أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض قاسم حسن العلي - الدنيا رطب عالي














المزيد.....

الدنيا رطب عالي


رياض قاسم حسن العلي

الحوار المتمدن-العدد: 8387 - 2025 / 6 / 28 - 04:52
المحور: الادب والفن
    


ورطوبةٌ لا تهبطُ من السماء،
بل تتصاعدُ من قلوبٍ تعبقُ بالعفنِ القديم،
من نوافذَ لا تفتح،
من أرواحٍ لا تُشفى.
الهواءُ يئنُّ كجريحٍ نسيهُ الزمنُ على قارعةِ ذاكرةٍ مُهمَلة،
تنبضُ بيننا كندبةٍ مفتوحة.

في ناصية شارعِنا،
حيثُ "فيصلية الروح" لا تزال تتأرجحُ على خيطِ الذاكرة،
كنتُ أنا وضياء،
نحتمي من الليلِ تحتَ قناديلَ تبكي،
والصقيعُ لا يأتي من الشتاء،
بل من داخلِ عظامِنا.

نشربُ مرارةً مُقطّرة،
شوقًا معتّقًا في زجاجاتِ الغياب،
ونحدّقُ في طيفِ نجلاء…
كأننا نحدّقُ في نبيٍّ تأخّرَ عن وعده.

لا بريقَ في هذا المشهدِ الباهت،
ولا جدارَ لم يسقطْ منّا ومن العالم.
الرفاقُ… نسيتهم الأرصفة،
وتكفّنوا بغبارِ العابرين.
وما تبقّى من الحب؟
بقايا شمسٍ مهجورةٍ في قعرِ البحر،
وليمونةٌ جفَّ عصيرها
على شفةٍ كانت تضحك.

ما دام القبرُ يتّسعُ لي وأنا حي،
فأيُّ موتٍ هذا الذي أخشاه؟

المدينةُ مقبرةٌ بوجوهٍ بلا أسماء،
وكلُّ الأرصفةِ شواهدُ
لا يقرأها أحد.
في زواياها
جنودٌ يرقدون بصمتٍ
كأنهم ناموا في درسٍ طويلٍ عن النسيان.

يا ديرة ضياء…
يا خديعةَ الطفولة،
لماذا يسكنك الشكُّ كصقيعٍ لا يذوب؟
هل كان ضياء ثملًا من تعويذةِ الأيام؟
هل تاهت رؤاه في دخانِ العتمة؟

مررنا بفيصليةٍ لا تشبه الفيصلية،
كأنها نسيت أسماء شوارعها،
شارعُ المكاتب كان كقبرٍ مفتوح،
وفي الركنِ،
عند أبي واثق،
جلسَ الحزنُ يشربُ شايًا ثقيلًا
بلا سكر.
"أم شامات"
رقصت على جرحٍ ندي،
وكانت همومي
من قماشٍ ناعمٍ يلفُّ قلبي بلا رحمة.

ناداني الصباحُ كغريبٍ
لا يعرف اسمي،
لكنّ عينيّ كانتا خشبًا مبلّلًا
لا يبصر سوى الغرقى.

والعباسُ، يا ضياء،
مرّت نجلاء كطيفِ صلاة،
خطواتُها ترتجفُ على ترابٍ يئن،
وأنت…
كنت نائمًا في كأسٍ
تسرّب منه العمر.

الرفاقُ مرّوا
ككذبةٍ طُبعت في نشرةِ قديمة،
والكلابُ استيقظتْ،
لأن الأرواح لا تعرف الهدوء.
كلّ النساءِ كذبن،
كلّ العيونِ انقلبت صفراء،
حتى نجلاء
خانها لونُها الأخضر،
وافترّت،
كما افترتْ دواليبُ الزمن
على ظهري العاري.

أريد أن أعرف،
يا ضياء،
هل خطيئتي أنني أحببتُ
أكثر مما يحتمل جسدي؟
أم أني صدّقتُ مدينةً
بُنيتْ من الطينِ والخوف؟

يا ضياء،
أيها الغريبُ في مقبرةٍ
لا أحد يزورها سوى الريح،
هل تذكر "ميثم بن حمري"؟
حين أطفأ آخرَ سيجارةٍ
في ممرّاتِ الفيصلية،
وتركها مشتعلةً في رأسي؟

يا غيمةً لا تمطر،
دلّيني على قبره،
دلّيني على حفرةٍ
ما زالت تتنفس.

