أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عباس علي العلي - حلم الإنسان الأول















المزيد.....


حلم الإنسان الأول


عباس علي العلي
(Abbas Ali Al Ali)


الحوار المتمدن-العدد: 7181 - 2022 / 3 / 5 - 12:59
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


كان حلم الإنسان الأول ودوما هو العودة إلى الجنة مما يعني لديه العودة للذات الأولى، الذات التي يعي حدودها الإنسان من خلال النظر دوما إلى السماء وأنتظار الساعة التي يعود فيها إلى دار هجرته الأولى، باحثا عن ما يبرر وجوده في الأرض ولماذا؟ وما الطريق الذي يجعل من الأرض جنة عوض تلك التي فقدها أباه الأول عندما تخلى عن وعيه عن ذاكرته؟ يفتقد الأشياء التي تجعل منه إنسان كوني ينتمي للوجود والوجود ينتمي إليه، طبعا هنا المقصود الوجود الكوني في حدود الأرض والسماء التي يعرفها وليس تلك التي يجهل حدودها ويجهل كيفية قياسها وكيف يقيس ما يجهل.
إن الأبدي أو اللا زمني عند الإنسان المفكر الإنسان الذي يصنع الوعي هو الآن، والآن لا يمكن أن يفهمه إنسان واقع في شباك الزمن ضائع بين أبعاده، يريد أن يعبر إلى المستقبل والمستقبل لديه كائن مجهول لأنه ليس في حدود سلطته، فمرة يعيد السلطة للسماء ومرها يرجعها لحركة الزمن، إن تحرير الفكر من الزمن يتطلب العمل الواعي وإستحضار الذاكرة الزمنية، لكن العقل بحاجة إلى محفزات وبحاجة للذاكرة وبحاجة لبرمجة تربط الذاكرة والحافز بالزمن، وهذا لا يمكن رسمه إلا عندما يستوعب العقل سيرورة الاستمرارية التي هي الذاكرة، ليس الذاكرة الحَدَثية فقط وإنما النفسانية أيضا، فمادامت الذاكرة تعمل ليس بوسع العقل أن يفهم ما هو موجود إلا من خلال ربط الوعي بالزمن، لكن عقل الإنسان وكيانه كلَّه يصير خارق في الإبداع، سلبي في التنبُّه عندما يفهم مغزى الإنهاء، لأنه بالإنهاء ثمة تجدد بينما في الاستمرارية هناك الموت التحلل، عندما نربط السيرورة بشكل مضطرد وباتجاه واحد دون أن نعي أن هناك وجه أخر يشكل القطب الثاني من الكون، القطب الثاني من المغناطسية الكونية التي تريد التحرك والإنفعال.
إذن الإنسان مشتت بين التمسك بحلم العودة أو العبور والتجاوز نحو المستقبل الذي يصنع من الأرض جنته الضائعة، هذا السعي هو في الحقيقية محاولة منه لعكس تصوره عن الجنة على واقعه الكوني، ولذلك لا يمكنه التخلص من هذه الثنائية ما لم يحقق حلمه بالكامل هذا الحلم الذي ترسخ بالأنا الواعية التي تفكر دوما كيف يمكن أن يترجم الحلم إلى واقع لكي يسعد به، إنها المثالية المطلقة وهو الجانب الأخر من الأنا الطبيعية مقابل ما هو مادي يمثل بسعيه لتأمين حاجة الوجود الآني الذي يضمن له إمكانية الأستمرار بالإيمان بالحلم.
