مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8449 - 2025 / 8 / 29 - 15:33
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ شهدت الصين 🇨🇳 خلال العقود ال 4 الأخيرة تحولاً استراتيجياً في بنيتها الاقتصادية والسياسية ، إذ انتقلت من كونها مجرد دولة مقلدة للصناعات الغربية إلى قوة فاعلة تمتلك أدوات مؤثرة في الساحة الدولية كما هو بات معروف ، ولم تعد الصناعات الصينية مجرد منتجات مادية رخيصة الثمن، بل غدت جزءاً من قوتها الناعمة التىّ تمكّنها من التأثير في السلوكيات والأفكار عالمياً (Nye, 2004) ، ويبرز الذكاء الاصطناعي اليوم كأحد أهم المجالات التىّ تعتمد عليها الصين لتعزيز نفوذها ، سواء عبر التكنولوجيا الرقمية أو عبر قدرتها على تشكيل الوعي الجماعي ، لطالما إرتبطت الصناعات الصينية في الوعي الغربي بأنها نسخ رخيصة من منتجات الدول الصناعية الكبرى ، غير أن هذه الصورة تغيرت مع إعتماد الحزب الشيوعي الصيني في مؤتمره الأخير على إستراتيجية شاملة تستهدف تطوير الصناعات الوطنية وتحويلها إلى أدوات للقوة الناعمة ، فقد أعلن الحزب عن أهداف محورية ، أهمها التأثير السلوكي في حياة الفرد داخل المجتمعات البشرية المختلفة (Shambaugh, 2013) .
يُعد الذكاء الاصطناعي أبرز الساحات التىّ تشهد تنافساً عالمياً ، إذ لم يعد مجرد تقنية ، بل تحول إلى سلاح إستراتيجي قادر على إعادة صياغة أنماط الحياة ، فالصين لم تكتف بتطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي ، بل نظمت مؤتمرات عالمية تهدف إلى إستعراض قدراتها وتوجيه النقاشات حول مستقبل هذه التقنية (Ding, 2018) ، ومن أبرز الإبتكارات الصينية بطاريات الشحن المتحركة للسيارات الكهربائية ، التىّ تمثل نقلة نوعية في الإقتصاد الأخضر والتكنولوجيا الاستهلاكية (Tan, 2020) ، حيث كان الماضي القريب تتمحور المنافسة الإستراتيجية للولايات المتحدة 🇺🇸 حول أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية ، أما اليوم فقد أصبحت الصين المنافس الأكبر والأكثر شمولية ، ولم تعد ساحات الصراع محصورة بالميادين العسكرية ، بل امتدّت إلى الفضاء الرقمي والهواتف والسيارات والمنتجات الإستهلاكية التىّ تغزو أسواق العالم (Lee, 2018) ، ومع بروز الذكاء الاصطناعي ، دخلت البشرية مرحلة جديدة من التفاعل والمحاكاة ، ما جعل هذه التقنية قادرة على إعادة تشكيل الوعي الجمعي بطرق أكثر عمقاً من الأسلحة التقليدية (Future of Humanity Institute, 2019) .
