الجاذبية الأرضية والنعمة الإلهية: المعيارية التربوية خارج نطاق الحكم
أحمد رباص
الحوار المتمدن
-
العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 00:51
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
الترجمة
تستكشف هذه الدراسة التي أعدها جوريس فليغ دور الأخلاق في التربية من منظور ما بعد نقدي، مستخدمةً لوحة “يوم القيامة” للفنان الهولندي روجير فان دير فايدن كموضوع محوري. وتقارن بين القراءات النقدية وما بعد النقدية للعمل الفني، داعيةً إلى تبني الأخيرة للكشف عن إمكاناته الأخلاقية والتعليمية. ويشير التحليل إلى أن التعليم، بطبيعته المعيارية، لا ينبغي أن يتضمن حكماً نهائياً، بل أن يعزز عملية التحول. وتؤكد المقاربة ما بعد النقدية على الثقة في القيمة التعليمية للمنتجات الثقافية، متجاوزة التبسيط المفرط. واستلهاماً من أعمال كلاوس مولينهاور، تستخدم الدراسة المنتجات الثقافية لاقتراح رؤى تعليمية جديدة. ويرمز تصوير اللوحة لشخصيات بشرية تقاوم الجاذبية إلى الصراع بين النعمة والجاذبية، مما يعكس مفاهيم سيمون ويل. وفي النهاية، يدعو النص إلى معيارية تربوية كامنة تعزز التحول الذاتي وتقاوم الهويات الثابتة، مقدمةً بديلاً ذا مغزى لنماذج التربية التقليدية القائمة على الأحكام.
مقدمة
توضح هذه المساهمة دور الأخلاق في التربية من منظور ما بعد نقدي. نستعمل في نفس الوقت مقاربة منهجية تتطلع إلى أن تكون مابعد نقدية من البداية إلى النهاية. إن جوهر الحجة الذي تم تطويره يرتبط بالتحليل التربوي للوحة فنية مهمة في تاريخ الفن الغربي والتي تتخذ من الحكم تيمة مركزية: “يوم القيامة لروجير فان دير فايدن، التي جرى رسمها من أجل فندق الله (Hôtel-Dieu) في المدينة الفرنسية بون Beaune) (1443-1451)). أقترح معارضة قراة نقدية بقراءة ما بعد نقدية لهذا العمل الفني، منتصرا للقراءة الثانية، من أجل النهل من الزخم الأخلاقي والتربوي لهذه اللوحة. الأطروحة الأساسية التي أدافع عنها هي أن الرسم يساعدنا في تصور التربية على أنها ظاهرة معيارية لا محالة، تتضمن دائمًا فكرة عن الحياة الإضافية المرغوبة لطلبتنا، لكن بطريقة لا تقتضي حكما نهائيا.
في الجزء الأول، أميز بين المقاربة النقدية، التي تركز على تبسيط المفاهيم الثقافية، والمقاربة ما بعد النقدية، التي يُعلي من شأن إمكاناتها التربوية. وأدافع عن المقاربة الثانية، المستوحاة من كلاوس مولنهاور، بهدف تجديد فهمنا للتربية. ثم أحلل لوحة فان دير فايدن لأكشف عن توتر بين ما أسميه “الجاذبية” و”النعمة”، وهما مفهومان مستوحيان من سيمون ويل. يتعلق هذا التناقض بالصراع بين الانغلاق ضمن هويات ثابتة وإمكانية التحول الذاتي. بعد ذلك، أقترح إعادة تأويل مشهد “يوم القيامة” ليس كمحكمة متعالية، بل كاستعارة تربوية جوهرية، أي يصبح فيها باب الفردوس هو باب المدرسة، هو منطلق بداية جديدة. أخيرًا، بالاستناد إلى أفكار ويل وجورجيو أغامبين، أدافع عن معيارية تربوية كامنة، لا تقوم على الحكم، بل على القدرة على الارتقاء فوق الذات وعيش حياة أكثر حرية واجتهادًا.
1. من الشك النقدي إلى الثقة ما بعد النقدية في الزخم التربوي للمنتجات الثقافية
سأبدأ بتوضيح المقاربة التي أنوي اتباعها في هذه المساهمة، ولماذا هي مناسبة للبحث ما بعد النقدي في مجال التربية. من السمات الأساسية للموقف النقدي أنه لا يأخذ الأمور على ظاهرها. ينطوي الموقف النقدي أساسًا على الشك وإزالة الغموض (هودجسون وآخرون، 2018). يتعلق الأمر دائمًا بإظهار أننا لا نتوهم فقط عندما نعد الأمور التي نعتبرها قيّمة في حياتنا أمرًا مفروغًا منه، بل إننا بذلك نساهم في شكل من أشكال القمع والعنف، نمارسه على أنفسنا و/أو على الآخرين. لذلك، نحتاج إلى إضاءة نقدية لنرى إلى أي مدى تحتوي الممارسات والمنتجات التي اعتمدنا عليها دون تفكير على رسائل خفية، وتبقينا، دون وعي، عالقين في نظام اجتماعي ظالم وقمعي.
