أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رياض قاسم حسن العلي - نساء الخلفاء: وثيقة عن الحريم والسلطة وتحولات النفوذ النسائي في العصرين العباسي والتركي















المزيد.....



نساء الخلفاء: وثيقة عن الحريم والسلطة وتحولات النفوذ النسائي في العصرين العباسي والتركي


رياض قاسم حسن العلي

الحوار المتمدن-العدد: 8449 - 2025 / 8 / 29 - 16:11
المحور: قضايا ثقافية
    


كتاب "نساء الخلفاء" بالاضافة الى كونه حكايات متفرقة عن نساء عبرن البلاط الإسلامي في أزمنته المختلفة، هو كتابٌ يكشف، بجرأة معرفية وتوثيق نادر، عن الوجه غير المروي للتاريخ السياسي الإسلامي: الوجه الذي صنعته النساء من وراء الحجب، عبر مساومات، وتحالفات، وصراعات ناعمة وصامتة، لكنها كانت بالغة الأثر.
هذا العمل، الذي ألّفه المؤرخ البغدادي ابن الساعي، وأخرجه للنور في العصر الحديث الباحث المدقّق الدكتور مصطفى جواد، يمثل مشروعًا معرفيًا فريدًا في نوعه لأنه يتقصى في أرشيف الذاكرة السلطوية تلك اللحظات المسكوت عنها التي تمارس فيها النساء أدوارًا مركزية في إنتاج القرار السياسي وصناعة التاريخ من هامش الظل.

● ابن الساعي: مؤرخ الحريم والسلطة من داخل بلاط العباسيين

يُعد علي بن أنجب بن الساعي (593-674هـ/1197-1276م) واحدًا من أبرز المؤرخين الذين دوّنوا تاريخ الدولة العباسية من موقعٍ شديد القرب من السلطة. فقد عاش في مرحلة حرجة من تاريخ الخلافة ببغداد، حيث بدأت السلطة الرمزية للخليفة تتآكل تدريجيًا أمام سطوة القوى العسكرية والسياسية الصاعدة، لا سيما السلاجقة أولًا ثم المماليك لاحقًا. إلا أن هذا التراجع في السلطة المباشرة للخليفة لم يُلغِ الدور الرمزي والثقافي الذي ظلّ البلاط يحتفظ به، والذي استمر يمارس عبره نوعًا من الهيمنة الناعمة داخل النسيج الاجتماعي والسياسي.
ابن الساعي، الذي تدرّج في مناصب علمية وإدارية متقدمة داخل الدواوين العباسية امتلك تكوينًا موسوعيًا متميزًا، واهتم اهتمامًا خاصًا بالتفاصيل اليومية لحياة القصور والدوائر السلطوية. وقد انعكس هذا الحرص في مؤلفاته، لا سيما في كتابه الفريد "نسـاء الخلفاء"، حيث لا نكاد نقرأ سردًا كرونولوجيًا لأسماء النساء فحسب، بل نواجه خريطة من النفوذ المعقّد الذي مارسته تلك النسوة في قلب السلطة.
تعامل ابن الساعي مع الحريم بوصفه ميدانًا حقيقيًا للصراع على السلطة والتأثير في صناعة القرار. فنساء الخلفاء، من أمهات وزوجات وجواري كنّ فاعلات رئيسيات في تشكيل ملامح الحكم، أحيانًا من خلف الستار، وأحيانًا من خلال صلات مباشرة برجال الدولة وقادة الجند والفقهاء.
في هذا السياق، يمكن قراءة ابن الساعي بوصفه شاهدًا من الداخل، يدوّن ما يشبه "يوميات السلطة" بلغة المؤرخ وبوعي اجتماعي مبطّن. فهو يكشف في نصوصه عن شبكة من العلاقات الديناميكية التي تحكم التراتب داخل القصر، ويُبرز كيف كانت النساء يتقنّ اللعب بأوراق النفوذ من خلال الولاءات، الهبات، التزويج، وحتى التآمر أحيانًا.
كما أن سردياته تمنح القارئ فرصة نادرة للاقتراب من عوالم عادة ما يتم إسقاطها من التأريخ الرسمي: العالم النسوي داخل الحريم، بمكوناته المعقدة من الطموح، والغيرة، والتحالفات، والانكسارات. وعلى الرغم من نبرة الحياد الظاهري التي يتبناها، فإن ابن الساعي لا يُخفي إدراكه لدور تلك النساء في تأريخ الخلافة نفسها كقوة مؤثرة – وإن كانت مغفلة في الكثير من المصادر الذكورية.
إن القيمة الحقيقية لابن الساعي لا تكمن فقط في ما كتبه، لكن في كيف كتبه: بوعي تأريخي مبكر للسلطة بوصفها بنية اجتماعية لا تُختزل في الشخصيات الذكورية، وبانتباه استثنائي لتفاصيل الهامش، الذي كثيرًا ما يفضح مركز السلطة أكثر من خطبه ومراسيمه.

