أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عباس علي العلي - الدينية البرغماتية














المزيد.....

الدينية البرغماتية


عباس علي العلي
(Abbas Ali Al Ali)


الحوار المتمدن-العدد: 7196 - 2022 / 3 / 20 - 09:30
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في عام 1848 انتصرت الثورة البرجوازية في سائر انحاء أوربا وهنا حدث تحول خطير في مواقف الطبقة البرجوازية فانتقلت من تبني الفلسفة المادية عامة أو لنقل بدقة الموقف المادي التقدمي, حيث لم تكن الفلسفة المادية إلى حينه قد اتخذت شكلها العلمي بعد إلى تبني الموقف المثالي الميال للمحافظة واستلهام الدين دفاعاً عن ما حققته من مكاسب، فإذا كان الدين يوظف برغماتياً (مصلحياً) في خدمة الطبقة المستفيدة من النظام القائم فمن الطبيعي أن البرجوازية قبل اتمامها لانتصارها على الأرستقراطية كانت في حالة عداء مع المؤسسة الدينية لكونها متحالفة مع الأرستقراطية الإقطاعية.
لكن بما أن البرجوازية أتمت انتصارها على الأرستقراطية الإقطاعية بدا لها وهذا منطقي التحالف مع تلك المؤسسة الدينية لتدعم مكاسبها وتحافظ عليها، لقد بدا وكأن ذاك أن اليمين الهيغلي متحالف كلياً مع البرجوازية والأكلريوس الديني الأمر الذي لفت نظر اليساريين الهيغليين الشباب إلى أهمية فيورباخ هنا، هذا اليسار الهيغلي ادرك مبكراً التحول المحافظ للبرجوازية ومقاومتها للنزعة التقدمية التي تميزوا بها.
بدت المشكلة واضحة فإن كل من يقاوم التقدم التاريخي هو المستفيد من الوضع القائم وهو أيضا حليف للمؤسسة الدينية التي توظف المعتقدات الدينية خدمة لمصالحه وحفاظاً على النظام القائم، لقد اتضحت لماركس مسألة أن الدين ليس هو المحرك بل الطبقة والصراع الطبقي والدليل أن هذه المؤسسة الدينية هي نفسها التي كانت بالأمس حليف للأرستقراطية الإقطاعية وها هي اليوم حليف للبرجوازية المنتصرة.
لم يفرق ماركس بين حقيقتين وهما أن الدين الذي ترعاه المؤسسة البرغماتية ليس هو الدين الحقيقي لأن الدين الحقيقي لا يتماشى مع الأهواء والرغبات الإنسانية بالقدر الذي يستحكم إلى قواعد إيمانية يمكن عدها من الثابت اللا متحول ,فمعيارية الحق والباطل والخير والشر والحب والكره مثلا في القواعد الدينية لا بد أن تكون واحدة وثابة ومجردة فلا يمكن أن نتصور ان الموضوع الفلاني له خيرية ما يمكن أن تتحول بتبدل الظروف, ولكن يمكن تصور تغير الموضوع ذاته فينتج بالتالي تغير في النتائج.
فتبدل التحالفات عند المؤسسة الدينية الأوربية مردها البرغماتية المادية ذاتها التي تدفع رجال الكنيسة أن يتحالفوا مع الشيطان ضد عيسى عليه السلام وهو نفس الهاجس الفكري الذي دفع يهوذا الأسخريوطي ليبيع عيسى لأعدائه ونفس الدافع الذي جعل البغي من بني إسرائيل أن تبيع يحيى عليه السلام ,فهم أي رجال الكنيسة لا مانع لديهم من أن يبيعوا الله حتى مقابل دراهم.
هذا منطق الإسرائيليين حيث يرون الذهب يرون وجودهم حتى لو كان الذهب هذا هو الشيطان{وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ}البقرة51,هذا العجل كان يمثل نتاج التحريف المادي للوقائع التأريخية بتزوير المؤديات الدينية{قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ{87}فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ{88}أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً{89}وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي{90}قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى{91}سورة طه, فالبرغماتية ليست صفة طارئة ينتقدها ماركس ويبرر أنحيازه للمادية التأريخية بها.
النقطة الثانية هي ذاتية ماركس اليهودية التي لا ترى للدين قيمة ما لم يكن له مردود مادي فهو يفسر الحدث سواء أكان وحيا أو سلوكا عاديا على أسه المادي المرتبط ليس بعقيدته بل بالملة المحرفة الزائفة ملة بني إسرائيل ,إلا ان علة فيورباخ عند ماركس أنه انتقل أيضاً إلى إنسان متجرد ،إنه يدرس الإنسان كما لو كان وحدة معزولة تحركها أناها المادية فقط، انسان فويرباخ إذن ،هو شيء، وليس علاقة اجتماعية ,هو موضوع للتأمل والحدس ،وليس ذاتاً فاعلة ،ونشاطاً انسانياً ملموساً، أي ممارسة اجتماعية, التقط ماركس وانجلز الفكرة الفيورباخية هذه ،لكن لم يتناسوا نقطة التفوق الهيغلية ذلك أن الهيغلية تمتلك نظرة متماسكة للتاريخ إنها نظرية تضع الإنسان في مخطط للتطور التاريخي في سلسلة مترابطة من التطور الجدلي ،بينما مادية فيورباخ هي مادية ذاتية تعزل الإنسان ولا تقدم تصوراً لمسألة التطور التاريخي للوجود الإنساني.
من هذه النقطة انطلق ماركس وانجلز إلى العمل الهام الذي أنجزاه وهو إعادة هرم الجدل للوقوف على قاعدته لا على رأسه ،هذا هو جوهر عمل ماركس وانجلز, انطلقاً من ما أدركاه سواء من نقد فيورباخ لهيغل أو من خلال رؤيتهما للمحرك المادي الاجتماعي الاقتصادي الحقيقي للتطور, وهذا هو ملخصه في عبارة ماركس الشهيرة((ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم الاجتماعي ،بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم )) متناسيا أن الوجود الأجتماعي ما كان ليكون لولا الوعي الإنساني, فلكي يبني الإنسان مجتمعا تسوده علاقة وجوديه لا بد أن يكون الإنسان واعي أصلا لوجوده الذاتي ولماهيته, فلا يمكن أن يقيم واقعا أجتماعيا مع الحيوان مثلا ولا مع الأسماك في البحر مثلا لأنه يعي أصلا أن الماهيات المختلفة لا تكون مجتمعا منتظم, فلا بد من الوعي الماهوي لوجود الوجود الأجتماعي, وهذا مأزق كل الماديات على مر التأريخ.



