أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - مختار سعد شحاته - رسالة إلى الكلب البلدي المسكين















المزيد.....

رسالة إلى الكلب البلدي المسكين


مختار سعد شحاته

الحوار المتمدن-العدد: 7123 - 2022 / 1 / 1 - 20:01
المحور: كتابات ساخرة
    


يحظى الكلب في الحياة البشرية بوجود مميز، إذ تمتد العلاقة بين البشر وبين الكلاب كحيوانات أليفة منذ آلاف السنين، وهو ما خلدته آثار حضارات بشرية مختلفة، جعلت من بعض الحيوانات الأليفة أيقونة لها، ورفعت من درجة الاهتمام بها إلى حد بعيد، ونال الكلب مناله في ذلك عبر مجموعة من الخصال التي روجت لطيب سمعة الكلب، والحقيقة شتان ما بين كلب وكلب، خاصة ما بين الكلاب التي نقابلها في عالمنا الثالث وبين الكلاب في العالم الغربي.
عزيزي الكلب البلدي:
ظهرت في مصر خلال السنوات القليلة الماضية موجة رواج لتجارة وتربية الكلاب، والحقيقة أن الأمر كلما تنظر إليه من زاوية ما، ستشعر بسخرية عجيبة وغريبة، ففي مصر وحيث عشت الكثير من سنوات عمري، كلما كنتُ أرى كلبًا في الشارع كلما رق قلبي لحال هذه الكلاب التي لا ذنب لها في الحياة أنها خُلقت كلابًا، خاصة الكلاب البلدي، فالمسكين دومًا مُلاحق بسوء النية، وبالاتهامات المسعورة من حوله، مما يجعلني أستغرب الأمر حين أتذكر طفولتي البعيدة، كيف كان الأهالي بلا استثناء يحرضوننا على تعذيب هؤلاء المساكين، خاصة حين تعبر تلك الكلاب عن محبتها لبعضها علانية في الشوارع أو يدفعها حظها البائس إلى أن تفقد سيطرتها على شهوتها الجنسية وتمارس الجنس في جانب الطريق أو حتى وسطه، لتبدأ ملاحقتها بكل وسيلة أملا في فكِّ تلك "الحشكلة" كما يسمونها في العامية المصرية، ولا أفهم السر في غضب الأهالي وتحريضهم ضد حيوان أبكم مارس حقه في الحياة وفي ممارسة الجنس مع بني جنسه، فلا سمح الله لم يتجاوز الكلب لاغتصاب امرأة في شارع أو خفها والتناوب عليها، إنما بكل براءة حسب طبيعته عبر عن محبته لكلبة ما، وكثيرًا ما توقفت عند ذلك الأمر وسرّ الإصرار عليه؟! هل يكشف هذا الكلب البلدي المسكين عوارًا في تركيبتنا البشرية إذ يمكنه بكل وضوح ومباشرة التعبير عن غرائزه وعن مشاعره في الشارع دون إكتراث بالآخرين من حوله؟ هل يكون الكلب البلدي المسكين أكثر شجاعة حين يعبر عن تلك المحبة بعلانية ووضوح ومباشرة، لا يجرؤ عليها البشر من حوله، فيشعرون بتفوقه عليهم، مما يدفعهم للانتقام منه؟! إذ كيف يمكن لأي كلب بلدي ببساطة أن يعبر عن مشاعره وغرائزه في حدود بني جنسه دون اكتراث، ودون تعدٍ على حقق الغير؟!
أعلم يا عزيزي الكلب البلدي أن هناك كلابًا تظنها أكثر رفاهية وحظًا منك، كتلك مثلاً التي رأيتها حين عشت في واحدة من المدن التي يدعون أنها طبقية، وذات خصوصية، والحقيقة ربما شعورك هو انعكاس لشعور البشر حولك أيها الكلب البلدي المسكين، فحين تدخل إلى تلك المدن الطبقية في ظنهم، ورويدًا رويدًا ستكتشف الخدعة الكبيرة التي أقنعوك بها، وأنها مدن للصفوة. إياك أن تصدق أيها الكلب البلدي المسكين، فبعد فترة من الحياة في تلك المدن ستكتشف أن سكناها من البشر وكلابهم الغالية لا تفرق كثيرًا عن حياتك ومن حولك من المساكين أمثالك من البشر، فهم يأكلون نفس الطعام ويشربون نفس المشروبات، بل ستسمعهم يتجاذبون ويتفاوضون على سعر كيلو الطماطم في محل الخضروات، لكن للأمانة فللكلاب في تلك المدن بعض التقدير، فمثلاً أن تكون كلبًا في "مدينتي" فأنت لا شك أكثر المستفيدين من تلك الدعاية البراقة الخادغة في باطنها، صحيح ستأكل طعامًا خاصًا من هذا الذي تعج به السوبر ماركت في إشارة إلى تميزها عن السوبر ماركت في المناطق الفقيرة مناطق تسكنها أنت وأمثالك من الكلاب البلدي المساكين، لكن صدقني في النهاية ربما تحظى أنت بحياة فوضوية وعشوائية فيها من طعم الحياة الحقيقي أكثر من طعم الحياة المزيف في تلك المدن الطبقية التي يروجون لها، فالكلاب فيها على الدوام مربوطة بسلاسل حيدية أو سيور جلدية، وقليل منها الطلق الحر، بينما أنت في غالب أيامك حرًا تسيح في الشوارع كيفما تشاء، تتفادى ضربات الأولاد الصغار ونهر البشر الكادحين والبائسين الذين يشعرون بأنك في الشارع أكثر حرية منهم، لذلك انظر إلى الوضع بنظارة أخرى غير نظارة الكلاب الطبقية التي تسكن تلك المدن، فحالها يا عزيزي الكلب البلدي المسكين يبكي من زوايا أخرى، إذ تحولت إلى كلاب خانعة، لا تجرؤ على التعبير عن مشاعرها بحرية كما تفعل أنت.