● مصطفى جواد: تفكيك التراث وإعادة تشكيله بوصفه خطابًا معرفيًا حيًّا

مثّل الدكتور مصطفى جواد (1904–1969) لحظة نوعية في التعامل مع النصوص التراثية بوصفه مفكرًا يعمل على إعادة بناء النص من داخله، وتفكيك بنيته المعرفية، واستنطاق طبقاته المتراكبة عبر الزمن. في هذا الإطار، لا يمكن اختزال عمل مصطفى جواد في الإحياء أو الترميم، بل هو بالأحرى ممارسة نقدية مضادة للجمود، تفتح التراث على ممكناته الحداثية.
حين تناول جواد نصوصًا تاريخية مثل كتاب نساء الخلفاء لابن الساعي كان همه إعادة إعادة توجيهه فكريًا ليخدم أغراضًا معرفية جديدة. قرأ النص التراثي بوصفه وثيقة لغوية وثقافية ذات طابع إشكالي، مشبعة برموز السلطة، والهوية، والجندر. وقد مكنه تكوينه الفلسفي واللغوي الصارم من أن يتعامل مع النص القديم كبنية مفتوحة للتأويل المستمر.
أعاد مصطفى جواد بناء علاقة القارئ المعاصر بالنص التاريخي من خلال إدخال أدوات المنهج العلمي الحديث إلى حقل التحقيق، لكن الأهم من ذلك أنه وسّع أفق القراءة وحرّره من غلاف القداسة، وجعله نصًا تاريخيًا يمكن مساءلته، واستثمار إيحاءاته في قراءات ثقافية وجندرية أوسع.
وهكذا، تحوّل النص، عبر عمل جواد، من وثيقة سلطوية تُروى من داخل بلاط الحكم، إلى مادة خام لفهم طبيعة العلاقة بين السلطة والمعرفة والجسد الأنثوي. لقد قرأ النساء في النصوص بوصفهن فاعلات تاريخيًا، لا مجرد محكيات هامشية، وأبرز كيف أن النصوص الذكورية القديمة كانت تخفي، أحيانًا عن غير قصد، شفرات السلطة التي مارستها النساء داخل النظام الأبوي نفسه.
إن القيمة المعرفية الكبرى لعمل جواد تكمن في كشفه عن أن النص التاريخي هو أداة أيديولوجية، تُصاغ لغويًا لتبرير علاقات القوة أو تمويهها. بهذا المعنى، فإن مصطفى جواد أعاد إنتاجها في فضاء نقدي جديد، حيث يمكن أن تُقرأ بوصفها وثائق ثقافية تكشف عن تمفصلات الطبقة، والنوع، والمعرفة في الحضارة الإسلامية.
ومن هنا، فإن إسهامه في تحقيق هذا النوع من النصوص يتجاوز البعد الأكاديمي الضيق، ليتحول إلى مشروع فكري متكامل يسعى إلى تفكيك المركزية الذكورية في سرديات التاريخ الإسلامي، وفتح المجال أمام تأويلات تنتمي إلى دراسات النوع الاجتماعي والتاريخ الثقافي، بل حتى إلى النقد ما بعد الكولونيالي في قراءاته الأحدث.

● فضاء الحريم بوصفه معملاً للسلطة: من الهامش الجسدي إلى المركز الرمزي

لطالما قُدّم "الحريم" في المخيال الشعبي والاستشراقي معًا بوصفه رمزًا للعزلة، حيزًا مغلقًا يحجب النساء عن الفضاء العام، ويقصيهن عن المشاركة في الشأن السياسي أو التأثير في صناعة القرار. غير أن هذه الصورة، القائمة على ثنائية الحيزين العام والخاص، لا تصمد أمام التفكيك النقدي، خصوصًا حين نعيد قراءة النصوص التاريخية التي كُتبت من داخل السلطة ذاتها، مثل كتاب نساء الخلفاء لابن الساعي، الذي يكشف عن بنية مغايرة تمامًا: فالحريم لم يكن هامشًا سكونيًا، لكن فضاءً ديناميًا يتفاعل فيه الجسد الأنثوي مع السلطة، ويُعاد فيه إنتاج التراتب السياسي والاجتماعي والثقافي داخل الدولة.
إن الحريم، بحسب هذه القراءة هو معمل سلطة بامتياز، تعمل فيه شبكة معقدة من العلاقات على إنتاج النفوذ وإعادة توزيعه. هذا الفضاء يضم طيفًا واسعًا من الفاعلات والفاعلين: من الزوجات الشرعيات إلى الجواري والمحظيات، ومن أمهات الخلفاء إلى نساء الوزراء، ومن الوصيفات والخصيان إلى الوسطاء والكتبة. كل عنصر من هذه العناصر يُفهم بوصفه كعقدة ضمن نسيج بنيوي أوسع يحكمه منطق النفوذ والتفاوض، لا منطق العزلة أو التبعية.