تقدم الوسيلة التي أعتزم الاشتغال عليها في هذا النص مثالًا ملموسًا. نحن، كمعلمين للفنون، على سبيل المثال، قد نكون متعلقين بشكل خاص بلوحة فان دير فايدن، معتبرينها تحفة فنية رائعة أو عملاً هاماً ومحورياً في تاريخ الرسم الأوروبي. ونتيجة لذلك، نرغب في نقلها إلى الجيل القادم والشهادة على جمالها ورقيها وتعقيدها وتفردها – بالطريقة التي وصفت بها حنة أرندت (1961، ص: 173-196) جوهر التربية. ومع ذلك، فإن دعوتنا الحماسية، وربما الشغوفة، لدراسة هذه التحفة الفنية قد تحجب عنا العنف الرمزي الذي قد يولده هذا المسعى حسن النية. فدون أن ندرك ذلك، نفرض نحن، كمعلمين، على طلابنا فكرة وجود فروق جوهرية بين، من جهة، القطع الأثرية الثقافية القيّمة حقاً التي لا يمكن تقديرها إلا بعد تنمية الذوق الرفيع، ومن جهة أخرى، المنتجات الرديئة التي تتناسب مع ذوق الطبقات الدنيا وغير المتعلمة (بورديو وباسيرون، 1964). وهكذا، لا يُسمح لجماعات كبيرة من الناس بالتعبير عما يجدونه مُرضيًا من الناحية الجمالية، والأسوأ من ذلك، أنهم يُستبعدون، في غياب الذوق الرفيع، من المناصب الاجتماعية التي من شأنها أن تجلب لهم الرخاء.
وبذلك، تسهم الترببة الجمالية التقليدية في إعادة إنتاج عدم المساواة والعنف، ويقع على عاتق المُربي النقدي (وخاصةً من يُزيل الغموض باستمرار وبشكل متماسك ولا يأخذ أي شيء على ظاهره) مهمة توعية الناس بهذا الأمر، بدلًا من ترسيخ أفكار عفا عليها الزمن حول “الروائع العظيمة” في نفسه وتلاميذه (انظر فليغه وزاموجسكي، 2020).
لا يسعى المنظور ما بعد النقدي إلى دحض تحليل بورديو المُطور في الفقرة السابقة، بل يهدف إلى القيام بشيء مختلف تمامًا، موازٍ للمنظور النقدي، وهو منظور لا يقل عنه وجاهة. تكمن المشكلة الرئيسية في وجهة النظر النقدية في أن لعبة إزالة الغموض هذه يُمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، مما يؤدي في النهاية إلى موقف ساخر مفاده أن أي شيء نفعله لا يُحدث فرقًا. على النقيض من ذلك، ينطلق المنظور ما بعد النقدي من الثقة، ويفترض أن الممارسات والمنتجات الثقافية التي نعتبرها قيّمة يمكن أن تؤثر في حياتنا، إذا كنا على استعداد لتجاوز الضرورة المُسبقة والمُطلقة التي تُحتّم علينا تبسيط كل شيء مهما كلف الأمر. إنه موقف إيجابي تمامًا، إذ يتعامل مع الأمور كما هي، ويسعى إلى توظيفها تربويًا بشكلٍ هادف، كما في هذه الحالة، من خلال دراسة لوحة فان دير فايدن بهدف تقديم أفكار جديدة لمعالجة المسائل الفلسفية المتعلقة بالتربية.
ما أعتزم القيام به في هذه المساهمة مستوحى بشكل كبير من أعمال كلاوس مولنهاور (1986) المتأخرة. يُمكن اعتبار هذا الرجل مفكرًا ما بعد نقدي سابقًا لعصره. اشتهر مولنهاور باستخدامه شتى أنواع القطع الأثرية الثقافية لتقديم أفكار جديدة حول مسائل جوهرية في النظرية التربوية. يصف مولنهاور هذه “المنهجية” بأنها “علم التربية المتعمق”: دراسة معنى الظواهر التربوية من خلال “الالتفافات”، أي الدراسة المتأنية للقطع الأثرية الثقافية المهمة بهدف الوصول إلى فهم جديد، وأحيانًا مفاجئ، للموضوع المُمثَّل. وهكذا، تُساعدنا دراسة قطعة أثرية تاريخية غير مألوفة على تجاوز مسارات التفكير التقليدية. ومن الجدير بالذكر، كما يُوضح باس ليفرينغ، أن هذا النهج النظري لا يقتصر على توضيح فكرة مجردة من خلال مثال تاريخي ملموس، بل يتعداه إلى استخدام “المنتجات الفنية كمصادر بحثية في حد ذاتها”. […] لم يكن هدف مولنهاور الرئيسي هو اكتشاف كيف جرت الأمور في الماضي. كان هدفه الرئيسي البحث عن إجابات معاصرة لأسئلة تربوية قديمة من خلال استكشاف الماضي” (ليفرينغ، 2014، ص 55).
فعلى سبيل المثال، لدعم فكرة أن التربية لا يمكن فهمها كمقولة تقنية للنشاط البشري – أي كتدخل سببي في حياة الشباب يهدف إلى تحقيق أفضل النتائج بأكبر قدر من الكفاءة – يبدأ مولينهاور كتابه “الروابط المنسية” [2014] بعرض رسالة فرانز كافكا الشهيرة والمؤثرة والمأساوية إلى والده. يُظهر هذا النموذج الأدبي عن التربية الفاشلة أن التربية في جوهره لقاء بين الأجيال، حيث تكون استمرارا لما يعتبره الجيل الأكبر سنًا ثمينًا على المحك – وهو لقاء، بحكم تعريفه، قد يؤول إلى الفشل. في الكتاب نفسه، يولي مولينهاور اهتمامًا كبيرًا للتفسيرات المحتملة للوحة “لاس مينيناس” لفيلسكيز، وهي لوحة معروفة بغموضها نظرًا لتعدد طبقاتها والمنظورات المستخدمة. إنها لوحة عن الرسم تُزعزع اليقين الذي يُوفره المنظور عادةً في الرسم التقليدي، على سبيل المثال، لأنه من المستحيل معرفة ما إذا كان الرسام المصوّر في هذه اللوحة ينظر إلى الزوجين الملكيين، خارج الإطار، أم إلينا نحن مشاهدي اللوحة – وهي نقطة يُؤكد عليها ميشيل فوكو (1966) أيضًا في كتابه “نظام الأشياء”.
