أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صباح حزمي الزهيري - مقامة إدارة الفئران: استعارة لحال العراق بعد 2003.














المزيد.....

مقامة إدارة الفئران: استعارة لحال العراق بعد 2003.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8449 - 2025 / 8 / 29 - 15:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تحكي القصة المصرية عن فلاحٍ بسيط كان يحمل كيسا من الخيش مملوءا بالفئران الحية , وكان مسافرا في أحد قطارات الريف إلى القاهرة , وصادف انه يجلس إلى جوار أحدُ المهندسين الذي لاحظ أن الفلاحُ يهزَّ الكيس عدة مرات بين الفينة والأخرى , سأل المهندسُ الفلاحَ عن محتويات هذا الكيس , قال الفلاح : في الكيس عدد كبير من الفئران اصطدتها حية لأبيعها لمركز الدراسات والأبحاث في القاهرة , ليُجروا عليها التجارب العلمية , وهذا مصدر رزقي , سأل المهندس الفلاح مرة أخرى : ولكن لماذا تهزُّ الكيس بين الفينة والأخرى؟ رد الفلاح : أنا أهزُّ الكيس حتى لا تتمكن الفئران من قرض الكيس المصنوع من قماش الخيش لتحرر نفسها , فأنا أهزها باستمرار لتنشغل بمعاركها الداخلية بين بعضها البعض ,لأن الفئران تعتقد أن حركة هزِّ الكيس ناتجةٌ عن مشاغبة وعبث بعض الفئران داخل الكيس , لذلك فهي تتعارك مع بعضها البعض , وتنشغل بحروبها الداخلية , وتنسى استخدام أسنانها الحادة لقرض كيش الخيش , فهي تنسى الحرية وتقتتل داخليا .

هذه القصة البسيطة تحمل في طياتها درسًا قاسيًا في فن السيطرة على الجماهير, وهو درسٌ يمكننا بسهولة أن نطبقه على الواقع العراقي بعد عام 2003 , فقد كان من المتوقع, بعد أحتلال العراق وأزالة هياكل ومؤسسات البلاد , أن يتجه الشعب العراقي بأسره لـ(( قضم كيس الخيش )) , أي بناء دولته وتأمين مستقبله , لكن ما حدث كان مختلفًا , فبدلاً من التركيز على المطالب الحقيقية المتعلقة بالخدمات الأساسية ومكافحة الفساد المستشري , انشغل العراقيون بـ (( حروب داخلية )) أبعدتهم عن هدفهم الأساسي , لقد تم خلق صراعات متعددة , بعضها على أساس عرقي , وآخر على أساس طائفي , وثالث على أساس مناطق , هذه الصراعات , التي كان يُنظر إليها على أنها قضايا جوهرية , لم تكن سوى أدوات لإشغال الناس.

هذه الاستراتيجية في إشغال الجماهير ليست جديدة , ففي عام 1895 م أدرك علماء مثل غوستاف لوبون في كتابه (( سيكولوجيا الجماهير)) أن الجماهير تُقاد بالعاطفة لا بالعقل, وأنها سهلة الانقياد تحت تأثير المحرضين , لقد بيّن لوبون كيف يتحول الفرد الواعي إلى غوغائي عندما ينخرط في حشود , وكيف يمكن إقناع الجماهير بارتكاب أفعال عنيفة باسم أي قضية , ولعل (( أحقر درس في تاريخ البشرية )) كما وصفه الأستاذ سامي عطاالله , يتجسد في قصة جوزيف ستالين الذي نزع ريش دجاجة حية أمام رفاقه , ثم ألقى لها حبات الشعير, لتركض نحوه مذعورة , معلّقة ببساطيله , لقد أراد ستالين أن يوضح لرفاقه أن الشعوب , مثل تلك الدجاجة , ستلحق بمن يعذبها , مقابل الحصول على أدنى لقمة عيش.

