أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - مختار سعد شحاته - التاريخ الحي وكتابة الحدث التاريخي المعاصر















المزيد.....


التاريخ الحي وكتابة الحدث التاريخي المعاصر


مختار سعد شحاته

الحوار المتمدن-العدد: 7097 - 2021 / 12 / 5 - 22:05
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


تقديم واجب:
اندلعت ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، كواحدة من ثورات الربيع العربي، وعلى غير توقع من العالم، إذ اعتبر ميشيل فوكو أن الثورة الإيرانية هي نهاية الثورات البشرية حين قال بأن "العالم المعاصر خرج من أفق الثورة نهائيًا"، وهو ما يجعل ثورات الربيع العربي إجابة عن السؤال الكبير (هل انتهى عصر الثورات الكبرى؟) إجابة قاطعة بالنفي.
تفجر مع الثورة المصرية حالة إبداعية خاصة، وأنتج المزاج الثوري العديد من ألوان الأدب، وخرجت في ظلّه أنماط فنية مغايرة وعديدة، وهو ما يمكن أن نعتبره معاكسًا لقول فانون في كتابه "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء" بما وصفه بحالة "عسر الثقافة" التي قسمت العالم إلى نصفين "مستعمِر، ومستعمَر"، إلا أنه مع الثورة المصرية تشكلت كُتل وكيانات مختلفة، عبر بها المثقفون والفنانون حين وجدوا الفرصة، ليتأكد لنا مفهوم المثقف كما حدده إدوارد سعيد بأنه "الشخص الذي تمسك بقيم عليا مثل العدالة وحقق استقلاليته التامة عن السلطة" . وهؤلاء يتصدرون باعتبارهم كتبة التاريخ والشاهدين عليه، فهل يمكن الاعتماد على روايتهم؟
من يكتب التاريخ الآن؟:
جرت العادة أن يتقدم المؤرخون المشهد حين الحديث عن سردية تاريخية ما، ولما كان المؤرخ ابن عصره، فلم يعد عمله التاريخي مكتفيًا بالاعتماد على التدوين التاريخي للحدث أو التدوين لما يُسمى "التاريخ الشفاهي" كمصدر من أهم مصادر كتابة تاريخ الشعوب، لكن الآن تقفز آلية (التاريخ الحي) لتقدم طريقًا إلى كتابة التاريخ المعاصر، وهو طريق غير معني بالانحياز، إذ يتجرد فيه المؤرخ تمامًا من نوازعه، التي تتحكم فيها تلك الآلية، بل وتعمل على ضبطها، وهو بذلك مخالف لصيحة حديثة في الكتابة الأنثربولوجية، والتي يُعتبر التاريخ ذات صلة قوية بها، وتلك الآلية وما تقدمه تحتم على كل المعنيين بكتابة التاريخ أن ينتبهوا حين التأريخ، حيث لا تسمح عند سرد الحدث التاريخي إلا بسرد الحدث المجرد وتفصل تمامًا بينه وبين تحليلات المؤرخ، بل وتضعها في مواجهة الحدث ذاته، وتحول الرأي التاريخي للمؤرخ إلى وجهة نظر فيما قدمه "التاريخ الحي" خلال آليته، ويصير ذلك الرأي واحدًا من مكونات التاريخ الحي نفسه، وهو ما يدفن التواتر بأن "التاريخ يكتبه المنتصرون دائمًا"، إذ سيكتب التاريخ الآن كل الأطراف المشاركة كتابة جديدة، بل ويمكن للمراقبين لما حدث أن يكتبوا كذلك شهاداتهم عن الحدث نفسه، لتنجلي زاوية جديدة من زوايا وملابسات اللحظة التاريخية للحدث.
