أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - عماد الطيب - ملاذ الأمين .. بين وهج الحرف وصدق الميدان














المزيد.....

ملاذ الأمين .. بين وهج الحرف وصدق الميدان


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8450 - 2025 / 8 / 30 - 11:14
المحور: الصحافة والاعلام
    


في بغداد أواخر السبعينيات، حين كانت المقاهي تمتلئ بالكتّاب والصحف تعيش عصرها الذهبي . ظهر شاب في التاسعة عشرة من عمره حاملاً أوراقه إلى مجلة المرأة. لم يكن يبحث عن عمل فحسب، بل كان يبحث عن ذاته بين السطور. كان والده المعلّم قد أورثه عشق اللغة العربية، فكان اختبار القبول باللغة وثقافته الصحفية والمامه بالأحداث كفيلة لوضعه على المسار الصحيح في الصحافة في مجلة المرأة التي تعد بمثابة الخطوة الأولى نحو حياة سيكتبها بالحبر والجرأة معاً.
كان أول ما فعله أن كسر جدار التقليدية. وأثبت أن الصحفي لا يكفي أن يكتب، بل عليه أن يخوض غمار التجربة ليلامس الحقيقة. لم يكن الأمين من أولئك الذين يكتبون من وراء المكاتب، بل كان يرى أن الصحافة الحقيقية تُكتب من قلب الحياة.
تنكّر بزيّ متسول ليعيش دورا ماثلا في عالم التسوّل، عالم يتأرجح بين الحاجة والاحتيال، وبين قسوة الواقع وخداع المظهر. عاد من مغامرته محمّلاً بحكايات لا تُروى إلا بعيون من عاشها، فكتب تحقيقاً شغل الرأي العام .
لم تكن مقالات الأمين مجرد أخبار أو تقارير، بل نصوصاً تنبض بالحياة. استخدم لغة صحفية رشيقة تُغري القارئ ، وصياغة دقيقة تعكس دهاء الصحفي . لم يكتف بالتحقيقات وانما وجه مساره نحو ماهو اشد حاجة للمجتمع الا وهو الصحافة الاقتصادية . وجد ملاذ الأمين في الصفحات الاقتصادية فضاءً رحباً لإبداعه. لم يكن يكتب لمجرد ملء الأعمدة أو متابعة الأسعار والتقارير الروتينية، بل كان يقدّم رؤى اقتصادية متكاملة، تحمل في طياتها فهماً عميقاً لاحتياجات السوق العراقية وللتغيرات الاجتماعية والسياسية التي تؤثر فيه .
ما ميّز كتابات الأمين أنّها لم تكن جافة، بل تفيض بالحيوية، وتقدّم النظرية الاقتصادية بلغة سلسة تُقربها من القارئ العادي كما تُرضي المختصين. كانت مقالاته بمثابة خرائط طريق لأصحاب القرار، حتى أنّ بعض الأفكار التي طرحها في مقالاته الصحفية تحولت إلى سياسات اقتصادية مطبّقة على أرض الواقع.
ليست كل المقالات الاقتصادية قادرة على إلهام المستثمرين وصناع القرار، لكن مقالات الأمين كانت تفعل ذلك. لأنه لم يكتفِ بتحليل الأرقام، بل ربطها بسياق اجتماعي وثقافي وفلسفي أوسع، مؤكداً أن الاقتصاد ليس مجرد معادلات بل علم حياة يرتبط بقوت الناس وأمانهم ومستقبلهم.
كان الأمين يدرك أن الصفحات الاقتصادية قد تبدو مملة للبعض، لذلك حرص على أن تحمل مقالاته لغةً جذابة، مدعومة بالتحليل العميق، وكأنه يكتب نصوصاً من الأدب الاقتصادي. ومن هنا، كان تأثيره يتجاوز القارئ إلى صانع القرار، ويتحول من مقال على الورق إلى رؤية على أرض الواقع.
اليوم، تُقرأ مقالاته القديمة ليس بوصفها أرشيفاً صحفياً فحسب، بل وثائق فكرية تكشف عن مرحلة مهمة من تاريخ العراق الاقتصادي، وعن صحفي آمن بأن الصحافة الاقتصادية ليست هامشاً، بل قلباً نابضاً لصناعة المستقبل.
لم يكن الأمين مجرد صحفي ناجح، بل كان مربياً للأجيال. علّم تلامذته أن الصحافة ليست وسيلة عيش، بل موقف أخلاقي، وأن الإنسان الذي يحمل القلم عليه أن يكون جديراً بوزن الحرف. كان يُعامل المهنة كما لو كانت كائناً حيّاً يتطلب الرعاية والصدق والوفاء. وربما ما يميّز ملاذ الأمين أكثر من إنجازاته المهنية هو شخصيته الإنسانية. كان يرى الصحفي الحقيقي إنسانًا قبل أن يكون ناقلًا للأحداث. لذلك أحبّه زملاؤه، واحترمه تلامذته، وأدركوا أنّ دروسه لم تكن في التحرير الصحفي فقط، بل في أخلاقيات المهنة وعمقها الإنساني.
اليوم، يُستحضر اسمه كأحد أعمدة الصحافة العراقية، وكشاهد على زمن كانت فيه الكلمة تحمل وهج الحقيقة وكرامة المهنة. ترك إرثاً يختلط فيه الحبر بالضمير، وكأنه يقول للأجيال القادمة:
"لا تكتبوا لتملأوا الصفحات… اكتبوا لتملأوا الضمير بالحقيقة."
حين يُذكر اسم ملاذ الأمين، لا يُستحضر فقط كصحفي بارز، بل كأحد البنّائين الذين شيدوا جسرًا بين أجيال الصحافة العراقية. ترك إرثًا من الحبر والضمير، وسيرةً تتأرجح بين الفنون الصحفية ، بين الميدان والمقال، بين الإنسان والمهنة . أخيرا نقول ان الأستاذ القدير ملاذ الأمين يظل صفحة مشرقة في تاريخ الصحافة العراقية .



