أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - ليث الجادر - التغيير ((العراقي )).. من الأفتراضي الى الممكن ..ج2














المزيد.....

التغيير ((العراقي )).. من الأفتراضي الى الممكن ..ج2


ليث الجادر

الحوار المتمدن-العدد: 8388 - 2025 / 6 / 29 - 12:31
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


التاريخ، النخب، والمبادرة

التاريخ – شكلاً ومحتوىً – ليس مجرد سردٍ للأحداث، بل هو سلسلة مترابطة من الأحداث والمسبّبات. وما «شكله» الظاهر إلا محصّلة نشاطات مارستها النخب عبر الزمن، بوصفها استجابات متراكمة لانعكاسات النشاط الإنتاجي على الواقع الاجتماعي والسياسي.

إن شكل التاريخ يأخذ بُعدين متداخلين: سردية الزمن، وهي الخيط الذي يصل الأحداث ببعضها في تتابعٍ يحفظ المعنى ويصنع «الاستمرارية»؛ ومفاصل التوقيتات، وهي لحظات التحوّل الكبرى التي تهزّ البُنى القائمة، فتُعيد إنتاجها أو تقطع استمراريتها لتصنع قطيعةً أو قفزةً نوعية.

كل مفصل تاريخي جوهري يسبقه أو يرافقه تغيّرٌ في البنية الإنتاجية: أزمة فائض إنتاج، أو تحوّل في أنماط العمل أو الملكية، أو اكتشاف تقني يفتح تناقضات جديدة. هذه الأزمات تولّد شرطًا موضوعيًا لا يمكن تجاوزه إلا بإعادة ترتيب البُنى الفوقية. وهنا يظهر دور النخب والجماهير في هذا التفاعل الجدلي: تتحرّك النخب بوصفها أداة لترجمة التناقضات الكامنة في الواقع المادي إلى وعيٍ مُنظّم أو مشروعٍ تغييري، بينما الجماهير هي الكتلة الحرجة التي تحمل هذا المشروع وتوفّر الطاقة الاجتماعية لتحويله إلى واقع، وتبقى البُنية الإنتاجية هي الشرط الحاسم الذي يفرز الأزمة ويوجّه مسار التحوّل.

النخب ليست كيانات معزولة، بل هي بُؤَر تتشكّل من تراكمية انعكاس البُنى التحتية صعودًا إلى أقصاها داخل البُنى الفوقية. وعلى مدى شدّة هذا الصعود وامتداده، تتخلّق بنية النخبة: فقد تكون فكرية تنظّر وتعيد صياغة الرؤية للعالم، أو ثقافية تعبّر وتؤدلج وتخلق الهوية الرمزية، أو سياسية تنظّم الفعل وتحوّله إلى سلطة. وكلما ازدادت التناقضات عمقًا، ازداد الضغط لإنتاج نخبةٍ أكثر قدرةً على التنظيم والفعل. أمّا إذا انقطعت النخبة عن أصلها التحتي، تحوّلت إلى نخبة طفيلية أو بيروقراطية، تفقد مبرّر وجودها وتصبح حارسًا لتوازنٍ لم يعد قائمًا.

ومع ذلك، فإن اكتمال سيرورة النخبة لا يتحقّق بمجرد تراكم التناقضات أو نضوج الوعي، بل يحتاج إلى المبادرة بوصفها الفعل المحوري الذي يحرّك الإمكانات الكامنة. فالمبادرة تعني أن يتقدّم فردٌ أو جماعةٌ صغيرة من قلب النخبة صوب التنظيم العملي، فيعيد تجميع الكتلة المبعثرة اجتماعيًا في إطارٍ منظّمٍ وفاعل. وبدون هذه المبادرة يبقى التراكم الفكري أو الرمزي معلقًا وقد ينحلّ أو يُحتوى أو يتحوّل إلى زينةٍ بلا أثر.

تجربة نيلسون مانديلا مثالٌ حيّ لتكامل هذه العناصر. جنوب أفريقيا في القرن العشرين كانت نموذجًا صارخًا لاقتصاد رأسمالي–استيطاني قائم على التمييز العنصري والاستغلال الطبقي. خلق نظام الأبارتهايد تناقضًا اجتماعيًا عنيفًا: بنية إنتاجية زراعية–معدنية تحتاج اليد العاملة السوداء الرخيصة، لكنها تحرم الأغلبية من أي حقوق سياسية أو إنسانية.

من داخل هذا الواقع تولّدت نخبٌ فكرية وسياسية وثقافية: المؤتمر الوطني الأفريقي، مثقفون ومفكرون، شخصيات قانونية وأكاديمية. جسّد مانديلا مع رفاقه نخبةً ربطت التحليل السياسي ببناء تنظيم جماهيري، قادرٍ على تجاوز حدود الاحتجاج الأخلاقي إلى الفعل المنظّم.

كان ملايين السود والعاملين والكادحين هم الكتلة الحرجة التي حملت هذا المشروع. من دونهم لبقيت أفكار التحرّر دعوةً أخلاقية معزولة. وفي لحظات الحسم، تحوّلت المبادرة إلى نضال طويل: الإضرابات، العصيان المدني، الكفاح المسلّح في بعض مراحله، ثم المفاوضات التاريخية. هكذا جاء المفصل التاريخي: انهيار الأبارتهايد وإعادة إنتاج بنية السلطة لتستوعب الأغلبية المُهمشة، فصارت تجربة مانديلا رمزًا عالميًا لقدرة المبادرة على تحويل التراكم إلى لحظةٍ مفصلية تُعيد كتابة السردية.