نجلاءُ تسأل عنك،
تحملُ وردًا ذابلًا وبيدها ياس
تبكيك،
وقد انتهت دموعها
وصارتْ عظامها تبكي عنها.
تخافُ الليلَ،
لأن القبورَ حين تسكت،
تصيرُ أبلغ من الشعر.

الرفاق…
في زوايا الفيصلية
لا ينفعون،
لا يملؤون فراغَ غيابك،
ولا يعيدون لدموعِ نجلاءَ طعمَ الحياة.

هل تتذكر؟
كنا نسكرُ من الحياةِ،
ونضحكُ من فقرنا،
ونرسمُ وطناً
على جدارٍ خَرِب،
ثم ننساه.

أتذكر سعدون،
وعلي خليفة؟
الرفاق
كنا نحلمُ،
ونسرقُ اللحظةَ من قبضةِ الحرب،
ونضحك،
وننكر أننا بكينا.

عطرُ نجلاء،
حين يمرّ،
يوقظُ كلَّ من ماتوا.
يرتجفُ الهواء،
وتسقطُ دمعةٌ
على ضريحٍ لا يحمل اسمك.

لا أقدر أن أسميك،
يا ضياء،
فاسمك أكبرُ من الصوت،
وأخفُّ من الظل.
أطفالُ الحيّ
ينشدونه كدعاءٍ مبلّلٍ بالحليب.

وأنا…
أنا ونجلاء على النهر،
نبحثُ عن طيفك،
ونراه حمامةً
تحوم فوق البساتين،
تبحث عن فرعٍ
لم يُقطَع بعد.

يا طَعم اسمك: قهوةٌ مُرّة
ترتعش في فم الذاكرة.
وشفاهُ نجلاء:
تينٌ أسود،
ناضج بالحزن،
ومبلّلٌ بدمعةٍ لا تُروى.



#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكتب التي لا ينبغي قراءتها: عن بروست، الذائقة، والنقد الذي ...
- الترجمة كجسر للتواصل الثقافي عبر التاريخ: نحو فهم نظري وتاري ...
- الشرق شرق والغرب غرب-: تحليل لخطاب الثنائية في ضوء النقد ما ...
- النقد الانطباعي: تأملات في التجربة الجمالية والوعي الذاتي
- تأثير النقد الغربي في الأدب العربي: من الترجمة إلى التمثّل
- من يكتب التاريخ؟ في أنماط السرد، ومحو الآخر، ومقاومة النسيان
- زهرة الخشخاش لخيري شلبي/ حكاية البحث عن الوجود والاغتراب الا ...
- موت إلهٍ من بابل
- مجرد ذكرى
- محو الآخر هوامش غير مكتملة
- المركزية البغدادية وهامش المحافظات
- شقشقة عراقية 4 غضب العراقي وحزنه
- شقشقة عراقية 3
- شقشقة عراقية ( 2)
- شقشقة عراقية
- ظهيرة سوق البصرة القديم
- شذرة 15 الدين والتحريم
- شذرة 14 الدين والأخلاق
- حسين منه وهو من حسين
- شذرة 13 الارادة الانسانية


المزيد.....




- الرجل الذي كان يهرب على عجلتين
- مقابر بني حسن.. حين نحت أمراء مصر القديمة سيرهم في بطن الجبل ...
- أكثر من 2500 فيلم يتنافسون على المشاركة في «كان» السينمائي
- أول تجربة إنتاجية لمنى زكي.. -وحيدا- ينافس في مهرجان هوليوود ...
- فيلم -الحياة بعد سهام-.. ماذا نعرف حقا عن آبائنا؟
- معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف ...
- جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح ...
- عنابة تستعد لاستقبال البابا.. سياحة دينية على خطى أوغسطينوس ...
- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض قاسم حسن العلي - الدنيا رطب عالي