الكلاب في ألمانيا (برلين):
يلزمك أيها الكلب البلدي المسكين أن تتعرف على أحوال الكلاب في ألمانيا لتدرك النعمة التي تعيش فيها، ففي بعض الأحيان وعلى الرغم من الفوضى والعشوائية، إلا أن تلك الأمور تبقى حصانك الرابح في مواجهة الكلاب التي تسكن في المدن الطبقية والتي رضيت هذه السلاسل الفضية، وقررت العيش في تمثلا المدن الطبقية وأولاد الزوات، وصدقوا الكذبة التي كذبها أصحابهم عليهم، فهم إذا ما خرجوا مثلا نحو بلد كألمانيا التي تسن قانونًا يختص بالكلاب، ستدرك أن كلاب مثل كلاب مديني والرحاب والكومباوندات، كلها كلاب بلدي مساكين بشكل ما، ففي عام 2020 ثار جدل في المجتمع الألماني حول القانون الخاص بالكلاب والذي يحتم على صاحب الكلب القيام بتريض خاص بالكلب لا يقل عن ساعة يوميًا تريضًا حقيقيًا وليس مجرد تمشية حول البيت والكتلة السكنيةة، بل ويحتم على أصحاب الكلاب عدم تركها طوال اليوم لساعات طويلة، خوفًا عليها من الاكتئاب والأمراض النفسية، لذلك فأنت ككلب بلدي مسكين متى يمن الله عليك بزيارة برلين في ألمانيا فاعلم أنك هنا فقط يمكن أن تكون محظوظًا، فأنت مواطن كامل الاهلية تدفع ضريبة سنوية قدرها 120 يورو في العام لكونك كلبًا يعيش في معية أسرة ألمانية أو في برلين، وهي ضريبة مرتفعة عن مثيلتها في الولايات المتحدة مثلاً، الأمر الذي يُشير إلى قيمتك ككلب تعيش في برلين، ليس هذا فحسب، لكنك ستندهش حين تجد القانون يجرم تطويقك بطوق معدني أو جلدي وربطك بما لا يسمح لك بحرية الحركة، لذلك كن مطمئنًا أنك ككلب بلدي مسكين هنا في برلين أفضل حالا بكل المقاييس من الكلاب البلدي المساكين ومن الكلاب المدجنة في المدن والكومباوندات الطبقية في مصر التي صارت رخوة ولا تعرف حتى معنى النباح.
صحيح إنك ستسمع شكايات بعض الكلاب البلدي المسكينة التي شاء لها القدر أن تصل إلى برلين، لكن صدقني كلها محاولات لجلب مصمصة الشفايف وكسب التعاطف، لأنهن ينسون أن للكلاب بالأساس حقوق في ألمانيا، ولكونهم مدهوشين من ذلك، ستجدهم وحدهم ينبحون ويعون ويبكون، بينما كل الكلاب الأخرى تسير وتتريض وتتنزه في سلام نفسي بالغ، وستسأل نفسك ككلب بلدي مسكين، إذا كانت هذه الحياة صعبة على الكلاب البلدي المسكينة التي جاءت من عالمنا الثالث المتهالك، فلماذا لا يغادرونها أو يعودون ادراجهم من حيث أتوا حيث الفوضى والعشوائية التي هي أعظم ما تمنحه الحياة هناك؟! الأمر عجيب وغريب يا عزيزي الكلب البلدي المسكين.
نباح أخير:
عزيزي الكلب البلدي المسكين الذي يظن حتى الآن آن العالم كله حسينية لللطم والندب، وأن أوضاع الكلاب في العالم كله بائسة، دعني أصحح لك المعلومة بحياد مطلق، ورغبة حقيقية في أن تخفف عن نفسك هذا العبء الثقيل من المأزومية النفسية ودور الضحية الذي قررت تبنيه والإدعاء بإنك كلب بلدي مسكين تعاني الاضطهاد هنا في العالم الأول، ولا أود لفت انتباهك إلا العالم الذي جئت منه، يا عزيزي الكلب البلدي المسكين، تعلم أن تدرب نفسك على التمتع بأقصى درجة من قانون رعاية الكلاب الألماني، واحرص على ساعات التريض خاصتك منفردًا أو في صحبة مالكك، واخرج من العزلة التي تدعيها بدافع حاجز اللغة، فدقني الكلاب كلها تنبح نباحًا بأبجدية واحدة، وكلها لها نفس الغرائز الكلابية، فكن واثقًا إنك حين تخرج حتمًا ستجد الكثير من الكلاب التي تقابلك في الشوارع تفهم نباحك ولغتك، لكنها فقط لن تتفهم مظلوميتك الدائمة وسبك ولعنك سلسفيل الحياة في المدن الباردة قاسية القلب المتحجرة، لأنها على الدوام تلاحظ أنك تبكي على عالمك هناك الذي خرجت منه، هذا العالم الذي سيمنعك من مجرد التعبير عن حقك الحيواني الأصيل ككلب في الشارع ان تعبر عن رغبتك ومحبتك لكلبة ما أو أن تعلب وتجري مع مجموعة من الكلاب أقرانك دون ان ينهرك البشر حولك، درب نفسك أيها الكلب البلدي المسكين على أن تستمتع بكل المزايا من كونك الآن كلب يعيش في برلين، يمكنه ببساطة الاستمتاع بجودة الحياة بتكلفة بسيطة، وأن يعبر عن رغباته بحرية مطلقة.
عزيزي الكلب البلدي المسكين، ما دمت تُصر على عواء مظلوميتك، أنصحك بالعودة إلى العالم الثالث المتخم بالحسينيات التي تسع الجميع لللطم والبكاء وأن تنسى أنها في النهاية مجرد حيوانات أليفة يربيها بعض البشر لأجل رغباتهم الشخصية.
عزيزي الكلب البلدي؛ خالص تحياتي لك وعام جديد سعيد.
برلين في غرة عام 2022.