لقد أصبحت الصين 🇨🇳 فاعلًا محورياً في إعادة رسم موازين القوى العالمية عبر أدوات القوة الناعمة ، وفي مقدمة ذلك الذكاء الاصطناعي ، فهذه التقنية ليست مجرد أداة اقتصادية أو تكنولوجية ، بل وسيلة استراتيجية لإعادة صياغة العلاقات الدولية ، وتوجيه الرأي العام العالمي ، والتحكم في الأذواق والسلوكيات ، ومن هنا 👈 ، فإن المنافسة بين الصين والولايات المتحدة لم تعد مجرد منافسة اقتصاديّة ، بل هي صراع على العقول والوعي الجمعي للبشرية حتى لو كان الطريق أمام الصين طويل …
لا أحد خارج دوائر التعقّب والتنقيب والمراقبة والتحليل الإستراتيجي يستطيع أن يتنبأ بدقّة بمصير المشاريع الكبرى التىّ تسعى إلى إعادة تشكيل النظام العالمي والسيطرة عليه ؛ وهي مشاريع غالباً ما تتجاوز حدود التفكير التقليدي وتستند إلى خطط طويلة المدى [Olaf, 2019] ، لكن إلى جانب هذه الرؤية ، هناك 👉 أطروحات أخرى لا تقل أهمية ، تتناول طبيعة المواجهات الجديدة التىّ تكتسب طابعاً أكثر تعقيداً ، بإعتبارها ولادة غير مسبوقة في التاريخ الإنساني المعاصر ، ففي العقود الماضية ، كان الصراع محتدماً بين الحركات اليسارية في أوروبا وشرق آسيا من جهة ، والرأسمالية الليبرالية من جهة أخرى [ماركس، 1867؛ Hobsbawm, 1994] ، وقد استلهمت الشعوب حينها تجارب ثورية مثل الثورة الكوبية 🇨🇺 والفيتنامية 🇻🇳 ، التىّ تأثرت بدورها بالثورة الصينية [Castro, 1970؛ ماو ، 1965] ، هذه الحركات أعتمدت على أدوار محورية للطلبة في الجامعات ، ورغم طابعها المدني ، فإنها لم تخلُ من مظاهر العنف السياسي ، كالاغتيالات والخطف والتفجيرات وسرقة البنوك والمخدرات ، وهو ما يعكس الطابع المزدوج للفكر الثوري : الجمع بين الأيديولوجيا والتنظيم وبين العنف كوسيلة للتغيير .
لكن مع التحول الرقمي والإنتقال إلى عصر الشبكات ، فقدت هذه الأساليب التقليدية الكثير من فعاليتها ورمزيتها [كاستلز، 2001] ، وإذا كانت المراجعات الفكرية والسياسية السابقة قد أنحصرت في ثنائية اليسار مقابل المحافظة على هوية المجتمع والدولة ، فإنها لم تحقق العدالة الاجتماعية المنشودة ، أما اليوم ، فإن المواجهة لم تعد مادية مسلّحة فقط ، بل انتقلت إلى مستوى أكثر تجريداً وتعقيداً : السيطرة على العقول وإعادة تشكيل الوعي عبر أدوات رقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة [Zuboff, 2019] ، وإن القوى التىّ كانت تعتمد في الماضي على اللينينية الثورية أو الماوية كإطار نظري لإسقاط النظام البرجوازي الفاسد بالقوة المسلحة [ماو، 1965]، وجدت نفسها اليوم في مواجهة جديدة داخل الفضاء الرقمي ، فالمعارك الكبرى لم تعد تدور في الشوارع ، بل في المنصات الرقمية ، داخل المنازل والشركات ، وحول الرقائق الإلكترونية التىّ تشكّل قلب الاقتصاد الرقمي والسيادة التكنولوجية ، وفي هذا السياق ، أصبح جمع بيانات الأفراد وتحليل اهتماماتهم وعاداتهم الاستهلاكية واليومية أداة مركزية للهيمنة ، لدرجة السعي إلى فهم أعمق لانفعالاتهم من الحب والكره والولع والسخط ، ويتم ذلك عبر تقسيم المجتمعات إلى وحدات دقيقة يسهل التحكم فيها عبر تقنيات الاستهداف النفسي والاجتماعي [Zuboff, 2019].