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة
- شيخوخة
- ثلاثة أحلام ...
- ضفاف براءة وجسور محبة
- القطيعة بين الروح والجسد
- ياحاضرة الغياب ..
- سعد مبارك.. فنان العصور وبوصلة الذاكرة الجمالية
- حين يبكي الجبل ..!!
- مؤتمرات
- لماذا احبك ِ
- حين أقول أحبك
- عبث البقاء
- أين أنت ...؟!!
- صوتك اغنية عشقية
- سطر على هامش التاريخ
- أيها المسافر... ارجع
- حين اُحب ... !!!
- قدري أن لا أراكِ
- تجلى هلال العيد ووجهك غائب عني
- السينما العالمية .. بين العنف والرسالة الإنسانية


المزيد.....




- مسبح أمواج في أبوظبي بـ150 دولارًا للموجة.. وجهة فاخرة للأثر ...
- -مسار الأحداث- يناقش خطة الاحتلال لاجتياح مدينة غزة ورد أبو ...
- عبر الخريطة التفاعلية.. ماذا حدث في مدينة غزة التي يحشد الاح ...
- بالأرقام.. هل خلقت أوكرانيا تكافؤ فرص في الحرب مع روسيا؟
- إسرائيل تدمر نفسها بلا عودة
- إيران تعتقل 8 أشخاص للاشتباه في صلتهم بالموساد
- مؤرخة إسرائيلية: دولتنا مهددة بالانهيار من الداخل
- أهي ليلة القبض على جدعون؟
- مجددًا.. فيديو يظهر هجومًا روسيًا داميًا على أكرانيا
- شاهد.. حادث تصادم مريع أثناء مطاردة مشتبه به في عملية اختطاف ...


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - عماد الطيب - ملاذ الأمين .. بين وهج الحرف وصدق الميدان