أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عباس علي العلي - هل يمكن التجرد من الهوية الكونية















المزيد.....

هل يمكن التجرد من الهوية الكونية


عباس علي العلي
(Abbas Ali Al Ali)


الحوار المتمدن-العدد: 7186 - 2022 / 3 / 10 - 21:39
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يقينا لا تستطيع الذات أن تسلم بهوية خالية ومتجردة من الأنا ومن حقيقتها التي يفهما الفكر الشرقي مقابل أن الفهم الغربي يصر دوما على أن التصادم والنزاع والمزاحمة وهو جوهر وجود الأنا والكاشف لها، وفي هذا المعنى كتب ماكس هوركهيمر يقول "من الصعب جدا أن يحدد المرء بدقة ما أرادت اللغات الأوربية في وقت من الأوقات أن تقوله وتعنيه من خلال لفظego الأنا، إن هذا اللفظ يسبح في تداعيات غامضة قاحلة، هذا الأعتراف الصريح بالغموض في بيان المعنى، هو بالأحرى تناقض بين القيم الأخلاقية التي منشأها الفهم الروحي والديني الراسخ في الروح الأوربية، وبين الأفكار والرؤى المادية التي يسير عليها المجتمع الأوربي على أنه نوع من أنواع أنشطار الذات أو الشيرزوفينا الفكرية للذات الغربية .
فمن حيث أنه مبدأ "الأنا" الذي يحاول جاهدا كسب المعركة ضد الطبيعة على العموم وضد الآخرين من الناس على الخصوص، كما ضد الدوافع السلوكية التي تحركه، يبدو الـ ego مرتبطا بوظائف السيطرة والحكم والتنظيم، ولم يتحرر مفهوم الأنا في أي وقت من حمولاته وشوائبه الأصلية الراجعة إلى قوة نظام السيطرة الاجتماعية، وحتى الصياغات المثالية لنظرية الأنا عند ديكارت تنطوي بالفعل فيما يبدو على معنى السيطرة، هنا يركز ماكس هوركهيمر على مبدأ السيطرة وعلى مبدأ العبد والسيد في تعامل الذات الأوربية مع الأخر وليس على مبدأ التكامل والتناظر الذي تبشر به الفلسفة والفكر الشرقي والجنوبي، لذلك نحن نرى حتى في مفهوم الدفاع عن الذات عند الأوربيين ينطلق من الاحتواء والأنتقام والتغلب، بينما نجد أن مفهوم الدفاع الإيجابي عند الفلسفة والفكر الشرقي ذا فهم دفعي يريد تجنب الاحتواء له من الغير المغاير، ونجد هذا بوضوح في الحروب الصليبية التي تعد صورة واضحة جدا للنزاع الحضاري المنطلق من فهم الذات وفهم الحرية.
نفهم الوعي الديكارتي من خلال فكرة أن الوعي هو استبعاد للخارجي بما هو خارجي عنها شرطا أوليا لتحققها (منذ اللحظة التي تشرع فيها الذات بالتفكير تعي مباشرة بوجودها، لذلك فـ "إني أن انقطعت عن التفكير تماما انقطعت عن الوجود تماما"، وبالتالي فان الأنا أفكر مكتفيا بنفسه، بل انه ليس فقط غير محتاج في إثبات وجوده إلى استبعاد الجسد والعالم والآخر، بل إن هذا الاستبعاد هو شرط إمكان إثبات هذا الوجود الذي للذات إثباتا يقينيا)، هذه صورة النتيجة تفترض أصلا ليس الاستبعاد فقط بل أيضا الإلغاء الحتمي للأخر الذي يؤدي على التسليم به تناقض بين الأنا والأخر، وهنا نعطي مثالا أخر عن فهم الذات الغربية للوجود القائم على الصراع الأول الذي يؤسس لاحقا للصراع الجمعي الشامل.
فرضية الإنسان الكوني والتي انطلقت أوربيا تؤسس لسيادة الذات الأوربية تجاه الأخر، وهي الذات التي نشأت وتطورت على فهم أن تجرد الأخر من هويته إنما المقصد الحقيقي منه هو ليس تجرد كل الهوية للأنا بل تجرد الأنا الأخر من هويته لصالحها، لصالح صراعها المادي قبال الروحي عند الأخر، هي تجريدها من التساوي والتماثل والتناظر إلى مفهوم السيد والعبد إلى احتواء البعد الروحي وتجيير العنصر الميتافيزيقي الشرقي لصالح العنصر الميتافيزيقي الغربي، يعني إنصهار واستعمار أخر بثوب غطاءه الحرية وباطنه العبودية والإستلاب والأحتواء.
إننا نوجد في العلم الوجودي كذوات فردية نتواصل فيما بيننا على أساس أنها حقيقية معاشه، ولكننا نوجد كذلك كذوات ثقافية نحمل هوية ثقافية مخصوصة تمثل اختلافات حقيقية أيضا منشأها التعدد والكثرة الطبيعية، فهل أن الاعتراف والتمسك بهذه الخصوصية الثقافية يمثل عائقا أمام التواصل مع الآخر الثقافي؟ أم أن عوائق التواصل الثقافي لا تعود إلى واقع الاختلاف ذاته وإنما إلى إرادة الهيمنة والسيطرة التي تحرك وتوجه علاقة بعض الثقافات ببقية الثقافات الأخرى؟ حسب ما نظرت له وأمنت به أسس الثقافة الغربية والشمالية، الجواب يأتي غربيا بالإيجاب وهذا الإيجاب ينفي مبدأ التجرد لأنه في الأخر مناقض للعقيدة الفكرية والفلسفية له، في حين أن العقيدة الفكرية الشرقية والجنوبية تنظر للأمر على عكس ذلك تماما، فيكون الصراع هنا ليس ذو فهمين مختلفين لكل عقيدة منطلق يختلف عن الأخر ويناقضه أيضا في الأسس.
