أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - -العراق.. وطنٌ يضيء بالوعود وينطفئ بالابتسامات-














المزيد.....

-العراق.. وطنٌ يضيء بالوعود وينطفئ بالابتسامات-


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8432 - 2025 / 8 / 12 - 14:09
المحور: قضايا ثقافية
    


في العراق، للكهرباء حكاية لا تشبه أي حكاية، فهي ليست مجرّد تيار يمرّ في الأسلاك، بل ملحمة وطنية، مسرحية عبثية تُعرض على مدى أربعين عامًا، تتبدل فيها الوجوه، لكن النصّ واحد، والمخرج واحد، والجمهور نفسه… جمهور تعلّم أن يصفّق حين تأتي الكهرباء، ويزمجر حين تنقطع، ثم يعود ليبتسم لأنّه يعرف أن الفاصل الإعلاني سيطول.المشهد الأول يبدأ دائماً في ظهيرة صيفية، حيث الحرارة تبلغ مستوى يجعل الشاي يغلي في الكوب دون أن يقترب أحد من الموقد. المواطن العراقي، ذاك الكائن الأسطوري الذي تعلّم الصبر كما تعلّمت النخلة التحدي، يجلس على كرسي بلاستيكي متهالك، يراقب مروحة سقف بلا حراك، بينما يحدّث نفسه: "لو دارت المروحة لدارت الحياة".
وفجأة، يرن هاتف أحدهم في الديوان، فيهمس بحماس: "أخوان… المسؤول الفلاني اتصل بي شخصيًا وقال إن الكهرباء راح تستمر اليوم". هنا، يقف الجميع احترامًا وكأنهم أمام إعلان النصر في معركة مصيرية. ذاك المتصل يصبح "أرنولد شوارزنيغر" العراق، الرجل الذي أوقف الظلام بجرّة هاتف، ومنع انقطاع الكهرباء بصلابة مواقفه ودفء علاقاته.لكن الحقيقة يا سادة، أن هذا الأرنب — أقصد الأرنبـولد — هو نفسه من جلس مع ذاك المسؤول قبل أشهر، وتفاوضا على عقود الكهرباء التي تكفي لإنارة القمر… ثم انطفأت الأرض، وبقي القمر يضحك علينا من بعيد.
المضحك المبكي أن المواطن صار يتعامل مع الكهرباء كما يتعامل مع موسم المطر: تأتي فجأة، وتذهب فجأة، ومع ذلك نبني عليها خططًا. إذا جاءت، نقرر أن نشغل الغسالة، ونطبخ، ونستحم، ونشحن الهواتف، ونشاهد المسلسل… كل هذا في ساعة واحدة وكأننا في سباق ماراثون ضدّ الانقطاع.المقترح الذي أراه حلًّا فلسفيًا (وساخرًا بامتياز) هو أن نطلب من الحكومة — حفظ الله ظلّها الممدود علينا في الظلام — أن تقطع الكهرباء تمامًا، للأبد، بلا عودة، بلا أمل. لماذا؟ لأننا، كما يبدو، لسنا شعبًا يليق به التذبذب… نحن نريد ثباتًا. فإذا كنا محكومين بالظلام، فلنعتنقه، لنتكيف معه كما تكيف أجدادنا في الكهوف، ونطور صناعات جديدة: صناعة المهفات اليدوية، وتجارة الكاز، وتربية العيون التي ترى في الظلام.
عندها، لن يحتاج جند اللوكية إلى الجري وراء "المسؤول الطيب القلب" ليحملوا له المروحة اليدوية ويمسحوا عرقه بالمناديل المعطرة، ولن يضطروا لتلميع حذائه كلما سقطت ذرة غبار عليه. بل سنوفر عليهم عناء التمثيل، إذ سيجلس المسؤول مثلنا، يلوّح بالمهفة، يبتسم بابتسامة "قدّر الله وما شاء فعل"، بينما نحمد الله على أننا جميعًا في العتمة سواء.
حينها، لن يكون لدينا "قطع مبرمج" ولا "صيانة طارئة" ولا "تحسين الشبكة"، بل سنجد أنفسنا أمام واقع واحد، مستقرّ، بلا مفاجآت… وربما، فقط ربما، سنكتشف أننا لم نكن نحتاج الكهرباء أصلًا، بل كنّا نحتاج من يطفئ كذبة النور.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذين يريدون أن يفاوضوا ملك الموت
- -لظى الشوق في غيابك-
- حين تنام القصيدة ويصحو الخراب… قراءة في نص «وطنٌ يبيع ملامحي ...
- تاريخ العقول الممنوعة — حين يصبح الفكر تهمة أكبر من الخيانة
- الكتب غير المقروءة… مقابر فاخرة للحبر
- حين تتقاتل الظلال على جدار التاريخ
- -لم يكن الوطن بيتًا مشتركًا، بل مائدة حصرية، جلس عليها من ظن ...
- -على هامش الحضيض... حين يتقوّأ السفهُ على القامات-
- كنت أحبها... وما زلت
- بغداد... حين كانت العرش والسيف والمحراب والقصيدة ...
- عبد السادة البصري... شاعرٌ نَزَفَ الجنوبُ بين حروفه .حين تصب ...
- -الدم الذي يقطر من سبحات الزيف-
- -القصة القصيرة جدًّا... أو كيف تقتل الأدب بسطرين!-
- حين يغيب العقل عن السرد: هل انتهت الفلسفة من الرواية العربية ...
- -جرذان الذهب.. وشيب العراق المنسيّ-
- موطئ القدم الناعم: خطر العمالة الأجنبية حين تستحيل أقليةً مط ...
- العراق والكويت: ملحمة السقوط العربي في حضرة التحالف الغادر
- ياسين غالب.. طائر الحرية الذي حطّ في هلسنكي
- الشرق الأوسط الجديد... حين يتهاوى ظلُّ طهران ويُولد الضوء من ...
- الجرذ الذي أكل 62 ترليوناً ولم يتجشأ


المزيد.....




- روبيو: أمريكا ستنهي تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب
- وكالة مهر تؤكد سماع دوي انفجار في بندر عباس تزامنا مع تقارير ...
- قاسم عن تشييع خامنئي: بداية لمسار ثوري ستتغير فيه معالم المن ...
- هل يتصدع الحلف فعلا؟ ترامب يقترح طرد إسبانيا من الناتو
- تهديدات ترامب بمعاقبة مدريد .. هل يمكن تنفيذها بهذه السهولة؟ ...
- أردوغان يعلن استعداد تركيا لاستضافة مفاوضات مباشرة بين روسيا ...
- حكم قضائي يلزم ترامب بدفع 5 ملايين دولار لـ إي جين كارول بته ...
- الناتو يصف روسيا بأنها -تهديد طويل الأمد-
- الجيش الإسرائيلي يقول إنه اعتقل عنصرا من قوة النخبة -الرضوان ...
- موسكو توسع الدفع بالقياسات الحيوية إلى الخط الرابع لشبكة MCD ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - -العراق.. وطنٌ يضيء بالوعود وينطفئ بالابتسامات-