في تفسيره للوحة “لاس مينيناس”، سعى مولينهاور إلى إيجاد لغة للتعبير عن المفارقات الكامنة في المجهود التربوي الحديث لجعل العالم حاضرًا للوافدين الجدد من خلال تقديمه بالضرورة بطريقة تمثيلية – أي من خلال انتقاء الأشياء والأحداث في هذا العالم. فالتربية ليست مسألة نقل المعرفة بشكل قاطع ومباشر، بل هي عملية تنشئة تاريخية وثقافية تتكشف بشكل غير مباشر، وأحيانًا بشكل موحٍ، ولا يمكن السيطرة عليها بشكل كامل.
وفوق كل ذلك، وهنا تصبح مقاربته “ما بعد نقدية” مثمرة بشكل خاص، لا يقول مولينهاور ببساطة إن لوحة كهذه لها قيمة عظيمة. لا تزال لوحة “لاس مينيناس” تحمل قيمة كبيرة، ولديها ما تخبرنا به. كما أنها تظهر بطرق غير متوقعة. فمن خلال تحليله، تكتسب اللوحة أهمية تربوية عميقة، وتُصنّف كـ”وثيقة تربوية” (فليغي وستورم، 2015). في هذه المساهمة، أودّ القيام بدراسة مماثلة باستخدام لوحة “يوم القيامة” لفان دير فايدن. ما أودّ توضيحه هو أن دراسة متأنية لهذه اللوحة الضخمة متعددة الأجزاء يمكن أن تكشفها في ضوء جديد، وبشكل أكثر تحديدًا، أن هذه الدراسة تساعدنا على تصور أخلاقيات تربوية ما بعد نقدية.
[في هذا المرحلة من البحث، أنصح القارئ، إن لم يكن قد فعل ذلك بالفعل، أن يخصص وقتًا كافيًا لإلقاء نظرة فاحصة على لوحة فان دير فايدن، ودراستها والتأمل فيها بعناية. تتوفر صور لهذا العمل بسهولة على الإنترنت. علاوة على ذلك، أوصي بشدة بمشاهدة العمل في موقعه الأصلي.]
2. منظور نقدي حول لوحة “يوم القيامة”
إذا أردنا استخلاص معنى أخلاقي وتربوي من هذا العمل، يتبادر إلى الذهن تفسيرٌ واحدٌ على الفور. ففي نهاية المطاف، نرى الرب يُعلن حكمه الأخير على البشر المُبـعوثين، مُفرِّقًا بين الناجين والملعونين في آخر الزمان. يُقيِّم رئيس الملائكة ميخائيل أرواحهم بدقة، بينما تتضرع مريم العذراء والقديس يوحنا والرسل الآخرون والشهداء والقديسون إلى الرب أن يرحم هذه الأرواح، بعضهم بحماسٍ أكبر من غيرهم. ونتيجةً لذلك، يسير الذين نالوا حكمًا رحيمًا نحو أبواب السماء ليجدوا حياةً جديدةً سعيدة، بينما يُساق الآخرون إلى نار جهنم ليبقوا فيها إلى الأبد.
يتوافق هذا التفسير مع تفسير نقدي معروف للتربية. كما يجادل إيان هنتر (1995) – استنادًا إلى سرد ميشيل فوكو التاريخي لأصول المدرسة الغربية الحديثة (فوكو، 1994، ص: 134-161) – فإن المدرسة، قبل كل شيء، بيئة رعوية وتأديبية تهدف إلى إنتاج نوع معين من الذاتية التي يحتاجها المجتمع الحديث. وتتمثل الوظيفة الأساسية للمدرسة في إنقاذ النفوس. ويصاحب ذلك مفهوم خاص لشخصية المربي أو المعلم، ألا وهو كونه شخصية رعوية معنية برفاهية كل فرد. ويمكن وصف هذا “المعلم الراعي” بأنه حارس مملكة الحقيقة، أي الشخصية التي ترشد الأفراد نحو هذه المملكة وتزودهم بالذاتية اللازمة لعبور عتبتها (سيمونز وآخرون، 2005، ص: 821). بهذا المعنى، وكما في لوحة فان دير فايدن، فإن ما يحدث في المدرسة ينطوي أساسًا على إنشاء محكمة يعمل فيها راعٍ على التمييز بين من يستحقون دخول ملكوت السماوات ومن لا يستطيعون بلوغ المعايير المطلوبة. بعبارة أخرى، يكمن هدف التعليم في منع ضلال طلبتنا، وهي مهمة بالغة الأهمية، لكن هؤلاء الطلبة لا يستطيعون إنجازها بمفردهم: فلكي ينالوا الخلاص، يحتاجون إلى شخصية المرشد الروحي والمعلم.
هناك الكثير مما يُقال لصالح هذا التأويل، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار السياق التاريخي للوحة “يوم القيامة” لفان دير فايدن. فقد كُلِّف برسمها مستشار دوقية بورغندي وزوجته لمستشفى “مأوى الله” في بون، وهو مستشفى بنياه لسكان المنطقة المصابين بالطاعون. في الواقع، كانت اللوحة ضخمة، وكان من المُخطط وضعها بحيث تكون مرئية بوضوح للمرضى المحتضرين. كانوا ينامون على أسرّة في غرفة مقابلة مباشرة للمذبح حيث عُلّقت اللوحة. وهكذا، كان المرضى يواجهون بانتظام رسالة واضحة لا لبس فيها مفادها أن عليهم الاهتمام بخلاصهم (على الأقل عندما كانت اللوحة مفتوحة أثناء القداس [لين، 1989]). وبهذا المعنى، يُبرر السياق المعماري والتاريخي التفسير الذي أوجزته أعلاه. فهو يدعم منظور هنتر النقدي والتوضيحي بأن المدرسة لا تُعنى في المقام الأول بتحرير الطلبة وتنميتهم، بل يمكن اعتبارها مشروعًا لإخضاعهم لنظام رعوي وخلاصي.