إذن ما التاريخ الحي؟ وكيف ستكون آليته المقترحه؟:
يقوم التاريخ الحي على فهم إشكالية ليست بجديدة، عن الثقة في ذلك التاريخ الشفاهي الذي يرويه الآخرون خاصة فيما يتعلق بتاريخ الحدث التاريخي القديم، وهُنا يمكن تقوية حقيقة هذا التاريخ بمطالعة الكُتب المؤرخة لتلك الفترة والتي تناولت الحقب المروية بالتحليل والتوثيق الصحيح، وهو ما يثبت صحة الكثير من هذا التاريخ الشفاهي نفسه، وفي الوقت الحالي، يقفز المؤرخ قفزة فوق مصطلح التاريخي الشفاهي، ويجعله "التاريخ الحي"، وهو يختلف في نظر الباحث عن مفهوم التاريخ الشفاهي المتعارف عليه.
إذن ما الفرق بين التاريخ الشفاهي والتاريخ الحي؟
ربما يمكننا إعادة النظر من جديد حول ما نادي به الألماني "رينكه" والفرنسي "سينيوبوس" حول اعتبار التاريخ المكتوب هو التاريخ الذي يمكن الثقة فيه، إذ روجا لأن ضياع الوثيقة هو ضياع التاريخ، وذلك بعد اعتماد كثير من الأمم التاريخ الشفاهي كبريطانيا والولايات المتحدة وغيرهما، حتى أن التاريخ الشفاهي اعتبره البعض علمًا مستقلاً بعد ما قدمه الدكتور روبرت بيركس في كتابه عن معنى التاريخ الشفاهي وقدم حوله الكثير من المعلومات وأصول المقابلات، وعرف التارياريخ الشفاهي في واحد من تعريفاته بأنه "عبارة عن تسجيلات ذكريات أناس مهمة، وقصص حياتهم... "، أي أن الباحث هنا في ذلك التاريخ الشفاهي لم يكن إلا ذلك الناقل والمدون لهذا التاريخ المروي وتلك القصص، والمسجل المؤتمن على هذا النقل، حتى وإن لم يقم بتحليله في بعض الأحيان، ويكتفي بكتابة هذه التسجيلات وإعادة حكايتها مدونة، إلا أن ذلك لا يمنع تحليلنا لها كلما وقعت مادتها تحت أيدينا.
إذن فتدخل الباحث المؤرخ في الحكايات بلغته وأسلوبه يمكن أن يشكل تهديدًا لأصالة النص الحي، فيفقد أهم ميزة وهي تلقائية الحكي والشفاهية، وهو ما يحدث حين يقرر البعض كتابة هذا التاريخ الشفاهي في شكل قصص أدبية أو حتى سيرة ذاتية، وهو ما يختلف عما رآه الباحث في معنى التاريخ الحي.
كتابة الحياة:
لبيتُ دعوة من مركز دراسات الشرق المعاصر في برلين في نوفمبر 2015، للحديث حول مفهوم كتابة الحياة (writing of Lives)، وهذا المصطلح وجده الباحث يختلف عن التاريخ الشفاهي، إذ يتسع ليشمل الكثير من الصور التدوينية، وهو نوع كتابي انتقائي لا يقدم السيرة الذاتية للأشخاص والأمكنة بمفهوم السيرة الذاتية الأدبي، ويخرج قليلاً عن شكل التأريخ الأدبي، إذ يكون المبدع لنص كتابي من نوع "كتابة الحياة" متورطًا فيه بشكل كبير يشبه شخص الراوي في الرواية الأدبية، وكذلك في شكله النثري السردي الممتد، أي أن "كتابة الحياة" هي تلك الكتابة الأدبية التي تسعى لمحاولة فهم علاقة الكتابة بالحياة، فهي "صياغة شخصية معينة وتراكم خبرات ومهارات وعلاقات يتم تمييزها بشكل واعٍ على أنها أدبية. إن كتابة النصوص الأدبية وصياغة المسار الحياتي الأدبي في المساحة الاجتماعية لوسط ما تجتمع فيما نسميه "كتابة الحياة". والكتابة بهذا المعنى هي تقنية للذات كما أشار إليها ميشيل فوكو في عمله المتأخر عن الجنسانية "