يمثل جانب الحلم جانب الحب جانب الخير جانب التعلق بالله الجانب الميتافيزيقي، فإذا كان ثمة محبة كامنة ستسعى للخير والنور والتسامح، وستعرف ما هو الله ولا حاجة لك إلى سواك ليخبرك به، إنه الأبدية اللا زمنية نفسها إنها الخلود بالحب، وعند غياب المحبة نريد أنا أخرى لنفرغ بها شحنة الكراهية شحنة الرفض شحنة الجهل، لو كنا نحب حقاً هل تعرفون أي عالم مختلف كان يمكن لهذا العالم أن يكون؟ ينبغي أن نكون فيه حقاً أناساً كونيين بمعنى أن تتطابق فيه الأنا الطبيعية مع واقع يجسد لنا سعادتنا في الأشياء، في الناس، في المثل، ينبغي أن نكون سعداء حقاً وبالتالي لا ينبغي للأشياء وللناس وللمثل اللا طبيعية والمتجردة من البديهيات أن تسيطر على حياتنا، إنها كلها أشياء زائفة لا تنتمي لنا ولأننا لا نحب ولأننا لسنا سعداء نستثمر في الأشياء اللا حقيقية للتعويض وللثأر من الأخر ومعتقدين أنها ستمنحنا السعادة وإحدى الأشياء التي تمنع من أن نستثمر فيها هي الله هو الجانب الميتافيزيقي من الأنا.
وحده الإيمان بالجانب الروحي الموافق والمتسق مع الجانب المادي والذي يسير بتوازن مبني على السعي نحو الكونية التناظرية هو القادر على إعادة التوازن للأنا والأخر، لأن هذا العامل وحده الذي يفرض شروط التعايش بينهما دون تضاد ودون تزاحم مهلك، على عكس تلك الدعوات والرؤى والفلسفات القاصرة عن إدراك الجوهر الإنساني الذي يربط بين كل نفس بشريّة وأخرى بخلاف ما يبني الدين هيكلية الذات، وهي ما دلّت عليه حكمة الدين في نفخ الروح الإلهية بالكائن الأول آدم، هذه الروح المقدّسة تسري في كل منا، وهي نفس الروح ومن نفس المصدر الإلهي، ولولا هذه النفخة ما كان يمكن أن نؤمن بأحادية الأنا كحقيقة مطلقة، لأن إيماننا أسسا قائم على إزدواجية المادة (الطين) مع الروح (النفخة) ولا دليل لدينا مقبول عقلا ومنطقا إلا وتدل على وحدة العناصر والمصادر الكونية للإنسان وللبناء العضوي له مادّة وروحاً ونظم وآليّات وراثيّة لبناء الشخصية والنمو النفسي، وهي التي تشكل مشترك جوهري واحد لتشابه الوجود الإنساني دون النظر كونه مختلف بيئيا أو شكليا أو من زوايا الخصائص الملحقة الأخرى أنه إنسان كوني فعلا ولكن بأنا وأخر.
هذا الجانب الفاعل الذي يكبح جنوح الأنا المدمرة المتزاحمة مع الأخر من أن تبسط قدرها وقوتها لم يكن في الحقيقية إلا حلا كونيا من حلول ترجمة أن يكون الكون إنسانيا، ويكون في ظل هذا الوضع أن يكون الإنسان كونيا أيضا، إن الفهم الخاطئ لحقيقة الجوهر الإنساني للأنا الجوهرية والذي ظهر في مفهوم الأنا والآخر المتزاحمان والذي يبنى على مقولة العبد والسيد كانت خلاصة ما لتسوية ما دمويّة بوقائعها بين الجماعات المتناحرة، أبتعدت عن التناظر والمثلية وأمنت بالتناحر والأستعباد متكئة على حسها الحيواني في النفس الثانية وتأثيراتها اللا واعية على الأنا، وقد أدى التعلق الشديد بمبدأ المزاحمة والأعتداء على الأخر من خلال تقديم حرية الأنا على حرية الأخر التسبب في إعطاء الطابع الفلسفي والحضاري وتبريره للحملات الصليبية مثلا، وغيرها من الحملات الغربية والشمالية والتي أدت إلى إبادة شعوب مسالمة وحضارات أصيلة، كما شاهدنا كيف تم تبرير تدمير وجود وحضارة وكيان ثقافي يمثله الهنود الحمر في الأمريكيتين والشعوب الأصلية في أستراليا.
