أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - ليث الجادر - العداله الاجتماعيه..حتم التناقض الثنائي














المزيد.....

العداله الاجتماعيه..حتم التناقض الثنائي


ليث الجادر

الحوار المتمدن-العدد: 8393 - 2025 / 7 / 4 - 23:12
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


تثير العلاقة بين العدالة الاجتماعية في مستواها المادي — أي التوزيع العادل للثروة وتقليص الفوارق الطبقية — وبين العدالة الاجتماعية في مستواها السياسي — أي الحريات المدنية والتعددية والمشاركة الديمقراطية — جدلًا فلسفيًا وسياسيًا عميقًا. فرغم ما يبدو من تكاملٍ ظاهري بين هذين البعدين، فإن قراءة نقدية جدلية تكشف أنهما لا يسيران بالضرورة في خطٍ واحد؛ بل قد تقوم بينهما علاقة عكسية موضوعية، خاصة إذا نظرنا إلى التجربة من منظور الصراع الطبقي في إطاره الماركسي.

العدالة المادية بوصفها نفيًا لشروط النزاع السياسي

إن تحقق العدالة الاجتماعية المادية — عبر مكافحة التمايز الطبقي والإيمان الكامل بمفهوم الصراع الطبقي بوصفه أداةً جذرية لإعادة التوزيع — لا يترك للنزاع السياسي التقليدي وظيفته التصحيحية. ففي ظل ديمقراطية مركزية عادلة وفاعلة، يُعاد إنتاج المساواة ماديًا من خلال التخطيط الجماعي وضبط الفائض وإعادة توزيعه على نحوٍ يحقق الاكتفاء للجميع. هنا تنتفي الحاجة إلى الآليات الليبرالية التي نشأت تاريخيًا لضبط التفاوتات أو موازنتها بوسائل شكلية كالاقتراع والتمثيل الحزبي.
إن السياسة في معناها الليبرالي ليست إلا نتيجة مباشرة لاستمرار الفوارق البنيوية. ومع انحسار تلك الفوارق تتحرر السياسة من بعدها الصراعي. فالعدالة المادية المستقرة تفرغ المطالبة بالعدالة السياسية من مضمونها كأداةٍ للتصحيح الطبقي، وتحوّل فائض الطاقات الاجتماعية إلى فضاءات أكثر إنسانية وإبداعًا: الفنون والثقافة والرياضة والعمل التطوعي. هكذا تتحول العدالة من وظيفة نضالية إلى قيمة تمكينية تحررية، وتُعاد صياغة مفهوم الحرية ذاته ليصبح حريةً من الضرورات المادية، لا مجرد حريةٍ شكلية مقيدة بجوهرٍ غير عادل.

الديمقراطية البرجوازية: اتساع الحرية وانكماش المساواة

هذه الرؤية تطرح تساؤلًا مركزيًا حول الديمقراطيات الليبرالية الحديثة: هل إن توسيع نطاق «العدالة السياسية» — التعددية، الحريات، التداول السلمي للسلطة — نجح فعلًا في إنجاز عدالة اجتماعية مادية؟ التجربة التاريخية والإحصاءات المعاصرة تكشف هشاشة هذا الادعاء.
لقد كبرت تطبيقات العدالة السياسية وتوسعت في الديمقراطيات البرجوازية، لكنها لم تُلغِ آليات إعادة إنتاج التفاوت. فالسوق الحرّ، رغم الحريات السياسية الواسعة، بقي أداةً لتراكم رأس المال بيد الأقلية. أصبح حق التنظيم والتعبير في كثير من الأحيان غطاءً أيديولوجيًا لإعادة إنتاج الامتيازات: تُمنح الجماهير حق التصويت والمشاركة، لكنها لا تمس جوهر البنية الاقتصادية التي تصنع التمايز. ومع الوقت، تتحول هذه «الحرية السياسية» إلى مسرح رمزي لإدارة تفاوتٍ أصبح أكثر رسوخًا.

شواهد التاريخ: بين الاشتراكية والليبرالية

تكفي المقارنة التاريخية لفهم هذه العلاقة العكسية: فقد أظهر الاتحاد السوفياتي — رغم ما شاب تجربته من انحرافات بيروقراطية وقمع سياسي — كيف يمكن لنموذج التخطيط المركزي ومكافحة التمايز الطبقي أن يلغي جذور النزاع السياسي الطبقي التقليدي، على الأقل في مراحله الأولى. ومع استقرار العدالة المادية نسبيًا، توجهت طاقات المجتمع إلى مجالات أخرى: الرياضة، الفنون، البحث العلمي، والتعليم المجاني واسع النطاق.
في المقابل، تكشف الديمقراطيات الغربية أن الانفتاح السياسي — إن لم يقترن بسياسات مادية عادلة — يبقى عاجزًا عن تفكيك الهياكل الطبقية؛ بل قد يسهم في تكريسها بأشكال أكثر مقبولية اجتماعيًا. وهكذا يصبح السؤال: هل تُحرّرنا الديمقراطية الليبرالية فعلًا من التفاوت الطبقي أم تعيد إنتاجه تحت راية الحريات الفردية؟

