|
-الأخوان- إلى أين؟
عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث
الحوار المتمدن-العدد: 8449 - 2025 / 8 / 29 - 02:50
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
لا أميل إلى وصف ما يُعرف بقوى الإسلام السياسي ب"الاسلاميين"، على الأقل انسجاما مع قناعتي الراسخة بضرورة الفصل بين السياسة والدين. الصحيح، هناك جماعات وأصحاب مصالح، يمارسون السياسة تحت يافطة الدين. ومن بين هذه الجماعات" الأخوان المسلمين"، الذين تسبق اسمهم كلمة "جماعة"، منذ التأسيس عام 1928 في الاسكندرية، على يد حسن البنا. المتتبع لتاريخ "الأخوان"، لا بد سيلحظ خصائص عدة طبعت مسيرة هذا التنظيم، منذ بداياته، سيكون لها انعكاساتها في تحديد مصير "الجماعة". من هذه الخصائص، مراعاة مواقف النُظم الحاكمة، وخاصة في الأحداث المحورية الكبرى، إلى درجة التماهي معها، بالإضافة إلى التحالف مع السلطة في مراحل تاريخية معينة. فما تزال ذاكرتنا تحتفظ بمواقف تنظيمات "الأخوان" في البلدان العربية من اجتياح العراق للكويت عام 1990، وكيفية حل الأزمة. فقد تماهى موقف "أخوان" الأردن مع الموقف الرسمي آنذاك. وعلى نقيضه كان موقف "أخوان" الكويت. وعلى صعيد الأردن أيضا، تحالف "الأخوان" مع النظام السياسي ضد اليساريين والقوميين، خلال أحداث 1956. وعلى العموم، يبدو موقف "الأخوان" من السلطة الحاكمة، أقرب إلى موقف السلفيين، بعدم جواز الخروج على الحاكم، حتى لو كان اسمه بريمر. فمن المعروف أن "أخوان" العراق كانوا في "منتهى الالتزام والانضباط" بحضور اجتماعات القوى السياسية العراقية برئاسة "المندوب السامي الأميركي" في بلاد الرافدين، بعد احتلالها عام 2003. أما الخاصية الثانية، التي ما تزال "الجماعة" تدفع ثمنها غاليا في مصر بالذات، فهي شهوة السلطة والطيش على شبر ماء تهيؤاتها السرابية، من دون تبصر وتفكر، رغم مبدأ "دعاة ولسنا قضاة" المعبر عنه في قولة شهيرة لحسن البنا بهذا اللفظ. هنا لا بد من استحضار بعص التفاصيل، بخصوص مجريات الأحداث في أرض الكنانة، بعد تخلي حسني مبارك عن الحكم في 11 شباط 2011 بضغط من المؤسسة العسكرية. بداية، من الإنصاف لشباب مصر وباقي بلداننا، تثبيت حقيقة، أنه لا دور ل "الأخوان" في إشعال شرارة ما يُعرف بأحداث الربيع العربي. فقد ظلوا على الحياد كعادتهم، يراقبون المشهد عن كثب. ومع إدراكهم أن ما يجري سيكون له ما بعده، ركبوا الموجة، مستغلين قدراتهم التنظيمية، ومستثمرين، كما هو ديدنهم، في العاطفة الدينية. خلال فترة استعداد الأحزاب والقوى السياسية للانتخابات، أعلن "أخوان" مصر عدم رغبتهم بالحصول على أغلبية في مجلس الشعب. وفي شباط 2012، أعلنوا عدم رغبتهم بالترشح للانتخابات الرئاسية. لكنهم اتبعوا نهجا مغايرا. فقد عقدوا صفقات مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ولم يكن لديهم مشكلة بالاتفاق مع الجنرالات على إجراء الانتخابات أولا، قبل اعداد دستور جديد. وبالفعل تم اجراء الانتخابات على عجل، من دون توفير وقت كاف للائتلافات والأحزاب الليبرالية، التي نهض على أكتافها الحراك الجماهيري. أعمت بصائرهم شهوة السلطة، وظنوا بإمكانية القفز على أكتاف الجنرالات إلى سدة الحكم. جرت انتخابات مجلس الشعب على ثلاث مراحل، من 28 تشرين الثاني 