ولم يُعطَ هذا المفهوم معنى ذات طابع إيجابي إلا في الفلسفة الشرقية والجنوبية، تلك الفلسفة التي تجعل من تجاوز الأخر على الأنا الشرقية عامل أستعادة للوعي وأستعادة للتوازن المفقود بينها وبين طبيعتها الأول، فيقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي في حوار سابق معه عن نظرة المجتمع الشرقي ويأخذ مثالا عنه المجتمع الفيتنامي (فقد استمر هذا المجتمع طوال نصف قرن يقاوم الاستعمار الفرنسي ثم الاميركي، وتعرض للتدمير والابادة، ثم تحررت فيتنام وانتهت المقاومة، ووجد المجتمع الفيتنامي نفسه خارج منطقة الحرب، فانشغل بإعادة البناء والتنمية، ولم ينشغل بإعادة انتاج الكراهية للمجتمعات الغربية، والعلم والمنجز التكنولوجي الحديث، مقاومتهم وقتالهم لم تكن منبعاً لكراهية المجتمعات الغربية، وانما وجد نفسه بكل سهولة يمكن ان يتعاطى مع العلم الغربي والمجتمعات الغربية، من دون عقدة، أو مشكلة، واستمرت حياته بشكل طبيعي (، لكن بالمقابل نرى العناصر الدافعة في المجتمع الأمريكي بعد أحداث 11 أيلول أنتج مزاج كراهية لا محدودة للآخر، لم تتوقف عن تبرير قتل الملاين وتدمير مجتمعات كامله لا لشيء إلا لإحساسها بالخطر من المزاحمة من عدم تقيد الأنا بمفهوم الحب الذي أرساه الدين أي ما صنعه الله، إنه أستثمار لا أخلاقي لواقع الكراهية.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية كانت هناك فرصة تأريخية مهمة عندها يتوقف الأستعباد والمتاجرة بالرقيق خلال عهود وأستغلال الأخر بالأستعمار بكافة جوانبه، لما سببت تلك الكراهية من مأسي وويلات على شعوب تحركها فكرة المنازعة والمزاحمة، فكرة أن أكون أو لا تكون أنت فكرة قادها رجال يؤمنون أصلا بالدين ويتغنون بأن الله هو الذي أيدهم ونتذكر مقولة هتلر الشهيرة (لابد أن أشكر الله الذي ألهمني قيادة ألمانيا)، هذا الدين الذي لا يتورع أن يقتل الألاف من الناس بتبرير واهي أنهم يزاحمونني، هكذا بنت الأنا الغربية صراعها مع نفسها وقادت العالم للكراهية، وهي أنا متشابه فكيف يكون تصرفها مع الأنا الأخرى التي تناظرها في نفس الفهم.
لقد أيقظت نتائج الحرب العالمية الثانية الضمير الإنساني بدافع أخلاقي وديني ومثالي نظرا لضخامة الجرائم التي حدثت في حق الإنسان والكون الأرضي، فظهر مفهوم التعاون الدولي لحل الأزمات وتجلى مفهوم القطبية الثنائية الشرقية الغربية، وكان معولا أن يسعى جادا لأن يكون حلا كونيا مثاليا، لكن روح الحقد والكراهية لم تلبث أن نمت بوجه جديد أكثر عمقا وأشد أثرا وهو مفهوم الحرب الباردة التي بنيت قواعدها على مفهوم توازن الرعب توازن الحرية والذاتية لكلا الطرفين، بل وحتى هذا المفهوم لم يوقف الحروب ولم ينجح حتى هذه اللحظة في تداركها أيضا.