3. نحو منظور ما بعد نقدي حول لوحة “يوم القيامة”
مع ذلك، فإلى جانب هذا التفسير، ثمة جوانب عديدة في اللوحة لم تُناقش بعد، ويمكن أن تُسهم في فهم أخلاقي وتربوي أكثر إيجابية. وبشكل أكثر تحديدًا، فإن السمة اللافتة في التكوين الأيقوني لفان دير فايدن هي أنه، على عكس الغالبية العظمى من اللوحات الفنية حول يوم القيامة، فإن هذه اللوحة متعددة الأجزاء تُغفل الشخصيات الشيطانية التي عادةً ما تسعى إلى جرّ الملعونين إلى هاوية الجحيم (لين، 1989). بدلًا من ذلك، تبدو المخلوقات التي تتحرك على يمين اللوحة وكأنها تتسبب في سقوطها المحتوم: فهي مُصوَّرة ككتلة من الأجساد المُتشبثة ببعضها البعض بدافع الخوف فقط. منشغلة ببقائها على قيد الحياة، تفتقر إلى القوة لمقاومة الجاذبية، ويبدو أنها تسحب بعضها البعض إلى الهاوية. في تناقض صارخ، يُصوَّر البشر المُمبعوثون على الجانب الأيسر من اللوحة وهم ينهضون منتصبين ويتجهون نحو الخارج. بعد صعودهم، يتقدمون بخطى ثابتة، وبسرعة ملحوظة، نحو بوابة السماء، حيث يستقبلهم ملاك. وفي كل الأحوال، يبدون وكأنهم بمنأى عن جاذبية الأرض.
بهذا الوصف، يبدو المشهد السفلي من اللوحة وكأنه يصور تفاعلاً دنيوياً ودينامياً بين القوى الأرضية والقوى البشرية المضادة. ويتجلى هذا بوضوح في الإحساس بالحركة الذي يميز هذه اللوحة. تأمل الإيقاع الدائري المنبعث من قوس قزح الذي يجلس عليه الرب، والذي قد يُظن خطأً أنه عجلة حظ تدور. أو تأمل الميزان الذي يحمله رئيس الملائكة ميخائيل، والذي يبدو وكأنه يتحرك في اتجاهين متعاكسين. تعطي اللوحة بأكملها انطباعاً قوياً بوجود اتجاهين متعاكسين للحركة، أحدهما يشير إلى الأسفل والآخر إلى الأعلى، مما يوحي بوجود توتر كبير بينهما.
وبالتالي، يمكن قراءة هذه اللوحة أيضًا كرمز أيقوني لفكرة طرحتها سيمون ويل (1988) عندما أكدت في كتاباتها اللاحقة أن غاية الحياة البشرية تكمن في إيجاد سبيل للتعامل مع نزعتين متناقضتين يواجههما كل منا حتمًا: الجاذبية والنعمة. أي، من جهة، ميلنا للانحناء نحو الأسفل بفعل الجاذبية (“الجاذبية”)، ومن جهة أخرى، مقاومة هذه القوة، أي الإرادة للنهوض من أجل نيل الكرامة والحرية الحقيقيتين (“النعمة”).
وبعبارة أدق، تقول ويل: “جميع حركات النفس الطبيعية تخضع لقوانين مماثلة لقوانين الجاذبية المادية”. “النعمة وحدها هي الاستثناء” (ويل، 1988، ص: 41). هنا، تستخدم لغة مجازية بالغة التأثير: فكما أن الأجسام المادية تخضع لقوى ميكانيكية دائمة تجذبها إلى الأسفل، فإن مسار حياتنا غالبًا ما تحكمه قوى خارجية تسعى للسيطرة علينا وجرنا إلى الحضيض، فلا نجد معنىً لوجودنا الإنساني. وحدها النعمة تُمكّننا من التحرر من هذا الواقع الحتمي. فالنعمة، إذن، تُقاوم الجاذبية، فتمنحنا الارتقاء والحرية. الجاذبية قاعدة ثابتة، تعمل وفقًا لمبدأ السببية، وهي القاعدة المطلقة، تسري دائمًا. أما النعمة، على النقيض، فهي استثناء دائم.
ومن هذا المنطلق، يمكننا القول إن الأجساد على الجانب الأيمن تُشكّل مزيجًا فوضويًا مهووسًا بالبقاء على قيد الحياة، وبفعلها هذا، تقع فريسة سهلة لقوة تجذبها إلى الأسفل، نحو الفناء المحتوم. وهكذا، فهي، إن صح التعبير، سبب هلاكها. على النقيض من ذلك، تبدو الشخصيات على اليسار غير متأثرة بهذا الخوف: ففي رهبة وتركيز عميق، تشق طريقها في النهاية نحو بوابة الجنة. وبعد أن تغلبت على قوة الجاذبية، تستطيع مواصلة حياتها – حياة مباركة. بعبارة أخرى، لا يزال الميزان الذي يحمله رئيس الملائكة في يديه يؤدي نوعًا من القياس، ولكن ليس قياسًا وفقًا لمعيار خارجي. بل إن المخلوقات نفسها هي التي، بحكم نمط حياتها، تُحرك الميزان صعودًا أو هبوطًا. من هذا المنظور، تكتسب اللوحة حتمًا معنى أخلاقيًا، وإن كان غير مألوف، إذ يبدو أن ما يحدد الحياة الأمثل متأصل تمامًا في تلك الحياة نفسها.