لكن ما هو التاريخ الحي بالنظر في المصطلحين المتقدمين (التاريخ الشفاهي وكتابة الحياة)؟
التاريخ الحي:
أحدده،بأنه ذلك النص المكتوب المنتج في ظل ثورة التكنولوجا الذي يكون الضمان الحقيقي للتاريخ من التزييف أو المغالطة، وهو مجموع الدلائل والشواهد على الحدث التاريخي وتكون إما شواهد أدبية مدونة أو مسموعة أو مرئية أو مروية، والتي لا يمكن حكاية الحدث التاريخي إلا بحكايتها وشهادتها الحية على الأحداث، ولا يجوز عند كتابة التاريخ الحي أن يتدخل المؤرخ في النصوص، إلا بشرح ملابساته وتحليله في ضوء الحالة السياسية والاجتماعية والثقافية، فهو نص بداخله يكون تيار الوعي منسوبًا إلى الشهادات وإلى المبدع للنص التأريخي، وينحاز الباحث إلى كون نصوص التاريخ الحي هي نصوص أدبية بدرجة كبيرة، فهو في حقيقته نصُّ لتاريخ شفاهي تم تدوينه بأشكال مختلفة من أصحابه الحقيقين أو شهود العيان الحاضرين بسرد أدبي يُشبه في بنيته وصوره البلاغية صورة السرد الروائي باعتباره تيار الوعي الذي يحمله نص "التاريخ الحي" إذ يقترب في معناه مما قاله الناقد روبرت همفري في كتابه "تيار الوعي في الرواية الحديثة"، فالتاريخ الحي سرد لا يخلو من تجربة عقلية وروحية لها شواهدها الحية.
وبالنظر إلى مصطلح التاريخ الحي من زاوية التوثيق، فإن ما قدمه العلم في مجال التطبيقات التكنولوجية في وسائل التواصل الاجتماعية فإن كل تلك التقنيات من الرسائل والفيديوهات والبوست، والتغريد، ... وغيرها، كلها شواهد على ما يتمتع به هذا النص باعتبار تاريخي من حياة مستمرة لا تموت ببساطة ما دام يتوافر لها من خلال محركات البحث ما يمنحها الحياة بالقراءة والمشاهدة والاستماع المباشر أو عبر الوسيط الإلكتروني.
دور المؤرخ في التاريخ الحي:
يتحول المؤرخ في آلية التاريخ الحيّ، إلى شخص معني بتقديم ما حدث، وليس حقيقة ما حدث، وهنا نقصد بالحقيقة الصدق والكذب، إذ يقوم المؤرخ ومن خلال كل تلك المنصات الإلكترونية وباعتماد الكم الهائل من الذاكرة الإلكترونية الشخصية للأفراد والمؤسسات والجرائد والمجلات والقنوات الإخبارية، ويستدل ببعضها على بعضها، ويؤكد الرواية التاريخية للحدث الذي يرويه، دون أن ينشغل بأن هذا حقيقة ما حدث أو أن الرواية من تلك الزاوية مخالفة لما حدث، بل سيحيل كل ذلك إلى قاريء التاريخ وباحثه ليتدبر فيه ويخلع عليه منطق العقل لمحاولة فهم (حقيقة ما حدث)، والتي ربما لا يمكن الوصول إليها من ناحية الحكم بالصدق أو الكذب، لكن يقدم التاريخ الحي كل شيء حول الحدث معتمدًا على الذاكرة الإلكترونية الهائلة التي بات العالم يحتفظ بها كأفراد أو مؤسسات وجهات حكومية ودولية أو مجتمعية مدنية، أي أنه يعتمد في ذلك على ما يمكننا تسميته "الحياد الإلكتروني"، شرط أن يتم التأكد من خلو الحدث الإلكتروني (الذاكرة الإلكترونية) من العبث والتحريف، وهو ما يمكن كشفه بمقارنة مع ذواكر أخرى عن نفس الحدث.