في قلب هذا النظام، تُمارس السلطة بوصفها عملية تفاوض مستمرة تتحرك أفقيًا وعموديًا، عبر تحالفات خفية وصراعات ناعمة. فالمحظية التي تحظى برضى الخليفة يمكن أن تحيل هذا الامتياز العاطفي إلى رأس مال سياسي، تستخدمه في دعم وزير، أو عزل قائد، أو تزويج ابنتها من أحد أبناء النخبة. أما أم الخليفة، فتملك في كثير من الأحيان سلطة رمزية قد تعادل أو تفوق سلطات رجال الدولة، مستندة إلى مكانتها كأصل في شرعية ابنها.
ولا يقتصر النفوذ داخل الحريم على النساء وحدهن؛ فخصيان القصر، والوصيفات المقربات، يشكلون حلقات وصل حاسمة بين عالم الحريم والسلطة الذكورية، ويتحولون إلى وكلاء نفوذ يُعتمد عليهم في تمرير الرغبات والمصالح والتحالفات وأحيانًا في تصفية الخصوم داخل البلاط. هذا ما يجعل الحريم بنيةً تفاعلية بامتياز يُنتَج ويُعاد تشكيله عبر كل تفصيل يومي في حياة القصر.
إن ما يقدّمه ابن الساعي، بوعيه التاريخي الدقيق وميله لتسجيل التفاصيل الدقيقة، لا يقتصر على استعراض أسماء النساء وصفاتهن، لكن يكشف لنا عن اقتصاد رمزي للنفوذ داخل مؤسسة الحريم. إنه يسرد الوقائع، لكنه يترك في ثناياها مفاتيح لفهم النظام السلطوي من الداخل عبر الجسد الأنثوي بوصفه أداة ووسيطًا وساحة صراع في آن واحد.
وبذلك، فإن إعادة قراءة الحريم بوصفه بنية إنتاج سلطة، تفتح الباب أمام مقاربات جديدة تربط هذا الفضاء بما يُعرف اليوم بدراسات النوع الاجتماعي والجندر، وتعيد التفكير في مفهوم "المركز والهامش" ضمن البنى السياسية التقليدية. فالحريم ليس مجرد هوامش صامتة في مدونات التاريخ انما هو أحد أعقد المختبرات التي أنتجت السلطة، وشكلت ذاكرتها، وأسست لنمط من السيادة ناعمة المظهر، لكنها بالغة العمق في تأثيرها.

● المرأة كفاعل سياسي: من الأمومة الرمزية إلى التآمر الإستراتيجي

تُبرز نصوص ابن الساعي، ولا سيما في نساء الخلفاء، حضور المرأة في قلب الفعل السياسي كفاعل مؤثر، وكمُنتج للسلطة وناقل لها. فعلى خلاف التصورات النمطية التي تحصر دور المرأة في الخلافة ضمن دوائر الأمومة أو الحظوة الجمالية، يكشف الكتاب عن طيف واسع من الأدوار النسوية التي ساهمت في صناعة القرار وفي هندسة التحولات الكبرى في بنية الحكم العباسي.

فالنساء – أمهات وخليلات وزوجات ومحظيات كنّ منتجات للسلطة عبر آليات متعددة: من النفوذ الرمزي الذي يمنحه موقع الأمومة (كما في حالة أم الخليفة)، إلى الفعل السياسي المحض المتمثل في المؤامرة، والتحالف، والتزويج المدروس، واستخدام الهبات والمراسلات وشراء الولاءات. لقد تحركت بعض النسوة في مساحات تبدو – في الظاهر – هامشية أو داخلية، لكنها كانت توازي وتتفوق أحيانًا، على مراكز القرار الذكورية الرسمية.
من أبرز هذه الشخصيات شغب أم الخليفة المقتدر بالله، التي تجسّد نموذجًا متقدّمًا للمرأة الفاعلة في المجال السياسي العباسي. بالإضافة الى انها والدة للخليفة كانت شغب الحاكم الفعلي للدولة في فترات طويلة من عهده. مارست سلطة القرار من خلف الستار، وأدارت شؤون البلاط، ورعت تحالفات مع قادة الجند والوزراء، وأصدرت التوجيهات باسم ابنها الطفل. لقد أنشأت شبكة ولاء معقّدة، وجعلت من جهاز الحريم ذراعًا تنفيذية، ومركز تخطيط سياسي، ومصفاة للنفوذ.
ما يلفت النظر في سيرة شغب وأمثالها، ليس فقط حجم التأثير الذي بلغته، لكن أيضًا الطابع المنهجي الذي حكم هذا التأثير. فالانخراط في لعبة الحكم لم يكن عابرًا أو ناتجًا عن مصادفة ظرفية، انما بُني على إدراك عميق لشروط السلطة، وآليات تثبيتها، وخرائط الولاء داخل القصر وخارجه. وهو ما يكشف عن وعي نسوي مبكر – وإن لم يكن معلنًا – بدور المرأة في إنتاج المجال السياسي كحقل متشابك تشارك فيه النساء من موقع الإدراك والتخطيط والمصلحة.
من هذا المنظور، تتحول شخصيات مثل شغب، وزبيدة، وتركية أم المعتصم، وغيرهن من نساء الخلفاء، إلى نماذج أولية لفكرة "المواطنة غير الرسمية" التي تمارس السلطة من خارج بنى الدولة المؤسسية، لكنها تتغلغل في مفاصلها وتعيد تشكيلها من الداخل. وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى الحريم كمسرح خفي للسياسة، تُعاد فيه كتابة معادلات السلطة بين النساء والرجال، بين الظاهر والخفي، بين التتويج والتهميش، وبين الأمومة كرمز والتآمر كفعل.
هذا الاشتباك النسوي مع السياسة لا يمكن فصله عن تاريخ الجندر في الحضارة الإسلامية، ولا عن علاقة النص التاريخي – كما دوّنه ابن الساعي – بالسلطة ذاتها. فالمرأة، في هذا المجال هي فاعل يعيد رسم حدود ما هو سياسي، ويزعزع ثنائية الحاكم/المحكوم التي هيمنت على سرديات التاريخ الرسمي.