4. التناسخ في مواجهة “جحيم التكرار”
قد يبدو هذا التفسير، حتى وإن كنتُ أؤمن بإمكانيته وتماسكه، غريبًا للبعض. ففي نهاية المطاف، يركز هذا المنظور كليًا على الجزء السفلي من اللوحة، ويقرأه بمفاهيم “أرضية” بحتة، متجاهلًا تماما الرؤية اللاهوتية المسيحية السائدة التي أثرت في الرسام والجهات المانحة. ومع ذلك، إذا ما اعتمدنا قراءةً من منظور سيمون ويل، فمن المثير للاهتمام أن نلاحظ أنها – على عكس اللاهوتيين التقليديين – عارضت فكرة القيامة والدينونة، وهو ما يفسر عدم اعتناقها المسيحية بشكل كامل. ولتبسيط الأمر، ترى ويل (1988) أن أهمية هذا الدين تكمن في فكرة التناسخ، لا في الخلاص. تكمن عظمة المسيحية في كونها دينا يؤكد بشكل فريد على أن الإلهي قد تجلى في العالم المادي الحقيقي، وأنه من خلال ذلك أصبح شيء جديد تماما ممكنا. الأمر اللافت للنظر أيضاً، بحسب ويل، هو مجيء المسيح إلى العالم كطفلٍ ضعيف، وليس سرّ قيامته الخارق للطبيعة. فالميلاد، في رأيها، مناسبةٌ أعظم بكثير من عيد الفصح، كما تُصرّح بذلك بوضوح.
بعبارة أخرى، فإن التركيز المفرط على ما يحدث في النهاية – الصحوة المنتصرة وفداء النفوس الصالحة – يحجب عنا رؤية السرّ الحقيقي: تجلّي الإلهي في العالم الأرضي، أولاً كخلقٍ في بداية الزمان، ثم في صورة ما هو صغير وهشّ في الميلاد. وهكذا، يرتبط التصوّف المسيحي عند ويل بفهمٍ جوهريّ للنعمة. إنه يدور حول إدراك قوة البدايات والانطلاقة الجديدة الحقيقية – فالله يأتي إلى العالم، حرفياً، وهذا ما يُحدث الفرق – ولكنه في الوقت نفسه يدور حول قبول ضآلة الوجود برمّته – فالله متجسّد في الطفل العاجز. لذا، ليس من المستغرب كونها في كتاباتها اللاحقة، تُقدّم مفهوم “التناسخ”، الذي يُشير إلى طريقةٍ لوجود الإنسان تتجاوز فرديته المُنغلقة، أي وضعنا الافتراضي المتمثل في الانطواء على ذواتنا. التناسخ هو النقطة التي تنتصر فيها النعمة على الجاذبية: “النعمة تملأ، لكنها لا تستطيع الدخول إلا حيث يوجد فراغٌ لاستقبالها” (ويل، 1988، ص: 53).
لا ينبغي لنا الاستمرار في التمسك بذاتنا، كما نميل إليه تلقائيًا، لأن هذا يُعدّ بمثابة استسلامٍ آخر لسلطة الواقع. ولذا، فإن فكر ويل يحمل توجهًا أخلاقيًا عميقًا، يتجلى في ضرورة الابتعاد قليلًا عن الأنا التي تستعبدنا إلى حد كبير، من أجل التخلص من ضغوطها. ففي ظل هذا الشرط فقط، يمكننا أن نبدأ بالعيش من جديد، وبمعنى أعمق. أعتبر هذا تحديًا تربويًا. لذلك، أقترح أن نفهم أفكار ويل ومفاهيمها كمفاهيم تربوية، متجاهلين مؤقتًا دلالاتها الصوفية واللاهوتية.
ثم يظهر يوم القيامة كلوحة أرضية تُصوّر، على الجانب الأيمن، كائنات غارقة في ذواتها، متشبثة بحياتها كما تعرفها، حتى أنها تستسلم لقوى الجاذبية الحتمية. لا مستقبل لها: بأفعالها، أي بتشبثها العنيد بذاتها (مما يزيد من ذعرها)، تحكم على نفسها بالوقوع في الجحيم. يمكن النظر إلى المكان الذي يجرّون فيه بعضهم بعضًا إلى الأسفل على أنه مكان رتيب يتسم بالتكرار اللانهائي للشيء نفسه، ومن هنا جاء التعبير الإنجليزي “جحيم التكرار”.
أما أولئك الموجودون على اليسار، فيتمكنون من التغلب على هذا التشبث بالهوية. تشهد وقفتهم المنتصبة على استعادة كرامتهم. لم يعودوا ضحايا لجاذبية الهبوط، بل ينهضون ليبدأوا حياة جديدة، حياة لم تُحدد بعد، مغامرة جديدة، بمعنى ما. تبدو هذه الكائنات متلهفة للتحرك بسرعة نحو الباب الموجود على الحافة اليسرى للوحة، كما يتضح من أحد الشخصيات الذكورية (الجانب الأيسر من اللوحة الثالثة من اليسار) وهو يحث شخصية أنثوية على الإسراع. من الواضح أن الوقت قد حان للرحيل. ولكن إلى أين؟ استنادًا إلى فكرة يان ماسشيلين ومارتن سيمونز (2013) القائلة بأن الكلمة اليونانية القديمة “سكولي” كانت تعني في الأصل زمانًا ومكانًا يجتمع فيه الناس ويتحررون من أعباء وواجبات الحياة اليومية ليبدأوا حياتهم بطرق جديدة، أقترح أنه في هذا التفسير الواقعي للوحة فان دير فايدن، يمكن اعتبار الباب الموجود على الجانب الأيسر بوابة المدرسة. وهذا يعني أيضًا أن الملاك الواقف أمام هذه البوابة هو “بيداغوغوس”، الذي – كما يشير ماسشيلين وسيمونز (2023) – كان في الأصل الشخص المسؤول عن اصطحاب الأطفال إلى المدرسة.