2011 وحتى 11 كانون أول 2012، وحصل حزب الحرية والعدالة الإخواني على 235 مقعدا من 508 مقاعد. أما الانتخابات الرئاسية، فقد جرت جولتها الثانية، يومي 16 و 17 حزيران 2012. وفاز فيها مرشح "الأخوان" الدكتور محمد مرسي، بفارق ضئيل على منافسه أحمد شفيق. حصل الأول على 12952507 أصوات، فيما حصل الثاني على 12411898 صوتا. وبهذه النتائج، تأكد أن تصريحاتهم المومأ إليها فوق، بخصوص "الزهد" بالأغلبية في مجلس الشعب وبكرسي الحكم، كانت مجرد تمويه. ولم يدُر بخلدهم أنهم كانوا يبيعون أنفسهم أوهاما، ولكنهم أدركوا ذلك يوم لاتَ مندمِ. لقد استخفهم بريق السلطة، وتهيأ لهم أن قطوفها أصبحت دانية. لا شك أن الجنرالات يدركون تماما ولع "الجماعة" بالسلطة، ولم يكن لديهم مشكلة بجلوس ممثلها على كرسي الحكم لمدة عام، ربما على طريقة تسمين الخروف قبل ذبحه، لحين تهدئة الأوضاع وتهيئة الظرف المناسب لحصول ما حصل، وتفاصيله معروفة. لقد أثبتت تجربة "الأخوان" في مصر عامي 2012 و 2013، أمرين في غاية الأهمية، أولهما، ضرورة الفصل بين السياسة والدين، والا فإن أوضاعنا ستنحدر من سيء إلى أسوأ. أما الأمر الثاني، فهو أنه على الرغم من ضجيج "الأخوان"، إلا أنهم لا يصلحون للحكم وليس بمكنتهم إدارة شؤون الدول. ولن يكون بمقدورهم النهوض بأي من هذه المهام، ما لم يتصالحوا مع العصر أولا، ويعيدوا النظر بمرجعيتهم الفكرية بمعايير الحاضر، ثانيا. هنا، اكتفي بايراد دليل واحد. فهم لا يؤمنون بالدول القائمة، وإذا سألتهم عن البديل، فالجواب تلميحا وتصريحا: الخلافة. فأي خلافة في القرن الحادي والعشرين؟! الخلافة، ليست من الإسلام بشيء أصلا. فلم تُذكر في آية أو حديث. إنها اجتهاد بشر في سياقات مراحل تاريخية، انتهت صلاحيته السياسية مرة والى الأبد عام 1924. لم يصغوا لنصائح راشد الغنوشي المتكررة لهم في حينه، لا بل طاشوا على شبر ماء الغرور، إلى حد قول قائلهم: "مستعدون لحكم مصر 500 عام"(انظر كتابنا، العرب والديمقراطية... أين الخلل؟! ص57). واستخف الغرور "أخوان" الأردن، حيث أعلن أحد قيادييهم عن جاهزيتهم لاستلام السلطة!!! الخاصية الثالثة، التي سيجني "الأخوان" ثمارها المرة، ان لم يكُن جنى حصادها المر قد بدأ، فنجدها في توفير الغطاء النظري لشرعنة ممارسات الجماعات السلفية التكفيرية. ففي كتاب سيد قطب، (معالم في الطريق)، نقرأ في الصفحتين 164-165: "الإسلام لا يقبل أنصاف الحلول مع الجاهلية، لا من ناحية التصور ولا من ناحية الأوضاع المنبثقة عن هذا التصور. فإما اسلام وإما جاهلية... إما حكم الله وإما حكم الجاهلية". انتهى الاقتباس. لكن الله عز وجل لا يحكم مباشرة، ولم يكلف أحدا بالحكم باسمه وتفسير قصده وفرضه على الناس. إذن، المقصود هو حكم أناس بعينهم، ولكن باسم الله. وهو ما يذكرنا بما يُعرف في تاريخ أوروبا الأسود، خلال القرون الوسطى، ب" الحق الالهي"، حيث كان البابوات ورجال الدين(الإكليروس)، يعيّنون الملوك والأمراء ويعزلونهم، ويقتلون العلماء بأساليب بشعة، ويتحكمون بالبشر. هذه الفظاعات كلها، كانت تُرتكب باسم السماء. وكانت النتيجة، كما تذكرها كتب التاريخ كارثية، وبخاصة من حيث أعداد الضحايا، التي تُحسب بملايين الأرواح. تدور محاور كتاب (معالم في الطريق) حول "الحاكمية الإلهية"، أي الحكم