قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء السادس والعشرون)
أحمد رباص
الحوار المتمدن
-
العدد: 8734 - 2026 / 6 / 12 - 02:08
المحور:
الادب والفن
في النصف الثاني من الصفحة (363)، حدثنا الكاتب عن "ضحايا إضراب 81 في الرباط"، بادئا بالأستاذ محمد السكتاوي الذي كانت تنتدبه المهام نظرا لنضاله بعيدا عن الأضواء وحصوله على ثقة وتقدير أصدقاىه في كل من الحزب والنقابة والجمعية. لكنه أدى ثمن التزامه بالنضال على شكل متابعات ومضايقات واعتقالات وطرد من العمل دام إحدى عشر سنة.
قبل وفاة السكتاوي بثلاثة اسابيع زاره الكاتب وتناول معه اطراف الحديث حول أحداث إضراب 20 يونيو بالرباط، فأفاده محدثه بأن اشخاصا أغيارا لا صلة تربطهم بالحزب والنقابة اخترقوا صفوف المحتجين وقاموا بأعمال شغب وتخريب أمام أنظار القوات العمومية التي بقيت مكتوفة الأيدي. وذكر له أن مئات من النشطاء الكونفدراليين التحقوا بمقرهم الكائن بديور الجامع، وسرعان ما طوقتهم الشرطة من كل الجهات، ومع ذلك تمكن البعض منهم من الخروج، وبقي الآخرون معتصمين بداخل المقر، إلى أن حلت الساعة الثانية صباحا حيث قامت الشرطة باقتحامه عنوة وألقت القبض على 84 مناضلا نقابيا تم نقلهم معصوبي الأعين إلى قبو سفلي في مركز للإطفاء بأگدال تسكنه الرطوبة ويقل فيه الأوكسيجين. جرت محاكمة هؤلاء المعتقلين وصدرت في حقهم أحكام قاسية، رغم الطمأنة التي صدرت عن أحد القضاة.
قبل الانتقال إلى الفقرتين المعنونتين بـ"ضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد"، أريد التنبيه إلى ما شاب قولا توزع بين السطرين السابع والثامن (ص: 364) من إخلال بالإيقاع السليم. يقول سي باحدو: (...) خلفت (عملية التعذيب) أعطابا عانى منها عدد من الإخوان الذين أصيبوا بأمراض، أساسا، رئوية والقلب..." إن ما تسبب في النغمة النشاز لهذه العبارة هي اسم "القلب" المسبوق بواو العطف مع أن المعطوف عليه ليس اسما مثل المعطوف، بل صفة. ومن أجل تخليص العبارة من هذا العيب، أرى أنه كان على الكاتب أن يقول عوض ذلك: "(...) خلفت أعطابا عانى منها عدد من الإخوان الذين أصيبوا بأمراض مست أساسا الرئة والقلب..."
تحت العنوان المشار إليه سابقا، واصل سي باحدو الحديث عن موقفه الشخصي من إضراب 20 يونيو 1981 وتحليل أحداثه. هكذا يذكر أن النقيب إبراهيم صادوق دعاه
سنة 2016 إلى عشاء في بيت مسؤول كبير في القضاء بالدار البيضاء، حيث كان من بين الحضور السيد أحمد مطيع المتحدر من الشاوية والذي كان عاملا على الدار البيضاء سنة 1981، بعد أن كان متصرفًا في الجمارك، ومعروفًا بارتباطه بحانة "مدام كيران" بمرس السلطان.
خلال الجلسة الودية التي تناولت مواضيع السياسة والقضاء والتاريخ والفن، دار حديث خاص بين الكاتب ومطيع حول صحة ما يُقال عن تسليمه جوازات السفر للمواطنين مقابل إتقانهم عقدة ربطة العنق، وهو ما أكده مطيع، مضيفا أنه كان يستحق تعويضًا عن حوالي ألف منصب شغل وفرها لشباب المغرب في أوروبا.
ثم انتقل الحديث إلى أحداث 20 يونيو 1981، حيث أوضح مطيع أن الإضراب كان مخططًا له بشكل محدود ومنظم بالتنسيق بين نقابتي الاتحاد المغربي للشغل والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، مع تحريك مظاهرات محدودة وإحراق أربع حافلات قديمة. لكن بسبب الاحتقان، خرج الإضراب عن السيطرة، مما أدى إلى التخريب وإشعال الحرائق والقتل.