إن الغرب في هذا المفهوم يقول الشيء ويفعل عكسه ،فهو من جانب يقر بالأنا وبالآخر ويدعو إلى علاقة إيجابية بينهما، ولكنه لن ولم يتخلى عن مفهومها المتأصل مفهوم المزاحمة والتضاد والرغبة في حريته هو لا حرية الأخر، فكيف يتم له أن يفعل ذلك والحوافز والدوافع لم تتبدل، لم يجعل من حقيقة كون الدين يعني الحب يعني التناظر والتماثل وهو لا يؤمن بذلك؟ إن الأنانية الفردية والأطماع موجودة في كل وكل شخص أناني ما لم تقومه وتضبط فاعليته معيارية ومرجعية تضع حدود للأنا، هذه المعيارية لم ينجح بها سوى الدين رمز الحلم بالسعادة والحرية الكونية (الجنة والنار)، ذلك المتيقظ الكامن في النفوس على النحو الذي لا يمكن تجاوزه حتى عند أشد الناس إلحادا به .
فكيف يمكن أن تتصالح الأنانيات دون أن يكون هناك ما يمكن أن يجمعها على نحو نسقي، هذا النسق يجب أن يحظى بقبول كلي وله امتداد متصل بحلم العودة للجنة؟ وكيف يمكن أن يتخلى شخص عن مصالحه الفرديّة لمصلحة غيره بمعنى تخليه عن مصالح لم يتبناها في البناء الأول للأنا ولكن شرعتها الأنا الطامحة والمنطلقة بحريتها عبر فضاء حرية الأخر، وهو يؤمن أن الآخر هو آخر سواه ولا يمت له بأية صلة مثلية؟.
إن التخلي عن الروح والجانب الميتافيزيقي بالرغم من المناداة بالحرية وحقوق الأنسان والعدل الكوني، ذلك لا يمنع من أن تحتفظ الدول التي ترفع هذا الشعار بأقوى الأسلحة المدمرة والفتاكة، ولأن في تطبيق هذا الشعار هل فعلا نحتاج لكل هذه الأسلحة لحمايته وتطبيقه كما تعتقد وكما تفرضها مفاهيم الأنا لديها، وهذا ما حصل فعلاً عندما أنتجت الفلسفة الغربية مفهوم الآخر المزاحم الذي لا بد أن تتغلب عليه الأنا لأن الأنا عند الفلسفة الغربية جوهر يبحث عن النجاة من الأخر النجاة، من الشك بالأخر وردة فعله فظهر مفهوم لم تعرفه الإنسانية من قبل أنه مفهوم الحروب الأستباقية عكس الفهم الشرقي المتمثل مثلا بقول الإمام علي (لا تجب العقوبة قبل حدوث الجرم).
لقد سعت الأنا الأوروبية من خلاله للإستيلاء على فضاء حرية الأخر وشن الحروب عليه، وهذه الحروب لم تنته إلى هذه اللحظة بل تأخذ أوجه اخرى غير عسكريه أحيانا وحسب موضوع التنازع أصلا، وهنا نستذكر مقولة وزيرة الخارجية الامريكية الأسبق أولبرايت عندما سئلت هل يستحق الهدف المعلن من تحجيم النظام العراقي أن يقتل مليون شخص في العراق، أجابت نعم يستحق ذلك، فلأجل هدف يمكن أن يكون ضحيته مليون إنسان في ظل عالم العولمة وفقدان الإنسانية الكونية.
وبالرغم من ذلك فإن الإنسان المعاصر في العالم بأسره اليوم لازال يحلم ويحتفظ بهذا الحلم ويجسده من خلال التأثر بالفرح وبالحزن على الآخر، ومن خلال التعاطف والتضامن الأممي وخاصة في أوقات النكبات والكوارث، هذا التشارك الحقيقي في الإنسانية الكونية لم تنتبه إليه الرؤية الغربية لحقيقة التواصل الإنساني بين مختلف أحتمالات صور الأنا عند الإنسان، وبالطبع فإن ذلك كان بسبب استبعاد الثقافة الدينية والروحية من الفكر الذي قام بصياغة الرؤية الفلسفية التي عبّرت عن البنية السياسية والأقتصادية الاستعمارية.