باسم الله، كما بيّنا أعلاه، تماما كما "الحق الإلهي" في أوروبا المسيحية، خلال القرون الوسطى. لذا لا غرابة، أن يكفر المؤلف في الصفحات 14-23، الدولة والمجتمع، وهو ما تلقفه السلفيون والتكفيريون، لتبرير ارتكاباتهم في "الجهاد" ضد مجتمعات "الجاهلية والكفر"!!! يقدم سيد قطب نفسه في هذا الكتاب، كمفكر إسلامي في منتهى التطرف. ولا يمكن تفهّم ذلك، من دون الأخذ بنظر الاعتبار تأثير معاناته القاسية طيلة مدة سجنه. إنها فلسفة رجل نظر إلى الحياة والمجتمع من جدران زنزانته الضيقة. على هذا الأساس، تشكلت لديه رؤية أيديولوجية جعلت من مفهوم "الحاكمية" قنابل ما تزال أصداء انفجاراتها تتردد، ودماء ضحاياها تنزف. لمن لا يعرف، كان سيد قطب من المؤيدين لانقلاب الضباط الأحرار بقيادة جمال عبدالناصر، في 23 تموز 1952. وقد أعلن تأييده الكلي لقادة مصر الجدد آنذاك، في مقالات استمر في نشرها، وكان يدعوهم من موقع المؤيد المهلل، إلى عدم التباطؤ في إحداث التغيير الشامل، بإقالة الجيل القديم من قادة الجيش المتورطين مع الملك فاروق (محمد شحرور: الدين والسياسة/قراءة معاصرة للحاكمية، ص 58). ومع ان سيد قطب قد انتسب إلى "الأخوان" عام 1953، الا أنه ظل يتعامل بحذر مع التنظيم ومع ضباط الانقلاب، من دون مفاضلة بين الطرفين. كان يطمح بالحصول على منصب مرموق. ولما لم يتحقق مراده، وشعر بخذلان حكام مصر الجدد له، تخلى عن حذره، وقفز نهائيا إلى سفينة "الأخوان"(الدين والسياسة، ص59). لكي تكتمل الصورة فيما نحن بصدده، نرى من الضرورة بمكان التذكير بمرحلة الحرب الباردة. آنذاك، كان دور الأحزاب والجماعات التي تمارس السياسة تحت يافطة الدين، وفي مقدمها "الأخوان"، مطلوبا. أما الهدف، فواضح مثل فلق الصبح: توظيفهم في معركة الرأسمالية ضد النظام الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق. وعلى صعيد الداخل العربي، استخدامهم من قِبَل النخب الحاكمة ضد اليساريين والقوميين، على وجه الخصوص. أما اليوم، ومع التحولات التي طرأت بعد انهيار جدار برلين، فلم يعُد هذا الدور مطلوبا. ونضيف إلى ذلك، اخفاقهم في امتحان المرحلة، خلال سنوات ما يُعرف بالربيع العربي. ولا نغفل الإشارة إلى فظائع التنظيمات التكفيرية وارتكاباتها المتوحشة. وليس من الجائز عدم ملاحظة تفتح الأذهان في عصر الفضاء المفتوح، وتزايد ضغوط أزمات الواقع العربي، مقابل فتاوى رجال الدين وتقولاتهم، التي جعلت منا أضحوكة بين الأمم. ومنها، على سبيل المثال لا الحصر: ارضاع الكبير، والتداوي ببول البعير، وصولا إلى "ما للتصنيع خُلقنا"!!! هل نجازف بالقول إن مرحلة ما يُسمى بالمد الديني بدأت بالانحسار؟! نعتقد أن هذا الرأي، لم يعُد بلا مؤشرات تؤكده ومقدمات تسنده. وقد أظهرنا فيما سبق العديد من هذه المقدمات. ونضيف إليها، قرار حل "الأخوان" في الأردن. لا نرى هذا القرار بمنأى عن سياق مرحلة تاريخية جديدة، يقف العالم العربي على أعتابها. تأسيسا على ما تقدم، يرتسم في الأجواء سؤال مفصلي: "الأخوان المسلمين" إلى أين؟! وكإضاءة أولية للإجابة، نعتقد أن التاريخ لا يمكن أن يستثني العرب من مساره التطوري. هذا يعني على صعيد الدين، وضعه في مكانه الطبيعي الصحيح، كشأن تعبدي خاص، لا علاقة له بالسياسة ولا في شؤون الاجتماع الإنساني.