#عباس_علي_العلي (هاشتاغ)       Abbas_Ali_Al_Ali#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المثالية الإسلامية وأثرها على الفلسفة والفكر الغربي
- دور الفلسفة في التفريق العنصري بين الوجود الإنساني والماهية ...
- نداء - الدين لله- وعصر الكونالية
- بعض من تاريخ المادية
- التعصب الحضاري في مواجهة الكونالية
- الكونالية وعالم متعدد الأقطاب
- الحرب والسلام ... مقاربة تضاد أم مقاربة وجود
- السياسة من منظور فعل القوة
- الكونالية وما بعد العولمة
- تناقضات الكونالية والعولمة
- العولمة والكونالية
- هل يمكن التجرد من الهوية الكونية
- أنا والآخر من منظور كوني
- الإنسان الكوني هوية أم وجود؟
- صراع الفسلفة ومبدأ الحرية
- وعي الحرية وحرية الوعي معادلة غير منصفة بين الشرق والغرب
- حلم الإنسان الأول
- الكونية وحاجة الإنسان للعودة لنقطة الإنطلاق الأولى
- هل يمكن التوافق بين الفكر الديني ومبدأ الديمقراطية التعددية
- حق الإنسان في الحرية والديمقراطية من منظور ديني حقيقي


المزيد.....




- شاهد ما رصدته طائرة عندما حلقت فوق أكبر بركان نشط في العالم ...
- اليوم العالمي لمكافحة الإيدز: -رغم سنوات من الوقاية، لا يزال ...
- ميقاتي: نطالب بالتعاون لإنهاء أزمة النزوح السوري ولا يجوز أن ...
- تركيا.. كشف حقيقة ضرب طبيب تركي على يد لاجئ سوري في إزمير
- شاهد: السودانيون الراستا يخوضون معركة للدفاع عن نمط حياتهم
- تندر: كيف يستغل المجرمون تطبيقات المواعدة للإيقاع بالأثرياء؟ ...
- الكشف عن رسائل مفخخة استهدفت رئيس الوزراء وعدد من المنشآت ال ...
- دزن تعليق: مقتل شخصين وفقدان العشرات بعد انهيار أرضي وسط طري ...
- -أزمة أوكرانيا-.. حديث عن شرطين لتحقيق السلام
- استبدال كادر مكتب جهاز المخابرات في مطار بغداد


المزيد.....

- وجهات نظر في نظريات علم الاجتماع المعاصر (دراسة تحليلية - نق ... / حسام الدين فياض
- درس في الإلحاد 3 - الوجود ووهم المُوجد / سامى لبيب
- المادة : الفلسفة النشاط : الدرس النظري لإشكالية الأولى : / حبطيش وعلي
- علم الكلام وثلاثية النص والواقع والعقل / نادر عمر عبد العزيز حسن
- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله
- الفئات الفقيرة الهشة بين استراتيجيات البقاء ومجتمع المخاطرة ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عباس علي العلي - الدينية البرغماتية