وإذا كان التجسس والدبلوماسية الناعمة في القرن الـ20 أدوات رئيسية لإعادة صياغة السرديات وصناعة النفوذ [Kissinger, 1994]، فإن المزج المعاصر بين التعاون الدولي والتقنيات الرقمية المتطورة منح قوى صاعدة مثل الصين القدرة على التأثير في البنى الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصاديّة للدول الأخرى ، من دون العودة بالضرورة إلى مرجعيات أيديولوجية تقليدية مثل ماركس أو ماو وغيرهم [Shambaugh, 2016] …
ثم أن هناك 👉 ثمة أسئلة كثيرة ومعقّدة ، لكن حتى أبسطها قد يكون حاسماً وجوهرياً ، فأكثر ما يقلق إسرائيل 🇮🇱 اليوم هو أن دولة كالصين يمكن 🤔 لها أن تمنح سوريا فرصة الحصول على التكنولوجيا اللازمة للنهوض باقتصادها المحلي ، وهو ما يتعارض مع مشروعها الجيوسياسي الرامي للهيمنة على محيطها الإقليمي (Brzezinski, 1997) ، حيث ترى إسرائيل في سوريا فرصة لتقسيم الدولة عبر تعزيز النزعات الانفصالية لدى الأقليات ، ما يفسر إصرارها على فرض واقع جديد في جنوب البلاد وجنوب لبنان 🇱🇧، تماماً كما حدث في غزة 🇵🇸 ، أو بالأحرى بعد إجتياح لبنان عام 1982 ، تحديداً حين وضع “معهد هرتسليا” خططاً لتفكيك المجتمع السوري تمهيداً لتقسيم الجغرافيا (Khalidi, 2004) ، وقد تزامن ذلك مع دعم دولي لنظام الأسد ، مما مكّن من إرتكاب جرائم إبادة جماعية بحق الشعب السوري بعد انتفاضته عليه (Human Rights Watch, 2012) ، ولقد استفادت إسرائيل من هذا الواقع ، مدعومة بالعجز العربي والصمت الغربي ، والدعم الروسي والصيني ، وأمتد تأثير هذا الوضع لاحقاً ليطال الفلسطينيين في غزة ، وسط إدراك تل ابيب بالعجز الدولي أمام ما يسمى بالقانون الدولي (Pappé, 2006).
كل هذه الأحداث عزّزت النزعات الانفصالية لدى بعض الأقليات ، ودفعها للتفكير بالانضمام إلى الدولة العبرية لتكون جزءاً منها ، وهذا ليس بالأمر الجديد ، بل يُعدّ استمراراً لما أطلق عليه بعض المحللين “ممر داوود التاريخي”، الفاصل بين الإسرائيليين والعرب (Shlaim, 2000) وكرد تاريخي على ممر عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ، ورغم تراجع تل أبيب عن المضي في المشروع بعد ظهور تحالف عربي ☪ -تركي 🇹🇷 ضد تقسيم ثلاث دول (علوية، درزية، كردية)، إلا أنها لم تتوقف عن بناء “الجدار الدرزي” في جنوب سوريا وفتح غرفة عمليات في جبل الشيخ ، لتنسيق العلاقة بين الجهات الإسرائيلية ودروز سوريا ولبنان ، وأحياناً داخل العمق التركي ، حيث تركز مهام هذه الغرفة على إعادة هندسة البنية الديموغرافية في مناطق الدروز ، من خلال تهجير واسع للطوائف الأخرى ، وبهدف إقصاء العرب من المنافسة الاقتصادية والسياسية (International Crisis Group, 2019) ، وقد أدى ذلك إلى تراجع الحركات الثورية نتيجة أزمة التخلف وضعف القدرة على الاستجابة للتحديات المستقبلية .
لذلك ، أصبح من الضروري إعتماد إستراتيجية مزدوجة : دبلوماسية وسياسية للتعاون الدولي ، مع العمل في الظل على رفع الوعي بالتكنولوجيا لحجم تأثيرها على البشرية (Castells, 1996) ، فالذكاء الاصطناعي أصبح أداة لتعقّب الأفراد وصياغة الرواية التىّ حتماً تُخدم مصالح العرب إذا أُحسن توظيفه ، ومن ثم ، يتطلب الأمر الجمع بين القوة التقنية ، والذكاء الصناعي ، والدبلوماسية الرقمية والاستخباراتية ، لضمان التأثير السياسي والحفاظ على موطئ قدم في معادلة التوازن الدولي … والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