#عبدالله_عطوي_الطوالبة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
اللامعقول بنسخته الأردنية!
-
إلغاء فاعلية الإنسان *
-
قراءة في مذكرات جولدا مائير (5) كذب مفضوح وتضليل صريح!
-
الجسد العربي المشلول
-
نعيق التخاذل والإنهزام
-
مبعث القلق على الأردن
-
قراءة في مذكرات جولدا مائير (4) صلف وقح وغطرسة متعجرفة
-
بيننا وبينهم اتفاقية سلام!
-
المقاومة أو الاستسلام
-
جذور التكفير والتحريم في الدين*
-
قراءة في مذكرات جولدا مائير (3) الغباء الرسمي العربي !
-
واقع العجز
-
الإنسان والدين (بعقولها تتقدم الأمم وليس بأديانها).
-
ظاهرة سياسية أردنية غير محمودة !
-
ماذا تبقى من أوسلو ووادي عربة؟!
-
قراءة في مذكرات جولدا مائير (2) السفر إلى فلسطين !
-
لهذا اندحرت أميركا في فيتنام وتبهدلت
-
يرفضون التخلي عن مضمونهم الاستعماري !
-
استحوا...عيب !!!
-
قراءة في مذكرات جولدا مائير(1) مشكلتهم مع التاريخ !
المزيد.....
-
نتنياهو يزور الزعيم الروحي للدروز
-
-إن مُتنا فليكن في بيت الرب-: المسيحيون في غزة يواجهون التهج
...
-
باحثة يهودية: هذان الشخصان فقط يمكنهما وقف المجاعة في غزة
-
-الكنيسة الميثودية المتحدة تصبح أول كنيسة تسحب استثماراتها م
...
-
ردا على موفق زيدان.. لا لحل الإخوان المسلمين في سوريا
-
مستعمرون يقتحمون المسجد الأقصى
-
نتنياهو يجتمع مع رئيس الطائفة الدرزية لمتابعة الأوضاع في الس
...
-
مجلس الكنائس العالمي يُعرب عن تضامنه مع بطاركة القدس ومواطني
...
-
لجنة طوارئ كنيسة العائلة المقدسة في غزة تقرر البقاء في الكني
...
-
بابا الفاتيكان يدعو لإنهاء -العقاب الجماعي- في غزة
المزيد.....
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
-
نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية
/ د. لبيب سلطان
-
شهداء الحرف والكلمة في الإسلام
/ المستنير الحازمي
-
مأساة العرب: من حزب البعث العربي إلى حزب الله الإسلامي
/ حميد زناز
-
العنف والحرية في الإسلام
/ محمد الهلالي وحنان قصبي
-
هذه حياة لا تليق بالبشر .. تحرروا
/ محمد حسين يونس
-
المرحومة نهى محمود سالم: لماذا خلعت الحجاب؟ لأنه لا يوجد جبر
...
/ سامي الذيب
-
مقالة الفكر السياسي الإسلامي من عصر النهضة إلى ثورات الربيع
...
/ فارس إيغو
المزيد.....
|