هذا الحلم ليس شرقيا بحتا بل هو أيضا منتج فكري أوربي بدأ مع ويلبر الذي ألف كتاب عودة الوعي والذي جمع كل نظريته في مقولة واحدة هي الحلم الواعي أو كما يقول (هنا يوضح ويلبر أن علم النفس الغربي الذي ركز على بناء (أنا) تتمتع بالصحة كان مخطئا ومصيبا في آن، تماما كما علم النفس الشرقي الذي ركز على تنوير وعلو وفناء الأنا، إلا أن الوعي الذي وضع ويلبر طيفه وحزمه وحالاته يتسع ليشتمل على كل ما سبق أما الحزمة الأكثر إثارة في طيف الوعي الويلبري فهي تلك التي أطلق عليها المنطقة العبر شخصية (Transpersonal zone) تلك الظلال الواقعة بين الوجودية والتنويرية حيث تحدث كل الظواهر الخارقة الإدراك الحسي الفائق أو فوق الحسي (Extrasensory perception ESP) وخروج الروح من الجسد (Out-Of-Body Experiences) وعالم الأحلام) .
هذا الاكتشاف جاء نتيجة تيقظ حقيقي ومستجيب لما يمكن أن نشخصه في أزمة العولمة الأخلاقية وضرورة العودة إلى الذات الأولى وعودة للمفاهيم المثالية التي هجرها الفكر الغربي تحت تأثير سيادة الأتجاه المادي الصارم، وما فرضته قيم مثل التقنية والحداثة وما بعد الحداثة ومن ثم تشكل العولمة كإطار أختصر رحلة الإنسان ووعيه برحلة المكان عبر الزمن، وليس رحلته هو عبر المكان والزمان (لم يكتشف ويلبر أيا من هذه النظريات وكل ما فعله هو انه حشرها ضمن طيفه الواسع لان العقل الكوني ـ يقول ويلبر ـ يتسع لكل هذا ليس من الغريب إذا ـ كما يقول مارك كينغ ـ أن يكون ويلبر معجبا بأرسطو أو أن تكون عبارة (كل شيء) ضمن عناوين كتبه الأخيرة (تاريخ مختصر عن كل شيء، 1996) و(زواج العقل والروح 1998) و(نظرية في كل شيء، 2000)، وعلى الرغم من أن لب نظريات وأفكار ويلبر هو التكامل الذي يتخطى مجال علم النفس العبر شخصي، إلا أننا يمكن أن نمنحه بسهولة ـ والكلام مرة أخرى لكنغ ـ لقبا ثالثا هو ما بعد العلماني، بل أن كينغ يرى في أعماله معالم بارزة في حقبة ما بعد العلمانية وربما واحدة من القوى الرئيسية التي ساهمت في الانتقال من العلمانية إلى ما بعد العلمانية) .
هذا التحول عبر مفهوم الأنا والزمن ومفهوم الوعي وتبدل قواعد الإدراك التي أرستها الحداثة والبنيوية الفكرية وكل النظريات التي قامت على أنقاضها، أعطت لهذا التحول معنى محدد هو شروق عالم جديد عالم الإنسان الذي يتكامل مع الكون الذي لا بد أن يكون مسايرا للهدف الأول، هدف الإصلاح والتكامل بين الإنسان وكونه وبين الإنسان والإنسان والروح مع الجسد المادية مع المثالية ليس بأعتبارها فرضية فكرية بحاجة إلى برهان، بل من خلال نتائج التجارب السابقة، إنها البرهان الذي يرسي نتائج قبل أن تفرض على صعيد الفكر، أنه تبدل أيضا بمفاهيم العلم الحسي قبل التعقلي والأستنتاج.