ماذا لو تم العبث بالذاكرة الإلكترونية؟:
تأتي الذاكرة الإلكترونية كمصدر هام من مصادر التاريخ الحي المعتمدة، لكن ربما يتقول قائل بأنه يمكن العبث بها، وهنا نعود لنكرر ما قاله المشتغلون بالتاريخ الحديث وكيف يتحتم على المؤرخ معرفة بعض العلوم الهامة وليس التخصص بها، كالجيولوجيا والتشريح والمناخ وغيرها، يضيف التاريخ الحي إلى ذلك معرفة التكنولوجيا الرقمية وتطبيقاتها الاحترافية، فدور المؤرخ لم يعد في التاريخ الحي مجرد ناقل لما رأى أو سمع أو قرأ، بل صار عليه أن يتأكد ويقوي شواهد الحدث التاريخي، وعرض كل المواد التي تقدمها الذاكرة التاريخية على تكنولوجيا رقمية متطورة تثبت عدم العبث بالمادة المقدمة من خلال تلك الذاكرة لضمان حمايتها من العبث الممكن.
لنضرب مثلا بسيطًا يوضح الأمر:
يمكن في أحداث الثورة المصرية وأزماتها ان تقدم لنا الذاكرة الإلكترونية الكثير والكثير من المواد الرقمية، ولكن كيف يمكننا التأكد من عدم العبث بواحد من تلك المواد الرقمية كصورة توثيقية مثلاً أو فيديو لحدث ما، خاصة إذا فرضنا أن المحتوى الرقمي للمؤسسات أو الجرائد والمجلات تم السيطرة عليه وتفريغه، هُنا يأتي دور المتخصص الذي يمكنه أن يثبت علميًا ما حدث للذاكرة الرقمية من عبث أو عدمه، ومتى أثبته يمكن أن يستدعي أسئلة الشك حول القضية أو الحدث الذي تم محو بياناته الرقمية من السجلات الفردية والمؤسساتية الرقمية، وهو أمر بسيط يمكن اكتشافه بالبرامج الإلكترونية التي ينبغي على المؤرخ الإلمام بها ومعرفتها وعرض الحدث على المتخصصين بها قبل اعتماده كمصدر من مصادر التاريخ الحي. فمثلا لو أردنا أن نؤرخ لحرق المجمع العلمي المصري إبان الأحداث، سيقوم التاريخ الحي بعرض كل الروايات في الصحف والمجلات والحلقات التلفزيونية والنقل المباشر الرقمي الذي تم تخزين محتواه، ثم يقوم بعرض الكتابات الشخصية للأفراد حول الحدث، والبحث عن مواد رقمية حول الواقعة، ثم يعرضها التاريخ الحي كلها باعتبارها (هذا ما حدث من كل زواياه)، ثُم يترك الحكم بالصدق أو الكذب على المتلقي، أي أن التاريخ الحي هُنا يقدم الطريق إلى حقيقة ما حدث وليس الحقيقة صدقًا أو كذبًا فيما حدث، إذ سيكون في طياته تحليلات للحالة الاجتماعية والثقافية والسياسية والإخبارية وغيرها، وعلاقات الأفراد بالحدث التاريخي وبالسلطة وبالمجتمع من خلال تلك الذواكر الرقمية، والتي تحتفظ كذلك بالرواية الرسمية الحكومية للحدث، وكل الرويات المعارضة لها، وذلك من خلال تلك الذاكرة الرقمية الهائلة التي تحتفظ بالمشهد كاملاً من زواياه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأدبية والأمنية، بل والعالمية، والتي ينظر لها المؤرخ ما قبل الحدث التاريخي وما بعده متى أراد ان يُدلي برأيه فيها، ليتحول رأيه فيما بعد كشاهد جديد مضاف من شواهد التاريخ الحي على الحدث.