●تحولات الرقّ إلى قوة ناعمة: الجارية بوصفها فاعلًا سياسيًا وثقافيًا

من بين أكثر التحوّلات المفارقة في التاريخ السياسي العباسي، يبرز مشهد الجارية – تلك القادمة من أسواق النخاسة – وهي تتحوّل من كيان مُستلب في وضعيته القانونية إلى ذات فاعلة تمارس نوعًا بالغ الدقة من القوة الناعمة داخل الحيز السلطوي. هذا التحوّل ينبني على شبكة من الشروط الثقافية والسياسية والاجتماعية التي كانت تسمح وتُشجع أحيانًا، على صعود بعض الجواري إلى مواقع النفوذ الرمزي والمادي في قلب مؤسسة الخلافة.
فالجارية، التي بدأت علاقتها بالسلطة من موقع الهامش، كانت تُخضع منذ دخولها القصر إلى عملية إعادة تصنيع رمزي: تُعلَّم الأدب والموسيقى، وتُدرَّب على الذكاء الاجتماعي، وتُصقل لغويًا وجماليًا لتغدو أداة تأثير دقيقة. لكنها في كثير من الحالات تتجاوز هذا الدور الأداتي، لتنتقل من كونها وسيلة متعة إلى فاعل استراتيجي يعيد إنتاج شروط اللعبة السلطوية من داخلها.
وفي هذا السياق، يتحوّل الجسد المملوك إلى رأسمال سياسي من حيث القدرة على التفاوض، التأثير، بناء التحالفات، وابتكار سردية شخصية تجعل منها "مؤسسة" قائمة بذاتها. فالعديد من الجواري صرن أمهات لخلفاء – ومن ثمّ حاملات لشرعية الدم – وهو ما منحهنّ موقعًا بالغ الأهمية في البنية الوراثية والسياسية للخلافة. وفي حالات كثيرة، كانت "أم الخليفة" الجارية سابقًا، هي من يحكم في الواقع عبر ابنها القاصر أو المتردد.
ولا يقتصر نفوذ هؤلاء النسوة على الأبعاد العاطفية أو الأسرية فحسب انما يمتد إلى الإدارة والتعيين والعزل، والتدخل في شؤون الجند، وتوزيع العطايا، وحتى في السياسة الخارجية أحيانًا. واللافت أن هذا الصعود لم يكن دائمًا صداميًا مع السلطة الذكورية، لكن كان غالبًا ما اتخذ شكل التداخل، والاندماج، والمراوغة. لقد أدركت بعض الجواري – بذكاء بالغ – أن القوة الصلبة لا تناسب موقعهن، فاخترن تمثيلًا رمزيًا للنفوذ يقوم على الإقناع، والتأثير، و"التأنّث الاستراتيجي"، بما يجعل من الرقّ ذاته أداة للمناورة والتمكين.
إن قراءة هذه السير النسوية من داخل النصوص التاريخية، وعلى رأسها نساء الخلفاء لابن الساعي، تتيح لنا رؤية مغايرة لوضعية الرقّ في الحضارة الإسلامية، رؤية تكسر التصنيفات الجاهزة بين "حر/عبد" و"سيد/مسود"، وتُظهر كيف أن النظام العباسي لم يكن مغلقًا تمامًا أمام حراك اجتماعي معقّد – لا سيما للنساء – وإن جاء هذا الحراك محكومًا دومًا بمنطق السلطة الذكورية وبنية القصر.
ما تقترحه هذه القراءة هو أن الجارية لم تكن فقط موضوعًا للاستعباد، وانما كانت – في لحظات معينة – مهندسة للسلطة ذاتها، وأن العبودية لم تكن نقيضًا تامًا للنفوذ، لكن قد تكون، في ظروف معينة، منصته الناعمة. وهكذا تتحوّل الجارية من رمز للضعف إلى وسيط للقرار، ومن هامش يُستهلَك إلى مركز يُنتج المعنى والتأثير داخل آلية الحكم.