يستصرخ إدغار موران الاجتماعي والإبستمولوجي الفرنسي ضمير البشر لوعي عميق للتضامن الإنساني الكامل ووحدة المصير الكوكبي المشترك، لفحص صادق عن معنى التاريخ الإنساني، ولإيجاد مجتمع وعالَم و"أخلاق معرفية" من شأنها أن تسمح لنا بالتعامل مع انتماءاتنا وتناقضاتنا، وبتجديد الخصال الإنسانية حصرًا دون أن ننكر بالضرورة الهوية، ودون أن نتجرد من إنسانيتنا التي يمثلها الكثرة والتنوع والتعدد كونها من البديهيات التي لا تقبل التجرد، ولا تنصاع لفرض هوية واحدة تتجاوز الذاتي وتعتدي على تنوع الخصائص، إنها دعوة حقيقية لأنسنة الكون وإلى كونية الإنسان، إنها إنحياز حقيقي وواقعي للفهم الشرقي للوجود الذي مثلته روح الإيمان بالثنائية التي لا بد أن ترافق تاريخ الإنسان {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}الحجرات13.
يصور البعض حتمية الوجود الكوني للإنسان كأنه يمثل الانتقال من مستوى الوجود الفردي والشخصي والجزئي، إلى مستوى الوجود المدني السياسي بتخليه عن الهوية الذاتية لمصلحة هوية المجتمع الكوني، وبالتالي فلا بد من أن المقتضى الذي يتحقق به وجود الإنسان على وجه كوني هو الانتقال الذي يسمح تحديدا، بالتقاطع مع مستوى الوجود الطبيعي المباشر والبديهي المحكوم بمقتضيات الحاجة البيولوجية إلى مستوى وجود مختلف كليا، يقوم على انتظام اجتماعي مدني سياسي مفترض يتحقق ضمنه تحرر الإنسان من الضرورة الطبيعية، ليدخل مجال الضرورة الاجتماعية دون أن يبرهن على الامكانية بذلك أو القدرة عليه.
تتحدد هذه الضرورة الاجتماعية عندهم في ضرورة "العيش المشترك" ضمن قواعد ومقتضيات تجعل من العيش المشترك حافزا للاجتماع الإنساني وليس عبئا على الفرد احتماله رغما عنه ورغما عن الطبيعة، إنه قهر ملجئ قهر يفوق القدرة على القبول ويناقض الطبيعة الإنسانية، فهو محكوم بالفشل القهرية وإن تنجح بفرض واقع معين، فلطالما سببت تلك الارتدادات العكسية له على انهيار النظرية وتحطم أركانها والتاريخ يشهد على صحة القول، فتكرار التجربة لا يمكن أن يولد لها النجاح طالما كان أساس الفرض خاطئ وغير متفق مع المنطق العقلي.
لقد نبه الفلاسفة الروس من قبل على مبدأ تميز الذات وأرتباطها بحركة التعايش لا بحركة ومقتضيات الصراع، فمثلا نجد جورج غوسدورف يرى أن فكرة استقلال الشخص الأخلاقي، كما تحدث عنها كانط لا تعكس حقيقة الوضع الإنساني، لأنها تتغاضى عن أشكال التضامن والتعايش والمشاركة التي تميز علاقة الناس فيما بينهم، وهنا يقطع غوسدورف بأن حتمية التجرد مجرد وهم قائم على فرض واهن لأنه يخالف طبع الأشياء، فهو مثلا لا يرى أن الإنسان يكتسب قيمته الأخلاقية من ذاته وكأنه «إمبراطور داخل إمبراطورية» ويضع نفسه بأعتبار أنا محددة في مقابل العالم و في تعارض مع الآخر، إن الأنا الطبيعية في الواقع تنفتح على الكون وعلى الغير، وهي لا توجد واقعا ولا تكتمل ولا تغتني إلا بالمشاركة والتضامن، وبالأخذ والعطاء، أن الأنا والأخر عند غوسدورف عالم متكامل متعاون متناظر لا يبنى على المزاحمة والصراع .
إن التجرد عن الهوية وسلخ الذات من خصيصتها والأعتماد على الأنا الكونية تشكل ارتداد عن حقائق العلم، وانحياز للأعتباط الفكري بما يجعل من هذه الدعوة مجرد حلم غير قابل للعيش في العالم الوجودي، العالم الذي تشكل على مفهومين مفهوم الصراع والمزاحمة، والصراع حول دفع إلى الاحتواء والتخلص من الفرض الخارجي لا يمكن أن تكون قواعده مبنية إلا على وضع نظرية تحترم الأنا وترتقي بها روحيا، إلى المجتمع الواحد الذي يحفظ حق الإنسان في الوجود كما يحفظ للذات التنوع والكثرة ويسهل للتواصل أن يمتد أفقيا كما يمتد عموديا لأجل الإنسان.