التاريخ الحي ضمانة لحياة الأحداث مهما تقادم الزمن:
هكذا يستمر توالد التاريخ الحي، فكلما طالعه باحث أو مؤرخ فإنه يعيد الحياة إلى الحدث، ويحول ما يقدمه الباحث في تلك الحالة إلى ذاكرة مضافة إلى ذواكر ذلك الحدث، وهو ما يجعل الحدث التاريخي دائمًا حيًّا لا يموت، فيستحق أن يصير التاريخ بذلك تاريخًا حيًّا. وهذا التاريخ مليء بطبيعة الحال بخلافات وتناقضات ووجهات نظر مختلفة، يجعل من التناقض بل والتزييف في بعض الأحيان جزء لا يتجزأ من سردية التاريخ المكتوب، وهو ما يجعل من التاريخ الحي وتلك المغالطات عنصرًا هامًا من العناصر التي يعتمد عليها الباحث - دون أن ينفي الباحث في بعض الأحيان انحيازاته إلى النصوص الحية مثبتًا أن ذلك رأيه الشخصي تعقيبًا على الحدث وليس ضمنه- ولا يراها كشواهد تاريخية فقط بل كمواقف ووجهات نظر لا مجال لإغفالها حين كتابته للتاريخ الحي، وهو تاريخ مستمر بالحياة بدوام العودة إليه عبر التاريخ الشفاهي أو من خلال القراءة في الكتب المدونة والمنشورات، وهو بذلك يضمن لتاريخ حدث ما الحياة، ويجعل الحدث تاريخًا حيًّا لا يموت.
إذن؛ فالتاريخ الحي؛
هو تطوير مفاهيمي للتاريخ الشفاهي الذي يستمد شواهده من كل ما حوله من وسائط مسموعة ومقروءة ومرئية قام بها أصحاب التاريخ الحكي، بما يضمن عدم تزييفه وتطابقه مع أقوالهم وحكاياتهم، وحتى لو مات أصحابه فإن شواهد ذلك الموجودة خاصة عبر الإنترنت ومحفوظات رقمية يمكن أن تؤكد تلك السيرة والحكاية. وهكذا فالتاريخ الحي فيه ضمانته الذاتية بل يمكن أن يكشف تزييف التاريخ الشفاهي والتاريخ المدون من خلال تلك الاعتمادات الحية التي يتأسس عليها.
التاريخ الحي ضمانة لا غني عنها:
أرى أن التاريخ الحي هو ضمان حقيقي يضمن الحقيقة التاريخية كاملة ويحافظ على سردية التاريخ الكبرى من التزييف بما له من شواهد مختلفة، يمكن الاستدلال عليها والحصول عليها من مصادر مختلفة، خاصة في هذا العالم التكنولوجي الرقمي الذي سهل كثيرًا حرية الحصول على المعلومات والتأكد منها بطرق مختلفة، وكذلك هو الضمان لحياد الكتابة التاريخية مهما تورط الباحث أو الكاتب بانحيازاته، إذ تبقى مجموعة تلك الشواهد التكنولوجية المختلفة ضمانًا لهذه السردية التاريخية من التزييف.
ويعتمد التاريخ الحي على ذاكرتين رئيسيتين هما: الذاكرة الشفاهية التي يمكن الوصول إليها من خلال المقابلات واللقاءات والاستماع المباشر إليها قبل نقلها، والذاكرة الإلكترونية التي يمكن الوصول إليها عبر وسائل التواصل الاجتماعي الإلكتروني والمجلات والصحف والمدونات الشخصية بتوثيقات حية، يمكن مطابقتها مع الذاكرة الشفاهية وتنقيحها وحمايتها من كل تزييف أو انحياز، أي أن التاريخ الحي يمكن أن يصبح الصيغة المستقبلية لرواية الأحداث التاريخية بغير اعتماد كامل على المصادر التاريخية المكتوبة القديمة والتي تزخر بالانحيازات غالبًا.

التاريخ الحي:
في نوفمبر 2015 حضرت ورشة عمل "كتابة الحياة" في مركز دراسات الشرق المعاصر (ZOM) في برلين. اقترح البحث عن سبل الكتابة العلمية المتعلقة بالبحث الميداني لعلماء الأنثروبولوجيا والمؤرخين والكُتاب. المناقشات تدور حول استخدام أدوات مختلفة لبناء الكتابة، مثل التسجيلات الصوتية، واستخدام مصادر الإنترنت والصور الشخصية، والكتب، إلخ وهكذا، كانت جلسات الورشة غنية للغاية بالنسبة لي لإثراء فهمي للكتابة وبنائها، وبدأت التفكير في الأدب وعلم الإنسان معا، وظهر السؤال: "لماذا لا نفكر أيضا في طرق لكتابة" التاريخ الحي "باعتباره وسيلة لكتابة تاريخ الحياة أو أحداث الحياة، مع كل التفاصيل الخاصة بشكل يضمن حياتها وحيويتها من خلال: الكتب والصحف والصور، والإنترنت والمقابلات التي بناء عليها يمكن أن تبني لنا "التاريخ الحي" للحدث.