تُظهر قصة الفئران , وأفكار لوبون , ودرس ستالين , أن التخلص من ثورات الجماهير على الحكام الطغاة لا يتم إلا بإشغالهم بقضايا فرعية تسبب الألم والخصام , ففي العراق , تحولت المعركة من صراع على الانعتاق والحرية إلى صراع على السلطة والموارد , صراعٌ تغذى من الداخل , وبدلاً من أن يتحد الجميع ضد الفساد وسوء الإدارة , انقسموا إلى فرق متناحرة , كل فرقة تعتقد أن الخطر يكمن في الفرقة الأخرى , بينما (( الفلاح )) يواصل هزّ الكيس , مستفيدًا من انشغال الجميع.

إنّ واقع العراق بعد 2003 يطرح سؤالًا جوهريًا: هل كان العراقيون فئرانًا في كيس , أم أنهم ببساطة لم يدركوا أن الكيس كان مفتوحًا ؟ إنّ فهم هذه الاستعارة قد يكون خطوتنا الأولى نحو تغيير الواقع , فمتى ما أدركنا أن خلافاتنا الداخلية هي في معظمها صنيعة من يريد إشغالنا , يمكننا حينها أن نوجه طاقتنا لـ (( قضم كيس الخيش )) وبناء العراق الذي نحلم به.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة وشالة العمر .
- مقامة ياريحان .
- مقامة الحر العراقي .
- مقامة البجعة السوداء .
- مقامة يسار جديد ؟
- مقامة الأنتاج .
- مقامة الأغتراب .
- مقامة المجال الحيوي .
- مقامة الهايكو و الهايبون : رحلة الأدب الياباني إلى العالم ال ...
- مقامة المراجعة .
- مقامة ألأستزمان .
- مقامة في الفروقات الصغيرة يكمن التميّز.
- مقامة سيدوري .
- مقامة الكهرباء .
- مقامة البيلسان .
- مقامة العميان .
- مقامة الحنين .
- مقامة الفرح .
- مقامة عبثية .
- مقامة ألأستلال .


المزيد.....




- ماذا قالت السلطة الفلسطينية وإسرائيل عن رفض أمريكا منح مسؤول ...
- سفن حربية أمريكية قبالة فنزويلا.. مادورو يدعو للتطوع في المي ...
- ميرتس يحذر من تداعيات الأزمة الفرنسية على استقرار اليورو
- أوسلو توضح: بيع أسهم الصندوق النرويجي في شركة -كاتربيلر- الأ ...
- محكمة الاستئناف البريطانية تلغي قرار إخلاء طالبي لجوء من فند ...
- منظمة الصحة: نحو نصف مليون إصابة وآلالاف الوفيات بسبب الكولي ...
- أكبر أسطول عالمي لكسر حصار غزة يستعد للإبحار من إسبانيا
- ميزانية دفاع قياسية باليابان ورهان كبير على المسيّرات
- هل يدفع تفعيل العقوبات الأوروبية إيران للحصول على السلاح الن ...
- الحرب على غزة مباشر.. مقتل جندي للاحتلال وأبو عبيدة يعلن الا ...


المزيد.....

- الحجز الإلكتروني المسبق لموسم الحنطة المحلية للعام 2025 / كمال الموسوي
- الأرملة السوداء على شفا سوريا الجديدة / د. خالد زغريت
- المدخل الى موضوعة الحوكمة والحكم الرشيد / علي عبد الواحد محمد
- شعب الخيام، شهادات من واقع احتجاجات تشرين العراقية / علي الخطيب
- من الأرشيف الألماني -القتال في السودان – ينبغي أن يولي الأل ... / حامد فضل الله
- حيث ال تطير العقبان / عبدالاله السباهي
- حكايات / ترجمه عبدالاله السباهي
- أوالد المهرجان / عبدالاله السباهي
- اللطالطة / عبدالاله السباهي
- ليلة في عش النسر / عبدالاله السباهي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صباح حزمي الزهيري - مقامة إدارة الفئران: استعارة لحال العراق بعد 2003.