●الجسد بوصفه وسيطًا للسلطة: من الامتلاك إلى التمكين الرمزي

لا يكتفي ابن الساعي، في كتابه نساء الخلفاء، بتقديم المرأة ضمن ثنائية الضحية والمقهور في بنية السلطة الذكورية، لكنه يتجاوز هذا التوصيف التبسيطي إلى قراءة أكثر تعقيدًا لدور المرأة بوصفها فاعلة، مفاوضة، ومُنتجة للنفوذ داخل المنظومة السلطوية ذاتها. إن ما تتيحه هذه القراءة هو إدراك أن النساء في بلاط الخلافة لم يكنّ محكومات فقط بخطاب السيطرة الذكوري، وانما شاركن – بدرجات متفاوتة – في إعادة إنتاج هذا الخطاب وتوجيهه من موقع القوة الناعمة، مستخدمات أدوات غير تقليدية من بينها: الثقافة، الذكاء العاطفي، والخصوصية الجمالية.
في هذا السياق، يتبدّى الجسد، لا كموضوع للتملك أو اللذة فحسب، لكن كوسيط سياسي فاعل داخل الحقل السلطوي. فالجمال الجسدي، المقرون بالفتنة واللباقة والثقافة، يتحول إلى عملة رمزية عالية القيمة تُستخدم في تموضع النساء داخل هرم النفوذ، سواء عبر نيل الحظوة لدى الخليفة، أو التأثير على دوائر القرار، أو بناء تحالفات دقيقة داخل الحريم ذاته. هنا يصبح الجسد أداة استراتيجية يُعاد عبرها رسم خريطة العلاقات السلطوية في القصر.
ويزداد هذا الدور تعقيدًا حين يُقرأ ضمن بنية الحريم بوصفه فضاءً سياسيًا مموّهًا. ففي هذا الفضاء، يتحول الجسد إلى خطاب مشفّر، يحمل في طياته دلالات متعددة: من الإغواء إلى التهديد، ومن الرغبة إلى التمثيل الرمزي للهيبة والمكانة. فبعض النساء – مثل الجواري اللواتي صرن أمهات لخلفاء أو محظيات ذوات تأثير إداري – استخدمن حضورهن الجسدي كأداة للتفاوض وتثبيت الذات داخل مشهد السلطة.
وما يضيفه ابن الساعي – وإن بصيغة سردية يغلب عليها الطابع التوثيقي – هو هذا الوعي الضمني بأن الجسد الأنثوي في البلاط كان موقعًا نشطًا للتموضع، للتمثّل، ولإنتاج أشكال موازية من السيادة. هكذا، نجد أن بعض النساء امتلكن سلطة لا تُمارَس من موقع القهر المباشر، لكن من قدرة على التحكّم بآليات القرب، والغياب، والفتنة، والخطاب العاطفي.
إن هذا الاستخدام الرمزي للجسد داخل المنظومة الذكورية لا يمكن فصله عن شروط تشكّل السلطة في السياق العباسي، حيث لا تتجلى السلطة في القوة العسكرية أو الدينية وأيضًا في القدرة على إدارة الرغبة، التحكم بالمشهد، وصياغة الحضور. وهو ما يجعل من الجسد الأنثوي – لا سيما في سياق الحريم – موقعًا مزدوجًا: موضع هيمنة وأداة مناورة في آنٍ معًا.
وبهذا المعنى، تتيح قراءة ابن الساعي نافذة لفهم الجسد كحقل دلالي وإستراتيجي تُمارَس فيه السلطة، ويُعاد عبره إنتاج التراتب، وإزاحة الحدود بين الخاص والعام، بين الأنوثة كرمز، والسلطة كفعل.

●الأميرات وقريبات الخلفاء – تقاطعات السلالة والرمز في معمار السلطة

لم تكن نساء الأسرة العباسية من أخوات الخلفاء، وبناتهم، وعماتهم، مجرد امتدادات بيولوجية لسلطة الذكور في العائلة الحاكمة، وانما كنّ جزءًا حيًّا من معمار النفوذ داخل الدولة، وفاعلات أساسيات في إدارة التوازنات السياسية داخل القصر وخارجه. فابن الساعي، وإن دوّن سيرهن بلهجة سردية توثيقية، إلا أن نصوصه تكشف عن شبكة معقدة من التحالفات التي نسجتها هؤلاء النساء، ومواقع التأثير التي شغلوها، وقدرتهن على إعادة تشكيل معادلات الحكم ضمن منطق "السلطة من الداخل".
فمن خلال الروابط العائلية، والمكانة الرمزية المرتبطة بالدم العباسي، كانت للأميرة أو القريبة من الخليفة سلطة ناعمة تستند إلى الانتماء النَسَبي، لكنها لا تكتفي به. فقد أظهرت بعض الأميرات مهارات تفاوضية عالية، وتحكّمن في مسارات التعيين والعزل وتدخلن في صراعات خفية مع فئات أخرى داخل الحريم كالمحظيات والجواري، أو مع عناصر البلاط من وزراء وقادة. كانت هذه الصراعات تُدار غالبًا خلف الستار، لكن تأثيرها الفعلي كان بالغًا، وأسهم أحيانًا في تغيير الخريطة السياسية للسلطة المركزية.
إن ما تكشفه هذه السير هو أن موقع المرأة في البلاط لم يكن ناتجًا عن حظوة عاطفية أو قرب عائلي فحسب، لكن ايضا عن استثمار رمزي في السلالة، حيث تتحوّل البنوة والأخوة والقرابة إلى رأسمال سياسي يتم توظيفه بدقة. وقد أتاحت هذه الوضعية للأميرات، على وجه الخصوص، بناء تحالفات مع تيارات مذهبية أو عسكرية، والتأثير في خيارات الخلافة والتوريث. بعضهنّ انخرطن – بوعي تام – في تأييد خلفاء صغار يسهل التحكم بهم، أو دعم أطراف محددة في صراعات الوراثة، أو عرقلة صعود منافسين غير مرغوب بهم.
إن الحريم، في هذا السياق يظهر كمجال متشابك للصراع والتفاوض وإعادة توزيع السلطة الرمزية. فالأميرة العباسية، وهي تتحرّك بين القصر والحرم، تمثّل لحظة التقاء بين الدم الحاكم والسلطة الرمزية، بين الوراثة بوصفها شرعية دموية، والمكانة بوصفها نتيجة إستراتيجية. وهذا التداخل هو ما يجعل من النساء القريبات من الخليفة أكثر من مجرد "مرافقات سلطويات"؛ إنهن شريكات في صنع القرار، ومهندسات لتحوّلات الحكم، أحيانًا من دون لقب، ولكن دومًا بقوة الحضور.
إن هذه القراءة تفرض علينا إعادة التفكير في مفهوم "السلطة الحريمية" كحقل شديد التعقيد، تُمارَس فيه السيادة بصيغ مختلفة: عبر النسب، والرمز، والتحالف، والتموضع ضمن خرائط القرب من مركز القرار. وفي هذا كله، تتحوّل قريبات الخلفاء من هويات بيولوجية إلى ذوات سياسية، تُدير وتُناور وتُخطط، وتعيد إنتاج السلطة من موقع القرابة لا التبعية.