هكذا، وفي ظل التطور الهائل للتكنولوجيا والعالم الرقمي، يجد المؤرخ المعاصر أنه من الضروري البحث عن وسيلة مناسبة، يمكن من خلالها عرض وتوثيق ما يحدث، وتقديمه في صيغة تاريخية مناسبة، للمحافظة على حقيقة الحدث التاريخي، وضمانا لحيادية المنقول إلى الأجيال التالية. يعتبر التاريخ الحي نموذجا لذلك، حيث يمكن من خلاله نقل الصورة التاريخية والأحداث بشكل محايد، أسميه "الحياد التكنولوجي والإلكتروني" إذ سيعتمد بشكل كبير على التقنيات المعاصرة في التسجيل ونقل الصورة، ويضمن بشكل ما أن يظل الحدث الذي تم توثيقه حدثًا حيًا ينقل الصورة الحقيقية كما حدثت، دون أن يتدخل الانحياز من أي جانب، بل يصبح هذا "الحياد التكنولوجي والإلكتروني" محفزا على التأريخ بلا تزييف أو انحياز، وفي الثورة المصرية ربما مثلت مجموعة "فيديوهات" ذلك الحياد الإلكتروني والتكنولوجي دون أن تدري بل ومارسته بعفوية، وهو ما انتبهت له برامج تليفزيونية أشهرها برنامج "البرنامج" الذي قدمه باسم يوسف، وكشف به من خلال تلك الذواكر حجمًا هائلاً من التناقضات والأحداث والمواقف معتمدًا على تلك الذواكر الرقمية المحايدة.
الآن مع تطور التكنولوجيا والعالم الرقمي تطورا هائلا ، يعتبر المؤرخ المعاصر أنه من الضروري إيجاد الطريقة المناسبة لعرض وتوثيق ما يحدث وتقديمها في شكل التاريخي المناسب للحفاظ على حقيقة هذا الحدث التاريخي، وضمان حياد نقل الأحداث إلى الأجيال القادمة. وفي التاريخ الحي مثال جيد لذلك، فمن الممكن أن يحيل الإطار التاريخي والأحداث بحيادية، والذي أسميه "الحياد التكنولوجي والإلكترونيات". وسوف تعتمد بشكل كبير على التقنيات المعاصرة لتسجيل وتحميل الصور وضمان بطريقة ما أن الحدث الموثق يبقى الحدث حيا مع كل ضغطة محرك البحث للوصول إليه، مع نقل الواقع الحقيقي كما كان، دون الإخلال من أي طرف، حيث "الحياد التكنولوجي والإلكترونية" يصبح حافزا للكتابة دون وهمية أو المساس.
وهكذا، وخلال هذه الفترة من البحث، بدأت أدرك أنه مع استخدام المصادر الإلكترونية، وبناء السرد، من خلال مشاركة حية من فاعليها، في فترة تاريخية، بدأت تتشكل وتتضح فكرة "التاريخ الحي" عندي. ويستند هذا على قسمين أساسيين: الذاكرة الشفاهية، يمكن تسجيلها من خلال المقابلات والاجتماعات وسجلاتها،ثم الذاكرة الإلكترونية، ويمكن الوصول إليها من خلال الشبكات الاجتماعية والمجلات والدوريات الإلكترونية، بالإضافة إلى صفحات شخصية إلكترونية يمكن اعتبارها سجلات الشهادات الفعلية. وهو ما يجعل استخدام هذا الأسلوب في التسجيل وصنع التاريخ، وسيلة للوصول إلى الماضي والحاضر، وهو ما اعتمدته في دراستي قرية منية المرشد في شمال دلتا مصر.