لم ينشأ الحلم من فكر روحي استحكم بمقدماته ورؤاه على فرض صوغ النظرية، ولكننا نلمس أساسياته أيضا من جذور إلحادية أصلا أكتشف وعيها من خلال الأحتكام لقوانين صاغتها الحداثة وما بعدها، فهي وليدة فكر مادي أصلا شهدت تحولات جذرية لا يمكن للفرد المفكر الوجودي أن ينكرها، ولو فعل فيكون بذلك خائنا للعدالة الفكرية وللفكر الذي يتمترس خلفها وبضلاله (احتل علم النفس العبر شخصي مكانة بارزة في فكر ومواقف ما بعد العلمانية، لقد تميز علم النفس منذ نشأته في عصر الحداثة بارتكازه العميق على مجموعة من الافتراضات العلمانية، ولكنه يبدو اليوم وقد عبر الرحلة الشاقة من العلمانية إلى الروحانية إن هذه الرحلة الطويلة لعلم النفس من المادية إلى الروحانية اختصرها عالمان كبيران في سُني حياتهما، ستانيسلاف غروف وأبراهام ماسلو، بدأ كلا العالمين من أسس إلحادية ولكن في سياق التزامها المهني بعلم النفس العلمي المعاصر، تقبلا في النهاية الروحانية بوصفها عنصرا أساسيا من الحياة الداخلية. (
هذا التحول ليس إلا تعبيرا عن وعي متجدد للمواضيع والمشكلات ينطلق من أن وظيفة العلم هو التسليم بالوقائع وليس التعالي عنها، ولو تناقض ذلك مع المعطيات والمقدمات التي يؤمن بها الباحث أو المفكر، وظيفة العلم إذن هي أكتشاف الحقائق من خلال النظر للوقائع كماديات مجرده عن الميل الفكري أو النفسي، وعي بالنتائج والأنحياز لهذا الوعي، إنها نوع من الشجاعة الفكرية التي لا تقف موقف المتفرج على مأساة الإنسان الذي لم يتكيف بعد ولن يتكيف مع فرض أنا متزاحمة، أنا تستنهض ذاتيتها على مجمل الحيز الوجودي لا لشي إلا لتثبت تفوقها على الأخر ولو أدى ذلك إلى سحقه وتدميره، إذن هي أخلاقية مثالية ضد الفوضى العارمة فوضى حركة الأنا المتغطرسة التي تريد تركيب الأنتظام من الفوضى الخلاقة.
يقول محمد نحاس في مقالته عالم ما بعد العولمة المنشور في مدونته الإليكتروني يبين ماهية الفوضى الخلاقة كما يفهمها الإنسان الشرقي، الذي يعتبر أن مبدأها لا أخلاقي ولا منطبق على الصورة الحلم كما ترتسم في فكره (كما ان استفحال ظاهرة الحرب وتهديدها بجر كل البناء الحضاري الإنساني إلى الهدم والهاوية يجعل من الضروري انقاذ هذه الحضارة بسلوك طريق جديد يتميز بالوعي واليقظة الفلسفية الدائمة مع الانتباه الى مخاطر نار العولمة الملتهبة، إن زمن العولمة ليس مجرد مقولة اقتصادية فرضت نفسها على دنيا السياسة والثقافة بل هو المعنى الذي يمكن أن نمنحه لوجهة التاريخ الآن، وهنا وهو العصر الذي نعيش فيه والذي هو بصدد التشكل والطلوع بعد تلاشي الزمن الامبريالي، وقد يحملنا هذا العصر إلى مصير مجهول لا ندري فيه ماذا نفعل وماذا نقول والى أين نتجه، لأنه عصر صنمية الصورة والفوضى الخلاقة وصعود الإمبراطورية ذات القطب الواحد التي تجعل من الحرب النمط الوحيد لاستعادة التوازن وبسط الأمن في المعمورة) .