● نساء السلاطين والوزراء – انتقال السلطة ومرونة الهوية النسوية

يمثل تتبّع حضور النساء في البلاطات غير العباسية – كالسلاجقة، والمماليك، والعثمانيين لاحقًا – مدخلًا لفهم كيف أن النفوذ النسائي لم يكن مجرد امتداد تلقائي لمنظومة حُكم، وانما شكلًا متحوّلًا يتكيّف مع تغيّر طبيعة السلطة وتبدّل هوياتها السياسية والثقافية. فبينما تأسّست السلطة العباسية في بداياتها على هوية عروبية-هاشمية مشبعة برمزية النسب النبوي، نجد أن البلاطات التالية – خاصة التركية والمملوكية – أعادت تعريف الشرعية والحكم، وهو ما انعكس بالضرورة على تموضع النساء داخل هذه الهياكل الجديدة.
في البلاط السلجوقي، حيث امتزجت البداوة التركمانية بالإسلام الفارسي، برزت النساء كوسيطات بين السلطنة والعائلات الكبرى، ومثّلن جزءًا من تحالفات سياسية معقّدة تضم القبائل، والمؤسسات الدينية، وأطرافًا من الجيش. أما في البلاط المملوكي، فقد ظهرت طبقة من النساء – خصوصًا أمهات السلاطين أو زوجاتهم من غير العرب – ممن امتلكن سلطة عابرة للهويات التقليدية، فالجارية الشركسية أو الرومية قد تصعد إلى موقع التأثير بسبب قدرتها على بناء ولاءات داخل القصر بفعل الكفاءة السياسية والمكر الإداري.
هذه التحولات تؤشر إلى ما يمكن تسميته بـمرونة الهوية النسوية داخل السلطة الإسلامية: حيث يُعاد إنتاج النفوذ حسب موقع المرأة داخل النظام، وأصولها العرقية، وعلاقتها بمراكز القرار. فبينما مثّلت النسب وسيلة تقليدية للتمكين داخل البلاط العباسي، نجد أن البلاطات اللاحقة منحت الأولوية للبراعة السياسية، والتحكّم في دوائر النفوذ، والتأثير في خطوط الخلافة، حتى وإن أتت هذه السلطة من نساء لا يحملن بالضرورة شرعية نسبية تقليدية.
إن تغيّر الهوية الحاكمة – من عروبية إلى تركية إلى مملوكية - أعادت تشكيل الحضور النسائي ضمن معادلات جديدة للشرعية والقوة. فكل نظام سلطوي أعاد تعريف دور المرأة وفق حاجته إلى أدوات توازن داخلية: تارةً بوصفها أمًّا للسلطان، وتارةً زوجة لأمير قوي، وتارةً أخرى شريكة غير مرئية في نسج التحالفات. في هذا التبدّل، بقي الجوهر ثابتًا: أن النساء، رغم تغيّر الأقنعة السياسية واللغات والولاءات، احتفظن بدور مركزي – لا بالضرورة ظاهر – في توجيه دفة الحكم وصناعة القرار.
وما يتيحه هذا التحليل هو تجاوز الطرح النمطي للسلطة النسوية بوصفها مرتبطة حصريًا بالبلاط العباسي، نحو فهم أوسع يرى أن المرأة، في سياقات الحكم الإسلامي المتنوعة، كانت دومًا عنصرًا نشطًا، يتكيّف مع تغير البنى السياسية، ويتقن إعادة تدوير موقعه الرمزي لتوليد نفوذ مستمر، حتى في ظل تغيّر شخوص وسلالات الحكم. إن هذا الثبات داخل التحوّل هو ما يجعل من "المرأة السلطوية" ظاهرة تاريخية عابرة للعرق، واللغة، والسلالة.

●تفكيك السلطة من الداخل: الجندر كمفتاح تحليلي لإعادة كتابة التاريخ

يندرج كتاب نساء الخلفاء ضمن تيار فكري حديث يُعرف بكتابة التاريخ من الأسفل، حيث ينحرف التركيز عن سرديات السلطة الرسمية التي غالبًا ما تحجب أو تقلل من حضور الفئات المهمّشة، ويُسلط الضوء بدلاً من ذلك على الأصوات والممارسات التي تنشأ من حوافّ السلطة وتتشابك معها. إن هذا المنهج لا يكتفي برصد وجود النساء ككائنات هامشية في سرديات التاريخ السائد، لكن يذهب أبعد من ذلك ليُعيد تفكيك مواقعهن وتداخلاتها المعقدة ضمن بنى السلطة والمعرفة والهيمنة.
تُظهر قراءة ابن الساعي عبر منظور الجندر أن النساء في بلاط الخلفاء كنّ فاعلات يحركن شبكات السلطة من داخلها، عبر ممارسات يومية وتفاوضات خفية، تعيد إنتاج أو تهدد بنيتها. هذه القراءة توفّر إطارًا لفهم السلطة كمجموعة من العلاقات الاجتماعية التي تُبنى وتُعاد صياغتها عبر تفكيك الأدوار الجندرية.
إن تحليل النصوص التاريخية من هذه الزاوية يسمح بإظهار كيف أن السلطة ليست حكرًا على الذكور ولا مركزية في الخطاب السياسي التقليدي، لكن هي منظومة معقدة تتوزع عبر خطوط التوتر بين الجنسين، وتُدار من خلال ممارسات تؤسس للهيمنة، ولكنها في الوقت نفسه تفتح مساحات للمقاومة والتمرد النسوي، وإن بأشكال غير مباشرة.
وبذلك، يصبح الجندر مفتاحًا تحليليًا لفهم كيف تتداخل السلطة والمعرفة في السياقات التاريخية الإسلامية، وكيف يتم بناء الهويات الاجتماعية والسلطوية من خلال إعادة تشكيل أدوار النساء، وتفسير موقعهن في الحكايات السياسية والثقافية. هذه الرؤية النقدية تجعل من كتاب نساء الخلفاء مادة خصبة للبحث الأكاديمي المعاصر، ومرآة تعكس تجارب السلطة المزدوجة: سلطة الذكور وسلطة الإناث، في فضاء يعبث فيه الخطاب والنفوذ والهوية باستمرار.