لا يبدو السرد الأدبي كافيا لحسابات هذا النوع من التحليل المقترح، لذلك، فلا يمكن للخيال ملء الثغرات في الكتابة الأدبية. لذلك، فهمت أن "التاريخ الحي" يمكن أن يصبح مفهوم قادرة على السماح لمرور نصوص مكتوبة قادرة على الجمع بين الأدب والتاريخ. مع التأكيد على أن "التاريخ الحي" يجمع شهادات النصوص والتقارير والمشاركات، والجهات الفاعلة بتسجيلات الفيديو او الحكايات الشفاهية والمدونات والكتابات الشخصية التي حفظتها الذاكرة الرقمية بشكل مباشر مع ديناميات التاريخية للأحداث التي يتعين دراستها.
هكذا لا يمكن لأي حدث تاريخي معاصر (أو شخصي) أن يموت أو يهمل، إذ يمكن بضغطة واحدة في أي مكان في العالم أن يتجدد هذا الحدث بما يقدمه الواقع الافتراضي (الإنترنت) لحظة البحث، فيحفز التتبع للحدث ومحاولة إكمال البناء السردي له.
روائي وباحث



#مختار_سعد_شحاته (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وداع جديد
- في انتظارك يا ربّ
- مفاوضات البرد
- يد الله
- إعلان
- سيرة ذاتية
- يا الله!!
- قراءة فائضة في كتاب -حتى ينتهي النفط- لصامولي شيلكه
- النزلة
- طفلة بروتستانتية وطفل يحب النبي
- رسالة إلى صديقي المجهول
- من تجليات الخلوة
- دين أمي.
- ضريح التنوير المصري يدفنه إبراهيم عيسى بفيلم صاحب المقام
- أشباه المدن
- الشيخ أحا
- خرافة الصنم والأجيال المستقبلية
- فاصل من تاريخ النشر العربي وأزمته الآنية
- بلوك وريح قلبك؛ بلا مثلي بلا ديني متشدد!!
- رسائل إلى المشترى، الرسالة الرابعة


المزيد.....




- العدد 475 من جريدة النهج الديمقراطي كاملا
- اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني: مستجدات الوضع السياس ...
- ماذا أصاب خاصية تضامن شعوب منطقتنا؟
- زعيم حزب العمال البريطاني المعارض يتعهد بإعادة الاقتصاد لسكة ...
- وقفة تضامنية في بغداد يوم الاثنين ( 26/9/2022) مع النضال الث ...
- رسالة التضامن من ساحة الحبوبي في الناصرية
- لمواجهة الغلاء.. آلات توزع الخبز مجانا على الفقراء في الإمار ...
- الغاز والهجرة ومكافحة الإرهاب... ما مستقبل علاقات الجزائر ور ...
- رائد فهمي بشأن -ائتلاف إدارة الدولة-: يعمل على إبقاء المحاصص ...
- كادحو- ات مدينة أزمور يستأنفون النضال الشعبي: التنظيم من أسف ...


المزيد.....

- عفرين تقاوم عفرين تنتصر - ملفّ طريق الثورة / حزب الكادحين
- الأنماط الخمسة من الثوريين - دراسة سيكولوجية ا. شتينبرج / سعيد العليمى
- جريدة طريق الثورة، العدد 46، أفريل-ماي 2018 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 47، جوان-جويلية2018 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 48، سبتمبر-أكتوبر 2018 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 50، جانفي-فيفري 2019 / حزب الكادحين
- فلسفة الثورة بين سؤال الجدة وضرورة الاستكمال / زهير الخويلدي
- ما الذي يجعل من مشكلة الاغتراب غير قابلة للحل فلسفيا؟ / زهير الخويلدي
- -عبث- البير كامو و-الثورة المھانة- في محركات الربيع العربي ! / علي ماجد شبو
- دراسة ظاهرة الحراك الشعبي في مرحلة ما قبل (ربيع الشباب العرب ... / حسن خليل غريب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - مختار سعد شحاته - التاريخ الحي وكتابة الحدث التاريخي المعاصر