حلم محمد نحاس ليس حلما خرافيا ولا من قبيل الهرطقة الفلسفية، أنه حلم يمتد عبر العودة إلى وعي فلسفي مشروع به يمتد بالفكر عبر الزمكان وعبر تحديد المدلول من المفهوم، فهو يبني حلمه على النقد الإيماني (وقد تكون بداية التأسيس من خلال الوقوف على نقد العولمة، ونقد الحياة في سوء النية من أجل رجة الفكر بصدمته، وإحداث اختراق في مستوى وعيه المستكين، كما أن الصدمة لن تكون فعلاً تأسيسيًا إلا إذا مر بوطن الفلسفة الحقيقي، هذا الوطن المهجور والمسروق منذ ابن سينا والفارابي وابن رشد ليقع في براثن الالحاد المادي، لقد وقع تهجير الفلسفة الانسانية الكونية من اصولها ومن حقيقة تجسيدها الحضاري بفعل العولمة، وها هي اليوم قد ملت اللجوء وتبحث عن "حق العودة"، فعسى أن تكون الاستراتيجيات هي المشروع الكفيل بتحقيق حلم العودة الفلسفية إلى حقيقة الوجود الانساني، عسى ان تلتقي فجأة بالحلم "حلم نهاية الجهل بحقيقة الوجود الانساني "، فهل تدشن هذه الشذرة الفلسفية عصر انتهاء الإضراب عن الفهم الحقيقي للوجود الانساني ومقوماته) ؟



#عباس_علي_العلي (هاشتاغ)       Abbas_Ali_Al_Ali#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكونية وحاجة الإنسان للعودة لنقطة الإنطلاق الأولى
- هل يمكن التوافق بين الفكر الديني ومبدأ الديمقراطية التعددية
- حق الإنسان في الحرية والديمقراطية من منظور ديني حقيقي
- وهم انظرية الأقتصادية للدين
- الخروج من الدين ح2
- الخروج من الدين
- الى صديقي ...أخي فراس معلا
- حرب إعادة التموضع
- مقتطفات من وحي الروح
- العبادة البديلة
- نداء ... للعقل والحرية
- صباحك يلا منجل ولا مطرقة
- كأسي الأخير في الليلة الأخيرة وحديث الروح
- هذيان الرب
- فصة المسيح الضال
- اللغة العراقية ومفهوم الدلالات ح 30
- زمن القبائل بدائية
- اللغة العراقية ومفهوم الدلالات ح 29
- رغبة قهرية
- اللغة العراقية ومفهوم الدلالات ح 28


المزيد.....




- موسكو تشنّ غارات في دونيتسك وكييف تفاوض الغرب بشأن الصواريخ ...
- صحيفة روسية: الأوكرانيون لن يصبحوا سوريين جددا في الاتحاد ال ...
- قتيلان وعشرات الإصابات في زلزال يضرب شمال غرب إيران
- زلزال بمنطقة حدودية بين إيران وتركيا.. 3 قتلى ومئات المصابين ...
- أوكرانيا تنفي نيتها الحصول على 24 طائرة مقاتلة من الحلفاء
- انفجار في مصنع للذخائر تابع لوزارة الدفاع الإيرانية في أصفها ...
- طعن شاب عشريني في متجر هارودز بلندن
- أوكرانيا تفاوض حلفاءها للحصول على صواريخ بعيدة المدى
- بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي يتعهد برد -سريع- بعد ...
- 3 قتلى وأكثر من 440 جريحا في زلزال ضرب مدينة خوي شمال غرب إي ...


المزيد.....

- وجهات نظر في نظريات علم الاجتماع المعاصر (دراسة تحليلية - نق ... / حسام الدين فياض
- درس في الإلحاد 3 - الوجود ووهم المُوجد / سامى لبيب
- المادة : الفلسفة النشاط : الدرس النظري لإشكالية الأولى : / حبطيش وعلي
- علم الكلام وثلاثية النص والواقع والعقل / نادر عمر عبد العزيز حسن
- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله
- الفئات الفقيرة الهشة بين استراتيجيات البقاء ومجتمع المخاطرة ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عباس علي العلي - حلم الإنسان الأول