إن التاريخ، في جوهره، ليس مجرّد حشدٍ من الوقائع، بل سيرورة جدلية يتداخل فيها التناقض المادي مع وعي النخب وحركة الجماهير، وتُحسم لحظاته الفاصلة بفعل المبادرة التي تحوّل التراكم إلى تحوّلٍ فعلي. لقد أظهرت تجربة مانديلا كيف تتفاعل أزمةٌ في البنية الإنتاجية مع نخبةٍ واعيةٍ قادرةٍ على التنظيم، وجماهيرٍ تحمل طاقة التغيير، لتأتي المبادرة فتربط الإمكان بالفعل وتصنع المفصل التاريخي الذي يعيد تشكيل سردية الزمن كلها. وفي العراق اليوم، يختزن الواقع كل عناصر هذه السيرورة: بنية إنتاجية مأزومة، نخبٌ متفرّقة بين فكرٍ معزول أو سياسةٍ مستهلكة، وجماهير مكدّسة تحت ركام الأزمات من دون إطارٍ جامع. إن اكتمال هذا التناقض لا يكفي وحده، بل يظلّ معطّلًا ما لم يولّد مبادرة حقيقية تنظّم الكتلة المبعثرة وتفتح أفق القطيعة مع البُنى الميتة. وبهذا، فإن أي مشروع يقرأ حركة التاريخ من جديد سيبقى رهينًا لجرأة من يلتقط لحظة التحوّل ويصوغها تنظيمًا فعّالًا، فتاريخ العراق القادم، مثل كل تاريخ، لن يُكتب إلا بيد من يفهم أن التغيير لا يُستعار ولا يُؤجَّل ولا يُروى كحكايةٍ بعيدة، بل يُنتَزَع من قلب الأزمة، ليكون سرديةً حيّةً لا تزّين الماضي بل تخلق حاضر افضل



#ليث_الجادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الانتخابات البرلمانيه ..ترتيب اوراق الخراب
- التغيير ((العراقي))..من الافتراضي الى الممكن
- حالة( اسكات النيران ) ..مهله مراجعه النظام الايراني
- الانتصار الكاذب وصناعة الوهم المدفوع
- إيران كقوة كولونيالية ناعمة: الاقتصاد المقاوم بوصفه أداة إخض ...
- حول نضج شروط الانتفاضه الشعبيه الايرانيه..
- كفة ميزان الحرب..بين الاسد الصاعد وبين الوعد الصادق 3
- رقصة على حافة الانفجار: صراع أميركا وإسرائيل في كبح إيران
- الهلال الخصيب المأزوم..بممكنات التأزيم
- رهينة اليورانيوم المخصب..هدنه تكتيكيه وملامح تموضع جديد
- انبعاث مركزية الهلال الخصيب على انقاض الهلال الشيعي
- النانو..قبضة اسرائيل القاتله..لماذا تتم تعمية رصدها
- مديات..تحالف روسيا والصين مع ايران
- إيران بعد تدمير قدراتها النووية: بين الردع المنهار وسيناريو ...
- أنقره تتموضع مبكرا في شرقا اوسطيا جديد
- ساعة الصفر..ممكن ان توجه ايران ضربه نوويه لأسرائيل
- 48 ساعه فرصه محور (المقاومه)..لتكتيك ميداني محوري
- عمال التصاريح..ورغيف الحزن المخبوز بوجع الكرامه
- انعكاسات المواجهة الاسرائيليه-الايرانيه على واقع الطبقه العا ...
- هل يتجرّع خامنئي كأس السم كما تجرّعه الخميني؟


المزيد.....




- الحكومة الكوبية تعلن مقتل 32 من مواطنيها خلال الاعتداء الأم ...
- مشروع برلماني يستهدف تعديل قانون طرد المستأجرين
- ترامب يهدد إيران بـ-ضربة قوية جدا- إذا تكرر قتل المتظاهرين ف ...
- العمل الإرهابي للنظام الأمريكي في فنزويلا جريمة بشعة وترعيب ...
- إيران تحترق: العصيان يعود إلى الشوارع
- في الذكرى 40 لتأسيس حزب العمال: عهد لا ينكسر
- مجموعة يسارية متطرفة تعلن مسؤوليتها عن تخريب في شبكة كهرباء ...
- م.م.ن.ص// -عصر الافتراسية-، الى اين؟
- “We’re Going to Run the Country:” Preparing an Illegal Occup ...
- In The Beginning Is Joy And Hope


المزيد.....

- نظريّة و ممارسة التخطيط الماوي : دفاعا عن إشتراكيّة فعّالة و ... / شادي الشماوي
- روزا لوكسمبورغ: حول الحرية والديمقراطية الطبقية / إلين آغرسكوف
- بين قيم اليسار ومنهجية الرأسمالية، مقترحات لتجديد وتوحيد الي ... / رزكار عقراوي
- الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا ... / رياض الشرايطي
- التبادل مظهر إقتصادي يربط الإنتاج بالإستهلاك – الفصل التاسع ... / شادي الشماوي
- الإقتصاد في النفقات مبدأ هام في الإقتصاد الإشتراكيّ – الفصل ... / شادي الشماوي
- الاقتصاد الإشتراكي إقتصاد مخطّط – الفصل السادس من كتاب - الإ ... / شادي الشماوي
- في تطوير الإقتصاد الوطنيّ يجب أن نعوّل على الفلاحة كأساس و ا ... / شادي الشماوي
- كراسات شيوعية (المادية التاريخية والفنون) [Manual no: 64] جو ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كراسات شيوعية(ماركس، كينز، هايك وأزمة الرأسمالية) [Manual no ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - ليث الجادر - التغيير ((العراقي )).. من الأفتراضي الى الممكن ..ج2