يستند هذا التحليل، بطبيعة الحال، إلى فهمٍ خاص لمعنى المدرسة والتعليم. أولًا، تُعتبر المدرسة هنا بيئةً استثنائيةً تُمكّن التلاميذ من تكريس وقتهم وجهدهم لمادةٍ دراسيةٍ لما فيه خير تلك المادة: فبفضل حرية عيش حياةٍ دراسيةٍ جادة، تتاح لهم الفرصة للبدء في الاهتمام بأمورٍ – كالرياضيات، والطبخ، وتعلم لغةٍ أجنبية، والنجارة، وغيرها – لم تكن ذات أهميةٍ تُذكر في حياتهم حتى ذلك الحين (انظر: فيش، 2012). وقد تشير دراسة هذه الأمور وإتقانها إلى تغييرٍ جذريٍّ في مسارات حياة هؤلاء الطلبة. ثانيًا، يُصبح تلقّي التعليم بمثابة إمكانية التحرر من دائرة التكرار والضرورة. ويستند التعليم، بهذا المفهوم، إلى افتراض عدم وجود ضرورةٍ في الطريقة التي تُشكّل بها حياتنا وتُنظّمها حاليا، فرديا وجماعيا: إذ يُمكننا تجاوز هوياتنا المُحدّدة مُسبقا والانتقال إلى “ذاتٍ جديدة” (باستخدام تعبير رالف والدو إيمرسون البليغ [2021]). إذا كنا مُعرَّفين تماما بما نحن عليه (وبالتالي ما يُمكن أن نُصبح عليه مُحدَد أيضا)، فإنَّ التحوّل العميق لذواتنا يُصبح مُستحيلاً. لذا، فإنَّ التعلُّم يعني إيجاد سُبلٍ للتخلُّص من هويتنا الثابتة: إنها عملية تفكيك الهوية (ماسشيلين وسيمونز، 2013) أو ما تسمِّيه ويل “التناسخ”.
يُذكِّرنا هذا بتحليلات روبرت بفالر (2008) وبيونغ تشول هان (2015) بشأن عالمنا المُعاصر، حيثُ يُشكِّل الشعار النيوليبرالي “كُن نفسك!”، “مهما بدا مُحرِّرًا للوهلة الأولى”، قوةً تُعيق إمكانية التحوّل الذاتي (انظر أيضًا بيرغ وسيبر [2016]، اللذين يُقدِّمان تحليلًا مُشابهًا في السياق الأكاديمي). إن وتيرة العالم المعاصر المحمومة، التي تُحثّنا باستمرار على النجاح، والتكيف قدر الإمكان مع متطلبات الظروف، والانشغال فقط بأكثر الطرق فعالية للتقدم، لا تُخفي، بحسب بفالر وهان، شعورًا عميقًا بالإرهاق، يصفانه أيضًا بأنه الوقوع في “جحيم التكرار”: فالجحيم لا يكمن في الألم ولا في العقاب، بل في التكرار المتواصل للنمط نفسه، حيث تُباد كل شرارة تجديد وكل لقاء حقيقي إلى الأبد (هان، 2024).
في هذا الجحيم، كما يصفه بفالر وهان، يبدو أنه لا مفرّ؛ أي أنه لا يوجد شيء خارج النظام الذي نعيش فيه حاليا يُمكن أن يُثير اهتماما بالتغيير الذاتي، أو رغبة في استكشاف آفاق جديدة. وبالتالي، لا يوجد ما يُمكن أن يُساعدنا على التغلب على جاذبية النيوليبرالية. تزدهر مجتمعاتنا، بنظامها الحالي – “مجتمعات الإيجابية” (هان، 2015؛ أي المجتمعات التي تُشجعنا على تأكيد ما هو مُعطى والحفاظ عليه دون تخيّل أي شيء مختلف تماما) – بشكلٍ فعّال عندما يرغب أفرادها بشدة في أن يكونوا على طبيعتهم، لا غير. في الواقع، تزدهر “مجتمعات الإيجابية” إلى الحد الذي يتصرف فيه أفرادها كـ”ذوي إنجاز” أنانيين (ما يُسميه هان “ذوي الإنجاز”)، كائنات تُهندس حياتها المُحددة مُسبقا، عمياء عن أي إمكانية لتغيير مسار حياتها. هذا لا يُمكن أن يُؤدي إلا إلى انشغالٍ قهري بالتشبث بالحياة التي يمتلكها المرء، مثل الأرواح الملعونة التي تُرى على الجانب الأيمن من لوحة فان دير فايدن.