أكد مطيع أنه بقي وفياً لصديقه إدريس البصري، رغم النكسة التي تعرض لها، وحضر جنازته على عكس آخرين كانوا يراقبون حضور ممثلي المخزن وانسحبوا عند غيابهم.
تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة حدد عدد الضحايا من قتلى وجرحى ومعتقلين صدرت في حقهم أحكام بالسجن تراوحت بين 6 أشهر و20 سنة، لكنه لم يتطرق إلى المسؤولية السياسية عن الأحداث. كما تم إطلاق سراح المعتقلين في 10 ديسمبر 1983 دون محاكمة، مما حال دون كشف أسباب وملابسات الأحداث التي شهدت حرائق في عدة مواقع بالدار البيضاء والرباط وسقوط مئات الضحايا.
خلص الكاتب إلى أن إضراب 20 يونيو حقق أهدافًا سياسية واقتصادية، منها تخفيف الضغط على المؤسسات المالية في المغرب، وفتح مرحلة جديدة من القمع ضد الاتحاد الاشتراكي الذي خرج عن الإجماع الوطني في موضوع الصحراء، وتأجيل مؤتمر النقابة الوطنية للتعليم، وتفويت فرصة تصحيح الأوضاع داخل الكونفدرالية، معتبراً أن النقابات كانت دائمًا حاجزًا واقيًا بين النظام والمغاربة المحرومين، رغم أنه من المفترض أن تكون في مقدمة المدافعين عن مصالحهم. كما أشار إلى أن محمد البازغي، الذي ناهض قرار الإضراب، وصفه بأنه "كان كارثياً وكلفنا الكثير".
بإيجاز، أبرز سي باحدو جوانب شخصية وتاريخية وسياسية، مع التركيز على الأحداث والنتائج المتعلقة بإضراب 20 يونيو 1981 في المغرب.
قبل الانتقال إلى موضوع آخر، أجدني ملزما بالوقوف، مرة أخرى، على خطإ تركيبي يختبئ بين كلمات السطر (17) من الصفحة (365). فبعد أن جرد المؤلف المكتسبات الثلاثة التي أحرزها المخزن من الإضراب، لم يضع نقطة في آخر المتوالية من الكلمات الموظفة لذات الغرض وكتب مباشرة: "هي ضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد". فعوض ذلك، كان الأصح أن يكتب الأخ باحدو بعد وضع النقطة بطبيعة الحال: "وبذلك ضرب المخزن ثلاثة عصافير بحجر واحد".
والآن، ما هو ذلك الموضوع الآخر الذي أجلت قبل قليل الانتقال إليه؟ الأمر يتعلق بموقف منظمة الوحدة الإفريقية من مشكل الصحراء المفتعل من 1978 إلى 1980. خلال هذه المدة الزمنية، أصرت المنظمة على أن يعترف المغرب بحق سكان الصحراء في تقرير مصيرهم.
امتثالا لهذا المطلب، أعلن الحسن الثاني، رحمه الله، يوم خامس شتنبر 1981 عن "قبول المغرب تنظيم استفتاء لتقرير المصير في الأقاليم الصحراوية". لكن عبد الرحيم بوعبيد عبر عن رأي آخر عندما ضغط بكل ثقله على حزبه لإصدار بباغ مؤرخ في نفس اليوم ومتضمن رفض إجراء استفتاء في أقاليم الصحراء المسترجعة. ومباشرة بعد صدور البلاغ، جرى اعتقال بوعبيد والحكم عليه بسنة رغم التحذيرات والتحفظات التي عبر عنها أحمد عصمان أمام الملك.
يختم سي باحدو هذا الموضوع قائلا: "عندما زرت عبد الرحيم بوعبيد بعد خروجه من السجن، كان محبطا وحزينا على غير عادته. عبر لي عن استيائه الشديد من الوضع الذي آل إليه تنظيم الحزب الذي لم يستطع القيام بأي تظاهرة للتنديد باعتقال أعضاء المكتب السياسي، سواء أثناء جلسات المحاكمة أو بعدها، الأمر الذي أظهر عزلة قيادة الحزب وضعف تنظيماته".
(يتبع)