●النص بوصفه أرشيفًا للمعيش: تفاصيل الحياة اليومية كمفتاح لفهم السلطة

تتجاوز صفحات نساء الخلفاء كونها سردًا تاريخيًا تقليديًا لتتحوّل إلى أرشيف حي ينبض بتفاصيل دقيقة عن الحياة اليومية داخل أروقة القصور السلطانية، حيث تتلاقى السياسة مع الحياة الاجتماعية في فضاء مغلق ومكثف. من الروائح العطرية التي كانت تعبق بها المجالس، مرورًا بالأزياء الحريرية المزخرفة التي لم تكن مجرد زيّ وأنما رمزًا للهيبة والسلطة، وصولًا إلى الاحتفالات والمواسم التي جمعت بين الطقوس الدينية والاجتماعية، يقدم النص صورة غنية ومتعددة الأبعاد للحياة الداخلية للحكم.
إن هذه التفاصيل الدقيقة هي وثائق حية تساعد على فك رموز الخطاب السلطوي، إذ تكشف كيف تتحول المظاهر اليومية إلى أدوات تمثيل وتفاوض داخل قصر الحكم. فالأزياء، على سبيل المثال هي لغة بصريّة تفرض التراتب الاجتماعي وتحدّد مواقع النساء داخل شبكة النفوذ. كذلك، فإن الاحتفالات والطقوس كانت ساحات لعرض السلطة، واستعراض الولاءات، وإعادة تأكيد الشرعيات، حيث كانت النساء الفاعلات في البلاط يتحكمن في توزيع الهدايا، وتنظيم المناسبات، مما يعكس قدرة نسائية على إدارة العلاقات السياسية ضمن سياق اجتماعي معقد.
وعلاوة على ذلك، تتكشف في النص حيل النساء داخل الحريم؛ استراتيجيات دقيقة ومستمرة للنفوذ، نجاة، وتأثير، تعتمد على الذكاء الاجتماعي، والدهاء، والقدرة على قراءة التوازنات داخل القصر. هذه الممارسات اليومية تكشف عن نساء لا يكتفين بالانتظار السلبي، لكنهن يصنعن مآلات السلطة من خلال تحالفات سرية، ومناورات خفية، وتوظيف للزمن والمكان، وهو ما يجعل من النص أرشيفًا فريدًا لحياة تتقاطع فيها السياسة بالخصوصي.
إن قراءة النص بهذه الطريقة تؤكد على أهمية المعيش اليومي كمدخل لفهم العلاقات السلطوية، وتعيد النظر في مفهوم التاريخ السياسي الذي يختزل السلطة في قرارات عليا أو معارك خارج القصر، لتبرز كيف أن السلطة تُمارس وتُعاد إنتاجها داخل تفاصيل الحياة اليومية، وفي حركتها الدقيقة بين النسوة والرجال، وبين الخاص والعام.

●التحقيق بوصفه فعلًا نقديًا: بين التوثيق والتأويل

يستحق الجهد الفكري الذي بذله الدكتور مصطفى جواد في تحقيق نساء الخلفاء وقفة تأملية خاصة، إذ تجاوز فيه حدود التحقيق التقليدي الذي يقتصر عادة على تصحيح النص وتنقيحه، إلى ما هو أعمق وأشمل: فعل تأويلي ونقدي ينفتح على قراءة معاصرة للنص، ويعيد إنتاجه في سياق معرفي جديد. لم يقتصر عمله على وضع الهوامش كملاحظات توضيحية أو شرح لغوي، لكنه وظّفها كأدوات تحليلية تفتح آفاقًا متعددة لسبر أغوار النص، وتكشف عن طبقات مغمورة بين السطور، تختبئ وراء اللغة الرسمية والتقليدية.
بهذا الأسلوب، يحوّل التحقيق إلى كتابة ثانية موازية، تضيء على ما لم يقله النص صراحةً، وتُعمّق فهمنا لما تحمله النصوص من تناقضات، وصراعات رمزية، ونسق معرفي يضميناه في سيرورة التأريخ. فالمحقق لا يكتفي بإعادة بناء النص بل يعيد تشكيله، ويطرح عليه أسئلة نقدية تتحدى الثوابت، وتعيد النظر في قراءة السلطة، والجندر، والتاريخ.
إن هذا الأسلوب النقدي في التحقيق يضع النص في موقع مساحة جدلية بين الماضي والحاضر، بين النص والقراءة، حيث يُعيد إنتاج المعنى باستمرار، ويكشف عن البُنى المخفية للسلطة التي تتغلغل في اللغة، في التراكيب السردية، وفي الاختيارات الأسلوبية. وهكذا، يصبح التحقيق عملًا فكريًا إبداعيًا، ينبني على خلفية نظرية ومعرفية واسعة، تسمح بفهم النص كجسر بين أزمنة ومعارف متداخلة.
في النهاية، يُظهر عمل الدكتور مصطفى جواد كيف أن التحقيق النقدي قد يكون فعلًا مقاومًا يمكّن من إعادة صياغة التاريخ، وفضح أنماط الهيمنة المعرفية، وفتح الباب أمام قراءات بديلة تسعى إلى تجاوز التمركز الذكوري والسلطوي في التاريخ الرسمي.