#عباس_علي_العلي (هاشتاغ)       Abbas_Ali_Al_Ali#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنا والآخر من منظور كوني
- الإنسان الكوني هوية أم وجود؟
- صراع الفسلفة ومبدأ الحرية
- وعي الحرية وحرية الوعي معادلة غير منصفة بين الشرق والغرب
- حلم الإنسان الأول
- الكونية وحاجة الإنسان للعودة لنقطة الإنطلاق الأولى
- هل يمكن التوافق بين الفكر الديني ومبدأ الديمقراطية التعددية
- حق الإنسان في الحرية والديمقراطية من منظور ديني حقيقي
- وهم انظرية الأقتصادية للدين
- الخروج من الدين ح2
- الخروج من الدين
- الى صديقي ...أخي فراس معلا
- حرب إعادة التموضع
- مقتطفات من وحي الروح
- العبادة البديلة
- نداء ... للعقل والحرية
- صباحك يلا منجل ولا مطرقة
- كأسي الأخير في الليلة الأخيرة وحديث الروح
- هذيان الرب
- فصة المسيح الضال


المزيد.....




- بايدن: الولايات المتحدة -لا تسعى الى نزاع- مع الصين
- لم يتخذ قرارا نهائيا بعد.. بايدن ينوي الترشح لولاية رئاسية ث ...
- بايدن: لم أتخذ قرارا نهائيا بشأن الترشح لولاية رئاسية ثانية ...
- إيران تعلن وصول قائد -فيلق القدس- إلى حلب.. ومسؤول يوضح السب ...
- ارتفاع عدد قتلى الزلازل في تركيا وسوريا إلى أكثر من 15 ألف ش ...
- إيران تعلن وصول قائد -فيلق القدس- إلى حلب.. ومسؤول يوضح السب ...
- ارتفاع عدد قتلى الزلازل في تركيا وسوريا إلى أكثر من 15 ألف ش ...
- المنطاد الصيني: الولايات المتحدة تحذر من -برنامج تجسس يشمل 5 ...
- ملكة الدنمارك قد تخضع هذا الشهر لعملية جراحية بسبب آلام الظه ...
- السعودية.. انطلاق أكبر حدث تقني في مدينة جدة اليوم الخميس


المزيد.....

- الحزبية والموضوعية في العمل النظري / دلير زنكنة
- وجهات نظر في نظريات علم الاجتماع المعاصر (دراسة تحليلية - نق ... / حسام الدين فياض
- درس في الإلحاد 3 - الوجود ووهم المُوجد / سامى لبيب
- المادة : الفلسفة النشاط : الدرس النظري لإشكالية الأولى : / حبطيش وعلي
- علم الكلام وثلاثية النص والواقع والعقل / نادر عمر عبد العزيز حسن
- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عباس علي العلي - هل يمكن التجرد من الهوية الكونية