نحو عدالة متكاملة

إننا بهذا نؤكد أن العلاقة بين العدالة الاجتماعية المادية والسياسية ليست علاقة تكاملٍ حتمي بل هي — في كثير من تجارب التاريخ — علاقة عكسية في جوهرها. فتحقيق المساواة المادية الحقيقية يُحيّد الحاجة إلى الصراع السياسي بوصفه وسيلةً لإعادة التوازن، ويحرر المجتمع كي يُعيد توجيه طاقاته نحو الإبداع الثقافي والمعرفي والجمالي. أما حيث تظل العدالة المادية غائبة، فإن اتساع «العدالة السياسية» يصبح مجرد وهم ديمقراطي، يُخدّر النزاعات بدلًا من أن يحلها من جذورها.
وهكذا، لا يكتمل مشروع العدالة إلا حين يُدمج بين قاعدةٍ ماديةٍ عادلةٍ تضمن الكرامة والاكتفاء للجميع، وبين إدارةٍ ديمقراطيةٍ مركزيةٍ واعيةٍ تعيد تعريف السياسة، لا بوصفها ساحة نزاعٍ دائم، بل بوصفها أفقًا تحرريًا يطلق المجتمع نحو فضاءاتٍ أرقى من الضرورات: فضاءات الفن، والثقافة، والرياضة، والعمل العام الذي لا تحكمه الضرورة بل تحرّكه إرادة الحياة المشتركه



#ليث_الجادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لا جدال في اشتراكية الاتحاد السوفياتي..
- في محاكاة العشرة التوراتية وطقس عاشوراء الشيعي
- مقتل الحسين والتسيس التكتيكي العباسي
- التغيير (( العراقي ))..من الافتراضي الى الممكن..ج3
- التغيير ((العراقي )).. من الأفتراضي الى الممكن ..ج2
- الانتخابات البرلمانيه ..ترتيب اوراق الخراب
- التغيير ((العراقي))..من الافتراضي الى الممكن
- حالة( اسكات النيران ) ..مهله مراجعه النظام الايراني
- الانتصار الكاذب وصناعة الوهم المدفوع
- إيران كقوة كولونيالية ناعمة: الاقتصاد المقاوم بوصفه أداة إخض ...
- حول نضج شروط الانتفاضه الشعبيه الايرانيه..
- كفة ميزان الحرب..بين الاسد الصاعد وبين الوعد الصادق 3
- رقصة على حافة الانفجار: صراع أميركا وإسرائيل في كبح إيران
- الهلال الخصيب المأزوم..بممكنات التأزيم
- رهينة اليورانيوم المخصب..هدنه تكتيكيه وملامح تموضع جديد
- انبعاث مركزية الهلال الخصيب على انقاض الهلال الشيعي
- النانو..قبضة اسرائيل القاتله..لماذا تتم تعمية رصدها
- مديات..تحالف روسيا والصين مع ايران
- إيران بعد تدمير قدراتها النووية: بين الردع المنهار وسيناريو ...
- أنقره تتموضع مبكرا في شرقا اوسطيا جديد


المزيد.....




- أمريكا: مواجهات مستمرة بين المتظاهرين وعناصر إدارة الهجرة في ...
- الاشتراكية الرقمية أو الاندثار: درس فنزويلا وصراع الرأسمالية ...
- الحزب الشيوعي الماركسي اللينيني الفنزويلي يدعو الطبقة العامل ...
- الندوة الدولية للأحزاب والمنظمات الماركسية اللينينية: ندين ا ...
- On Iran: A Retrospective
- Social Strikes: Confronting ICE and Resisting Authoritariani ...
- قطاع المحاماة لحزب التقدم والاشتراكية يقرع ناقوس الخطر حول م ...
- رجل دين إيراني متشدد يطالب بعقوبة الإعدام للمتظاهرين المعتقل ...
- “سجناء الرأي” تدعو لمواصلة الضغوط من أجل مصر بلا سجناء رأي
- سويسرا تستدعي السفير الإيراني للاحتجاج على العنف ضد المتظاهر ...


المزيد.....

- الرأسمالية والاستبداد في فنزويلا مادورو / غابرييل هيتلاند
- فنزويلا، استراتيجية الأمن القومي الأميركية، وأزمة الدولة الم ... / مايكل جون-هوبكنز
- نظريّة و ممارسة التخطيط الماوي : دفاعا عن إشتراكيّة فعّالة و ... / شادي الشماوي
- روزا لوكسمبورغ: حول الحرية والديمقراطية الطبقية / إلين آغرسكوف
- بين قيم اليسار ومنهجية الرأسمالية، مقترحات لتجديد وتوحيد الي ... / رزكار عقراوي
- الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا ... / رياض الشرايطي
- التبادل مظهر إقتصادي يربط الإنتاج بالإستهلاك – الفصل التاسع ... / شادي الشماوي
- الإقتصاد في النفقات مبدأ هام في الإقتصاد الإشتراكيّ – الفصل ... / شادي الشماوي
- الاقتصاد الإشتراكي إقتصاد مخطّط – الفصل السادس من كتاب - الإ ... / شادي الشماوي
- في تطوير الإقتصاد الوطنيّ يجب أن نعوّل على الفلاحة كأساس و ا ... / شادي الشماوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - ليث الجادر - العداله الاجتماعيه..حتم التناقض الثنائي