● "نساء الخلفاء" – مرآة للمسكوت عنه وسجل لسلطة الظل

يبقى "نساء الخلفاء" من النصوص المؤسسة لقراءة مغايرة للتاريخ الإسلامي – قراءة تفتح أبواب التأمل في الدور الفعلي الذي لعبته النساء في تشييد الدولة، وصنع القرار، وإدارة السلطة من خلف الستار.
الكتاب هو كشف معرفي للبنية اللا مرئية للسلطة، ولتاريخ ظلّ يُكتب طويلًا بلغة التهميش والتغافل. وقراءته اليوم، في ظلّ إعادة التفكير في علاقة المرأة بالسلطة والدين والسياسة، تبدو ضرورة لا ترفًا، واستعادة تاريخية لما كان يجب أن يُقال.
هو وثيقة ثقافية شديدة الحداثة، تُذكّرنا بأن أي تأريخ للماضي دون صوت النساء هو تأريخ أعرج، ناقص، وخادع.



#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مجرد ذكرى يمحمد
- هد وانا اهد
- يمحمد
- منقذي من الظلال
- في ذكرى الغزو ...رواية جديدة لا يعرفها احد
- في ذكرى غزو الكويت: سردية الدولة بين النشأة والمحو
- التزوير في التاريخ الإسلامي: سلطة الرواية واغتيال الذاكرة
- دمٌ يُضيء الطريق: الطف بوصفه سفر المعنى
- الدنيا رطب عالي
- الكتب التي لا ينبغي قراءتها: عن بروست، الذائقة، والنقد الذي ...
- الترجمة كجسر للتواصل الثقافي عبر التاريخ: نحو فهم نظري وتاري ...
- الشرق شرق والغرب غرب-: تحليل لخطاب الثنائية في ضوء النقد ما ...
- النقد الانطباعي: تأملات في التجربة الجمالية والوعي الذاتي
- تأثير النقد الغربي في الأدب العربي: من الترجمة إلى التمثّل
- من يكتب التاريخ؟ في أنماط السرد، ومحو الآخر، ومقاومة النسيان
- زهرة الخشخاش لخيري شلبي/ حكاية البحث عن الوجود والاغتراب الا ...
- موت إلهٍ من بابل
- مجرد ذكرى
- محو الآخر هوامش غير مكتملة
- المركزية البغدادية وهامش المحافظات


المزيد.....




- ألمانيا وفرنسا تتوعدان موسكو بعقوبات أشد تعدان كييف بمزيد من ...
- هل تدخل فرنسا مرحلة المجهول بعد الثامن سبتمبر؟
- منظمة الصحة: أكثر من 400 ألف إصابة بالكوليرا هذا العام وارتف ...
- تمديد اليونيفيل خطوة حاسمة على حدود لبنان وإسرائيل
- الخبراء يحسمون الجدل: لا ضرر من غلي الماء أكثر من مرة
- خبير عسكري: أبو عبيدة وجّه رسائل عسكرية وردعية للاحتلال
- مقتل جندي إسرائيلي وإصابة آخرين في عمليتين للمقاومة بغزة
- تحالف الصحفيين الأفارقة يطالب إسرائيل بالإفراج الفوري عن معا ...
- عباس يؤكد أهمية حصر سلاح المخيمات بيد الجيش اللبناني
- حضور حزبي بارز.. البرلمان التركي يعقد جلسة طارئة بشأن غزة


المزيد.....

- أسئلة الديمقراطية في الوطن العربي في عصر العولمة(الفصل الساد ... / منذر خدام
- أسئلة الديمقراطية في الوطن العربي في عصر العولمة(الفصل الثال ... / منذر خدام
- أسئلة الديمقراطية في الوطن العربي في عصر العولمة(الفصل الأول ... / منذر خدام
- ازمة البحث العلمي بين الثقافة و البيئة / مضر خليل عمر
- العرب والعولمة( الفصل الرابع) / منذر خدام
- العرب والعولمة( الفصل الثالث) / منذر خدام
- العرب والعولمة( الفصل الأول) / منذر خدام
- مقالات في الثقافة والاقتصاد / د.جاسم الفارس
- مقالات في الثقافة والاقتصاد / د.جاسم الفارس
- قواعد اللغة الإنكليزية للأولمبياد مصمم للطلاب السوريين / محمد عبد الكريم يوسف


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رياض قاسم حسن العلي - نساء الخلفاء: وثيقة عن الحريم والسلطة وتحولات النفوذ النسائي في العصرين العباسي والتركي