينتهي كل ذلك، ويعود الجنود إلى حياتهم المدنية، تبقى هذه الصداقات كجروح لا تلتئم تمامًا، لكنها تذكّر أصحابها بأنهم عاشوا زمنًا كان فيه المعنى واضحًا والولاء بسيطًا: إما أن نحيا معًا، أو نموت معًا.
ربما لن أحكي لكم ما جرى في قرية العريثم، ولن أسترسل في حكايات زهير وعلاقته المعقدة بجارته سندس، ولن أصف لكم مأساة علي شدود حين احترقت أعضاؤه التناسلية في لحظة غبية لا تُنسى، ولن أذكر لكم الضابط برتو، الذي كان يقرأ أكثر مما يوزع الأوامر، وكأن العلم عنده كان سلاحًا أبطأ من فعله ، ولا أعلم كيف هربتُ في تلك الليلة الظلماء، حين قرر أمر اللواء أن نهاجم قرية العريثم، لمجرّد أن أهلها أحيو ليلة العاشر من محرم، وكأن صدى الطقوس الدينية كان جريمة تستحق النار.
----------------
ثم هناك السجن، وهو التجربة الأكثر التباسًا وتعقيدًا في النسيج الإنساني. هنا، ينضغط الزمن حتى يغدو أثقل من جدران الخرسانة، وأبطأ من مرور الساعات في زنزانة ضيقة لا تُرى منها السماء إلا شظايا. الحياة تُختزل إلى بضعة أمتار مربعة، جدران صمّاء، وباب حديدي يفتح ويغلق بإيقاع لا علاقة له برغبتك أو إرادتك. في هذا المكان، تنشأ الصداقات كما تنمو النباتات في الظل: ببطء، وبحذر، وبكثير من الصراع مع العتمة.
في السجن، كل علاقة هي مزيج معقد من الثقة والشك، من اليقظة المستمرة والخوف المكمون، من المصلحة التي تفرضها الضرورة، ومن الجوع الذي يذكّرك بحدودك الجسدية، ومن القمع الذي يختبر صلابتك النفسية. ومع ذلك، وسط هذا المشهد القاسي، يولد شكل نادر من الأخوّة — أخوّة لا تعرف الزينة ولا الأقنعة، لكنها تتشكل من مشاركة الخبز اليابس، أو تمرير سيجارة في الخفاء، أو الإصغاء إلى حكاية تُروى تحت ضوء أصفر خافت، أو تقاسم الصمت حين يكون الكلام خطرًا.
هنا، الحميمية لا تلغي الحذر، والحب لا يُعفي من احتمال الخيانة. كل يد تمتد إليك قد تكون طوق نجاة أو شركًا، وكل ابتسامة قد تحمل في طياتها طمأنينة أو اختبارًا. ومع ذلك، حين تأتي لحظة الخروج — إذا جاءت — تدرك أن ما يبقى ليس الخوف ولا الحذر، بل أثر التجربة المشتركة: ذلك الإحساس بأنك كنت مع آخرين في التجربة القصوى للإنسان، حيث تُختبر الحدود الأخيرة للصبر، للكرامة، وللقدرة على البقاء إنسانًا.
هذه الأخوّة التي يولدها السجن لا تُشبه أي رابطة أخرى، لأنها محفورة في الذاكرة كما يُحفر وشم على الجلد — لا يُمحى، حتى لو تغيّرت الأجساد والوجوه.
في السجن، تتعلم أن العالم ينكمش إلى زاوية صغيرة من الغرف والدهاليز والوجوه، وأن كل إنسان يحمل معه قصة لا تراها إلا حين تُسلط عليه ضوء العزلة. هناك تعرفت على ضياء، الذي كانت زوجته تأتي كل أسبوع، ليس لتزور زوجها فقط، لكن لتلتقي بالضابط عقيد كريم، حتى تبدو حياة ضياء أكثر شبهاً بالحرية، وكأن الزنزانة لا تلمسهما، وكأن الواقع الذي يعيشه خارج الجدران يصل إليه عبر تلك الزيارات المدبرة.
وتعرفت على علي طلقة، الذي أُطلق عليه هذا اللقب بعد أن أطلق النار على جندي حاول الفرار من سجن الوحدة، قصة تجعل من اسمه علامة على الحدة والخطر، رمزًا لحظة تمرد وانكسار في آن واحد. أما عبد الله، فقد ترك في قلبي أثرًا أعمق، فقد مات في السجن بعد تعذيب وحشي من رفاقه، لأن حرس السجن اكتشف لديه كتابًا للوائلي، كتاب جعله ضحية لمعركة بين السلطة والمعرفة، بين الخوف والحرية الفكرية.
ثم كان علي أم قصر، الذي تميز بيننا بما يثير السخرية والدهشة، ليس فقط بسبب ما يمتلكه جسديًا، بل بقصصه التي كان يسردها بلا خجل، عن فتاة تحدت الجميع، وعن رغبات ومغامرات تجعل السجن مساحة مفتوحة للفضول البشري، حتى في أقسى الظروف. كان يحدثني عن تلك الفتاة وكأنها رمز للتمرد على القيود، وكأن رغبتها في أن تُفهم دون أن تصرخ تعكس رفضًا صامتًا لكل ما يفرض عليهما، أو علينا، من قيود جسدية ونفسية.
في السجن، كل قصة صغيرة تكبر لتصبح درسًا في الوجود، في القوة، في الحرية، في الانكسار، وفي القدرة على أن يعيش الإنسان رغم كل القيود. هناك، بين جدران الصمت، وبين صرخات مكتومة، تتعلم أن كل إنسان يحمل عالماً كاملًا، وأن الظلم يترك أثره على الجسد والروح معًا، وأن الحياة، حتى في أقسى أحوالها، تظل غنية بالقصص التي لا تُنسى.
----------------
هذه الصداقات التي تولد في البيئات الثلاث — الجامعة، الجيش، السجن — لا تشبه الصداقات العادية التي تنشأ في رتابة الحياة اليومية. فهي لا تقوم على مجاملة عابرة أو لقاء متكرر في مقهى، لكنها تُبنى على أساس أعمق: على العرق الذي سال في لحظات الجهد، على الدمع الذي ذرف في لحظة انكسار، على الخوف الذي تقاسمه الرفاق في مواجهة المجهول، وعلى الأمل الذي تمسكوا به معًا كمن يتمسك بخشبة نجاة في بحر هائج.
في هذه الصداقات، لا نرى الآخر كما يريد أن يقدّم نفسه، لكن كما هو في لحظاته القصوى: مجردًا من الزيف، عاريًا من الأقنعة، واقفًا أمامنا بحقيقته العارية التي لا يجرؤ على كشفها في ساحات الحياة العادية. هنا، تنكشف الروح كما تنكشف المعادن تحت الضغط؛ بعضها يصدأ ويتفتت، وبعضها يلمع ويزداد صلابة.
وربما لهذا، حين تجمعنا المصادفات أو الأقدار بعد سنوات طويلة، لا نحتاج إلى مقدمات. يكفي أن نلتقي، أن نتبادل نظرة واحدة، فتنهض من أعماق الذاكرة صور وأصوات وروائح: ضحكة من زمن بعيد، رصاصة مرت على مقربة من الرأس، باب زنزانة أُغلق علينا معًا، أو كوب شاي شربناه على عجل قبل أن يداهمنا الوقت. إنها ذاكرة مشتركة لا تبهت، لأنها ليست حكاية عن الماضي فحسب، بل جزء من تكويننا نفسه، من الطريقة التي أصبحنا بها ما نحن عليه اليوم.
#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