#مختار_سعد_شحاته (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عيد ميلاد مجيد
- عكازان ونصف ساق
- في القطب الجنوبي
- لقاء عابر في البار
- الجيوب الثقافية والأديب الذري الجائل... -مبدع القرية مثالًا-
- من تاريخ النشر والطباعة
- التاريخ الحي وكتابة الحدث التاريخي المعاصر
- وداع جديد
- في انتظارك يا ربّ
- مفاوضات البرد
- يد الله
- إعلان
- سيرة ذاتية
- يا الله!!
- قراءة فائضة في كتاب -حتى ينتهي النفط- لصامولي شيلكه
- النزلة
- طفلة بروتستانتية وطفل يحب النبي
- رسالة إلى صديقي المجهول
- من تجليات الخلوة
- دين أمي.


المزيد.....




- حفل توقيع ومناقشة رواية -وجوه القمر الأربعة-
- مكتبة البوابة: تعرف على الكاتبة والشاعرة أليس ووكر
- الملكة اليزابيث الثانية: حظر دوق نورفولك الذي نظم جنازة المل ...
- الدور المُنتظر للثقافة في العلاقات الدوليّة
- فيلم -الدعوة عامة-.. تجربة إخراجية مميزة أهدرها السيناريو
- بالفيديو.. إلهام شاهين تعلن عن نيتها التبرع بأعضائها
- شارع الفراهيدي الثقافي في البصرة.. موطن جديد للكتاب والقراءة ...
- إعادة تعيين ميخائيل بيوتروفسكي مديرا لمتحف -الأرميتاج-
- الأزمة العراقية، الثقافة .. السياسة
- نقابة الفنانين السوريين ترد على حفل محمد رمضان في دمشق


المزيد.....

- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق
- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - مختار سعد شحاته - رسالة إلى الكلب البلدي المسكين