لتوضيح هذه النقطة، وختامًا لهذا القسم، فإن الدعوة إلى “أن تكون نفسك”، كما يؤكد جيرت بيستا (2024)، تختلف عن فكرة “أن تكون ذاتًا”. ويعني بذلك أن أن تصبح شخصًا ما، وليس أي شخص، لا يزال هدفًا قيّمًا للتعليم، أي أن تُحقق حياة ذات معنى خاصة بك، حياة لا يمكن لأحد أن يعيشها سواك. أن تكون مُتعلمًا، إذن، هو أن تعيش حياة فريدة (حياة ذات، لا مجرد موضوع)، وهذا يعني أيضا أننا نكتسب قوة وثباتا في الشخصية يسمحان لنا بالتخلي عن تحيزاتنا ورغباتنا، مما يُتيح لنا التحول الذاتي. لكن هذا يعني أيضًا أن الأمر يتجاوز مجرد إدراك الذات الحقيقية، أي جوهر الهوية الموجود مسبقا والذي ينتظر التطور أو النضج. لذا، فإن كون المرء ذاتا يتعلق بما أسمته ويل “التراجع”: إمكانية الخضوع لتحول عميق في الذات.
5 . معيارية كامنة في التربية
في هذا القسم الأخير، أعود إلى مسألة وجود أخلاقيات خاصة بالتربية ما بعد النقدية. وكما ذكرتُ في بداية هذا النص، يتعلق الأمر بكيفية اختيارنا، كمربين، بين مسارات العمل الأكثر أو الأقل استحسانا، أي كيفية تصور معيارية تربوية ما بعد نقدية. أرى أن القراءتين اللتين عرضتهما في هذا النص للوحة فان دير فايدن – التفسير المتعارف عليه والتفسير الأكثر واقعية المستوحى من ويل – تُقدمان طريقتين مختلفتين ومتناقضتين للتفكير في هذه المعيارية. فإذا فسرنا اللوحة متعددة الأجزاء تفسيرا تقليديا، ورأيناها ببساطة مشهدا من يوم القيامة، فإن المعيارية الكامنة في التربية تبدو وكأنها تستند إلى أساس متعالٍ، أي أن هناك عالما نهائيا للحقيقة يتعلق بالحياة الطيبة، وهو عالم لا يُتاح إلا للمربي، وليس للمتعلم. إنّ الوصول إلى هذا الأساس هو ما يمنح المُعلّم الضمانة بأنّ مساره مُبرّر. فالتربية الجيدة، إذن، تتكوّن من جعل المتعلم مُعتمدا على حكم هذا الوصي المُنقذ – الشخصية الرعوية للمُعلّم الذي يُفرّق بين الناجين والضالين، ويُرشد تلاميذه إلى المكانة التي يستحقونها وينتمون إليها.
من جهة أخرى، تُتيح لنا القراءة البديلة للوحة المعروضة هنا تصوّر معيارية تربوية تتجاوز الحكم. أعني بذلك أنّه من الممكن دائما تحديد ما يُشكّل حياةً (أكثر) قيمة، وكيف يُمكن لهذا أن يُوجّه تعليمنا، ولكن لا ينبغي قياس ذلك بمعيار خارجي أو مُتعالٍ. بل هو خيار جوهري تماما: إمّا أن يستسلم التلاميذ لقوة الجاذبية ويتشبّثوا بوجودهم المُجرّد، أو أن يكتسبوا القوة لمواجهة هذه القوة ومنح حياتهم بداية جديدة. وهذا يعني أسلوب حياة يشعرون فيه بالثراء – يتميّز بالقوة والتنوّع والفرح والجمال – وهو أكثر جاذبية وإثارة للاهتمام من السجن في جحيم التكرار.
يتبنى الخيار الأخير حياةً دراسيةً موجهةً نحو تحوّلٍ ذاتيٍّ عميق، على عكس الخيار الأول الذي يلتزم ببساطة بنمط وجودٍ ثابتٍ ورتيب. وبالتالي، فإنّ ما هو على المحكّ في المعيارية التربوية ما بعد النقدية هو إمكانية التحوّل الذاتي الذي يقاوم جاذبية الأنماط الراسخة، ويُفسح المجال لأشكال حياةٍ جديدةٍ وأكثر حيوية. ولا تستند المعيارية هنا إلى معايير خارجية للمعنى أو الاستحسان، بل إلى التمسك بالبدايات الناشئة والإمكانيات التوليدية التي تُتيحها الحياة نفسها.
ولتوضيح ذلك بشكلٍ ملموس، يمكننا النظر إلى هذه المعيارية الجوهرية في ضوء حجة جان جاك روسو (1992) التي مفادها أنه لا يوجد معيار آخر للحكم على جودة التعليم من رداءته سوى “إمكانية التحسين” – أي القدرة على تطوير الذات، حيث لا يُقاس التقدم بناءً على هدف خارجي أو متعالٍ، بل يُقاس كليا بحياةٍ تصبح أقوى مما كانت عليه. يطرح روسو هذه الفكرة انطلاقًا من قناعته بأن هذه القدرة على تطوير الذات تميز الإنسان عن الحيوان، الذي يُعتبر مُحددا تماما (على سبيل المثال، بغرائزه). يفتقر الإنسان إلى هذه الحتمية، وبالتالي لا سبيل لتحديد محتوى التعليم الجيد أو التنبؤ بكيفية تطور المتعلمين. المعيار الوحيد هو معيار داخلي في مسار حياة المتعلم: هل تكتسب حياته، كما تقول سيمون ويل، مزيدًا من الرقي؟
لإضفاء بُعد لاهوتي أخير على حجتي، أقترح قراءة هذه المعيارية التربوية المتأصلة تماما من خلال منظور مفهوم “الخلاص” كما ورد في أعمال جورجيو أغامبين (الذي كتب، كما هو متوقع، أطروحته للماجستير عن سيمون ويل). ويتمثل أسلوب أغامبين الفكري (1990) أيضًا في صياغة مفاهيم مثمرة ذات تاريخ لاهوتي عريق بهدف تقديم رؤى غير متوقعة. وبالتأمل في موضوع نهاية الزمان، يشير إلى أن: “كحالة، الجنة تُعادل الجحيم تماما رغم اختلافهما في الرمز” (أغامبين، 1990، ص 91). فالجنة والجحيم ليسا مكانين مختلفين نوعيا. إن اختلاف الأحداث في هذين العالمين يرتبط ارتباطا وثيقا بكيفية تعاملنا، كبشر، مع هذا العالم: “عالم الخير وعالم الشر يحملان في طياتهما نفس الحالة […] فالناجون والضالون يملكون نفس الأطراف. الجسد المجيد لا يمكن أن يكون إلا الجسد الفاني نفسه. ما يتغير ليس الأشياء، بل حدودها” (أغامبين، 1990، ص: 92).
بمعنى آخر، هل نحصر أنفسنا في نمط حياتنا الحالي، أم نستغل إمكانية التحول الذاتي التي تتيحها لنا الحياة؟
مع ذلك، ثمة استعارة لاهوتية أخرى يلفت أغامبين انتباهنا إليها، وهي استعارة قد تُجسّد هذه الفكرة الأخيرة بدقة أكبر. فبالاستناد إلى فلاسفة العصور الوسطى، يُشير أغامبين تحديدا إلى أنه إلى جانب التقسيم التقليدي بين فئة الملعونين وفئة الناجين، توجد فئة ثالثة من المخلوقات تعيش حياة سعيدة في منطقة محددة من الآخرة ليست جنة ولا جحيمًا: المطهر. خلاصهم لا يأتي من أي مكان آخر، أي من النعمة التي يمنحها لهم القاضي الأعلى. في الواقع، هم محصنون تمامًا من نعمته – بمعنى أنهم غير عرضة لعذابه. إنهم ناجون لأنهم لا يُمكن خلاصهم أصلًا.
وبشكل أدق، يُشير ذلك إلى الأطفال الذين ماتوا قبل تعميدهم. لم يرتكبوا أي ذنب، وبالتالي لا يوجد سبب لمعاقبتهم. ومع ذلك، لا يُمكنهم نيل النعمة الإلهية. لذلك فهم خارج نطاق النظام اللاهوتي نفسه الذي يُقسّم المخلوقات وفقا للتناقض بين الذنب والبراءة (هم، إن صح التعبير، ليسوا غير مذنبين). في حالة البرزخ، يمكن للأطفال الأبرياء أن يبقوا دون معاناة، رغم حرمانهم الأبدي من رؤية الله – الخير الأسمى المتعالي. يرى أغامبين أن هذه الشخصية اللاهوتية المثيرة للاهتمام تكشف عن إمكانية وجود حياة جديرة بالعيش، لكنها لا تحتاج إلى دعم خارجي لتبرير معنى هذه الحياة. ففي نهاية المطاف، الأطفال في حالة البرزخ:
“لا يدركون حرمانهم من هذا الخير الأسمى، أو إن أدركوا ذلك، فلا يعانون منه أكثر مما يعاني الإنسان العاقل من عجزه عن الطيران. وهكذا يتحول أعظم عقاب – غياب رؤية الله – إلى فرح طبيعي: ضائعون بلا رجعة، يثابرون بلا ألم في غفلة إلهية. لم ينسهم الله، بل هم من نسوه منذ الأزل؛ وأمام نسيانهم، يعجز نسيان الله” (أغامبين، 1990، ص 5ـ6)
الدرس المستفاد من هذه التأملات اللاهوتية هو أن نمطا معينا من الحياة يُمكن تصوره على أنه مرغوب فيه أكثر من الناحية المعيارية تحديدًا لأنه يتجاوز الحكم. وكما يقول أغامبين، فإنه “يُخلَّص” تحديدًا لكونه غير قابل للخلاص. إنها حياة دنيوية بحتة – حياة لا تسعى إلى أساس متعالٍ. يُجسّد الأطفال الذين يعيشون في حالة من الترقب والانتظار هذا النوع من الحياة، حياةً يستطيعون فيها، كما يكتب أغامبين، “التمتع الكامل بكمالهم الطبيعي” (أغامبين، 1990، ص: 5). وبالمثل، يمكن اعتبار الشخصيات في الزاوية السفلية اليسرى من لوحة فان دير فايدن وكأنها تختار مسارا أكثر جدوى من تلك الموجودة على اليمين. فإذا فسرناهم على أنهم في طريقهم إلى بوابة المدرسة، كما أشرتُ، فإنهم يجسدون “حياةً زاخرة بالدراسة” (انظر لويس، 2013) – حياةً ذات قيمة جوهرية.
ومرة أخرى، لا ينبغي النظر إلى هذا التطلع إلى “الكمال الطبيعي” على أنه تطبيقٌ لمُثُل تحقيق الذات. إنما يكمن جوهر الأمر في إمكانية تغيير مسار حياتنا استجابةً للإمكانيات الجديدة التي تُتيحها لنا هذه الحياة الزاخرة بالدراسة. وعلى هذا النحو، فإن القراءة النقدية اللاحقة لكتاب فان دير فايدن “يوم القيامة”، بمساعدة مولينهاور وويل وأغامبين، تسمح لنا بصياغة كيفية تصور أخلاقيات تربوية متأصلة تمامًا ولا تنطوي على إصدار أحكام بالمعنى التقليدي للمصطلح، وذلك بعمق ودقة.
المرجع: https://www.erudit.org/fr/revues/ethiqueedufor/2025-n19-ethiqueedufor010721/1124494ar/